على لسان الطير والأزهار والحيوان

من خلال كتاب كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار “لابن غانم المقدسي” رحمه الله

إشارة الكلب

تحدثنا فيما مضى عن إشارة الجمل وما حفلت به من تجليات إحسانية ربانية كالصبر والافتقار إلى الله تعالى. ونقف في هذه الحلقة بإذن الله عز وجل عند إشارة الكلب كما جاءت في كتاب كشف الأسرار. وأشرنا في المقال السابق أن عددا من الأولياء كانوا يصوغون مواعظهم في أساليب فنية رائعة كالكناية والاستعارة وغيرها من الظواهر البلاغية للإفصاح عن معان قلبية. وذلك لعلمهم أن النفس الإنسانية ملولة من كل وعظ مباشر، نافرة من كل حديث زاجر، محبة لكل سهل عابر. ثم إن معاني القوم لم تكن مستساغة لدى عامة الخلق. فكان تحبيرها بأجمل بيان وصوغها في حلل الجمال مما يحببها للناس ويقربها للأنفاس، فيجلو أنئذ الصدأ، ويكشط الرين فتتشرب القلوب معاني الخير والفلاح.

وإليك الآن إشارة الكلب كما جاءت في الكتاب السالف الذكر.

يقول ابن غانم المقدسي رحمه الله: “فبينما أنا منصت لسماع الجواب، إذ ناداني كلب من الكلاب، واقف على الباب، يلتقط ما يسقط من المزابل من دقيق اللباب، فقال لي: يامن هو من وراء الحجاب، يا محجوبا عن مسبب الأسباب، يا مسبلا ثياب الإعجاب، تأدب بآدابي، فإن فعل الجميل دأبي، وسس نفسك بسياستي…” كشف الأسرار ص 112.

ولعل أول ما نستشفه من هذه الإشارة الحديث عن الحجب المانعة عن القصد، “يا محجوبا عن مسبب الأسباب، يا مسبلا ثياب الإعجاب” وهي معان دالة على الكبر والغرور واحتقار الخلق فتكون سببا في حجب صاحبها عن ينابع الخير والفلاح، والسلوك إلى الله عز وجل.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان ص 2/382: “لكن كيف يعترف عليل القلب، وداؤه مستور عن الأبصار، أنه مريض! داء العجب يمنعه عن الاعتراف، أم كيف يقصد رجلا مثله يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يقول له: داوني ! الكبرياء وسوء الظن يمنعان من ذلك. حجب بعضها فوق بعض وظلمات، ويموت مريض القلب بدائه، لم يعرفه، أو عرفه ولم يرض بعرضه على أصحاب البصائر. وتسمعه يقول: هذا كتاب الله وهذه سنة نبيه، وما عنده علم بالمصيبة التي أصابت قلبه وسره فمنعته من ملامسة نور الكتاب ونور السنة. ألا وهي مصيبة الرين والحجاب”.

أقول: ما أكثر اليوم هؤلاء الذين سطا عليهم مرض العجب والكبرياء. فمن حاكم لا يود سماع كلمة الحق تنجيه من نار وقودها الناس والحجارة، ومن عالم يمتنع عن مزاحمة جند الله بالركب ليغرف من خير الدنيا والآخرة ويقول للولي الصالح: داوني ففي القلب داء ومن أخ داع إلى الله لا علم له بعلم القلوب، فهو سادر في مزاحمة أهل الدنيا، ومن كل إنسان لا خبر له بعلم المحشر والمعاد فكل همه في المأكل والمشرب والمضجع وجمع ما قدر على جمعه من حطام هذه الدنيا… ولكنها الحجب التي أسكرت العقول وألهت النفوس عن حقيقة هذا المرض العضال. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله:” نعم: المحجوب سكران: سكرة العقل بعلمه و مخزون مكتسباته، وسكرة النفس بأنانيتها واستكبارها وسكرة الماجن بلذته،

والرئيس برئاسته، والمالك بملكه، والمعافى بصحة بدنه، والمريض بمرضه، والفقير المعوز بعوزه، حتى تحيط بالدنيا وهوسها عدا، عكسا وطردا. الدنيا دار فتنة، وما من فتنة عينية جزئية أشربها القلب حتى استقرت فيه إلا أظلمت ركنا منه وتكاثف عليه الرين ” الاحسان ص 2/383.

يقول سيدي أبو الحسن الشاذلي: والله ما رأينا العز إلا في الذل.

ويقول الشاعر:

تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل *** إذا رضي المحبوب صح لك الوصل

وقال الآخر:

تذلـل لمن تهـوى لتكسب عـزة *** فكم عـزة قدنـا لها المرء بالذل

إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن *** ذليلا له فاقرا السلام على الوصل

والموفق من فتح الله له باب الذل والتواضع وخرق الحجاب، وجلس ليزاحم الأصحاب، ويسمع كلمة الخير من قلب صادق في لحظة صدق، فيجعلها الله عز وجل له نورا وفتحا.

“والموفق من لا يقف مع شيء من دون الله، خصوصا مع طاعته يعتد بها ويباهي، الموفق من يخرق الحجاب الأكبر، وهو الزمان وهو العمر، وهو حظه من الدنيا، ويطويه فيطلق الدنيا من قلبه، ثم يطلق الآخرة من سره، ويقطع المراحل كأنه في الدنيا غريب أو عابر سبيل. يقطع المراحل وهمه الله لا غيره” الإحسان ص 2/384.

قلت ومن الحجب سيدي القعود عن نصرة دعوة الله عز وجل، وملازمة الأهل والولد والجلوس صفوف المتفرجين الذين يفعل بهم ولا يفعلون وينتظرون حتى يجتمع الشمل فيقومون للعمل… ولكنهم نسوا أو تناسوا أن الموت لا ينتظر وإنما هي أعمالكم أحصيها لكم. ونعود إلى إشارة الكلب مرة أخرى، وجاء فيها: “لا أزال واقفا على أبواب سادتي، غير راغب في سيادتي ولا أتغير عن عاداتي، ولا أقطع عنهم موداتي، وأحامي عنهم بنفسي، ولا أخاف رمسي، أطرد مرارا فأعود، وأضرب ولست بالحقود، فأنا الصاحب الودود، الباقي على حفظ العهود، أقوم إذا كانت الخلائق رقود وأصوم إذا رأيت الخوان ممدود، ولا رباط معهود، ولا مقام محمود، إن أعطيت شكرت، وإن منعت صبرت، لا أرى في الأوقات شاكيا، ولا على ما فات باكيا، إن مرضت فلا أعاد وإن مت فلا أحمل على أعواد، وإن غبت فلا يقال:ليته عاد، وإن سافرت فلا أستصحب الزاد، لا مال لي يورث، ولا عقار يحرث، إن فقدت فلا يبكى علي، وإن وجدت فلا يهش إلي، وإن مرضت فلا يمشى إلي، وأنا مع ذلك أحوم حول حماهم، وأدوم على ولاهم” كشف الأسرار ص 113.

في هذا الكلام نستشف معان إحسانية شتى فهناك الصبر والشكر، والرفق والرحمة والذل والتواضع، والرضى بالقضاء والقدر والزهد في الدنيا والعزوف عن ملذاتها، والاجتهاد في الطاعات… وهي كلها من صفات عباد الرحمن الصادقين المخلصين السالكين إلى الله.

ونبدأ بخلق التواضع وهو من الصفات الإحسانية المباركة، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله: أهل الجنة الذين يحبهم الله هم اللينون لا عن مهانة وذلة نعود بالله، فإن الله عز وجل أخبرنا بأنه ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل، ورسوله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الذلة والقلة. لكن الموطأون أكنافا الذين قال الله تعالى عنهم “يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يوتيه من يشاء. والله واسع عليم” (سورة المائدة الآية: 56) الإحسان 487-486/1.

فمن صفات أهل الجنة اللين وليس التجبر والتكبر على خلق الله عز وجل. والذلة على المؤمنين التي هي أصل العزة عند المولى عز وجل. ويحرص جند الله أشد الحرص على خلق التواضع فبه وصل الواصلون وعلا شأنهم عند المولى. لا بالكبر والأنانية واحتقار عباد الله. وعليهم -أي جند الله- أن يجمعوا بين الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين وتلك لعمري التربية المتوازنة الحقة، لا الاستكانة المؤدية إلى الخضوع والسكون وهو ما جاء في إشارة الكلب “لا أزال واقفا على أبواب سادتي، غير راغب في سيادتي ولا أتغير عن عادتي”.

ومن هذه الصفات الإحسانية الرضى بالقضاء والقدر وذلك في إشارة الكلب: “لا أرى في الأوقات شاكيا، ولا على فات باكيا” إلا أننا يجب أن نفهم أمر الرضى بالقضاء والقدر الفهم الصحيح لا الفهم الخاطئ المبني على الخمول والكسل.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله “ما قضاه الله عز وجل وقدره واقع لا محالة ولا راد لقضائه، لكن لا يستوي من عمل بأمر الله الشرعي، وبذل الجهد، حتى طواه القدر أو بسط له، ومن عجز عن العمل وتكاسل وتخامل حتى فاجئه القدر. الأول مأجور معزوز، عمل بقضاء الله فيسره الله للحسنى، والثاني آثم مأزور لم يستعن بالله، ولم يتوكل عليه بخطوات عملية، فيسره للعسرى، وجرى عليه عجزه جزاء الجبناء. ولله الأمر في الآخرة والأولى” الإحسان 300/2.

ما جنى على الأمة إلا فهمها الخاطئ للقضاء والقدر، فألفت القعود والكسل فتركت الجهاد فغزاها العدو في عقر دارها، وقالوا: هو قضاء وقدر “عملك لتحقيق ما أمرت به شرعا جزء من القضاء، على نهوضك أنت للعمل وتشميرك فيه، أو توقفك عنه وعجزك، تترتب النتائج” الإحسان 300/2.

أما الزهد في الدنيا وترك ملذاتها فنجده في إشارة الكلب الآتية “أقوم إذا كانت الخلائق رقود وأصوم إذا رأيت الخوان ممدود، ولارباط معهود ولا مقام محمود”.

إلا أن الزهد فهم هو الآخر فهما خاطئا، فاعتقده البعض دروشة وعزوفا عن الدنيا وهروبا من المجتمع، أما الزهد الحق هو الذي عاشه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان زهدهم عملا فعالا، كان جهادا متواصلا يبذلون النفس والنفيس في سبيل الله، عاشوا زهدهم يوم أسلموا لله عز وجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبروا معه لأذى قريش الشديد. عاشوه يوم هاجروا معه مخلفين وراءهم الأهل والولد والدار والمال، مخلفين العشيرة، وكانت العشيرة في المجتمع الجاهلي هي الأمن وهي الشرف وهي الحسب وهي ضمان الحياة. زهدوا في الدنيا كلها وهاجروا إلى الله ورسوله” الإحسان 441/1.

قال الشاعر:

إني بليت بأربـع يرمـونني *** بـالنبل عن قـوس لـه توتير

إبليس والدنيا ونفسي والهوى *** يا رب أنت على الخلاص قدير