يا من يفك رقبة الأمة! يا من يطعمها في أيامها ذات المسغبة! يا من يخرجها من يتمها وبؤسها ومتربتها!

إن شياطين التبعية، والجوع، والهزيمة التاريخية، لا يفيد في طردها الاستعاذة. تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر، لكن المصلي يبقى عالة على غيره إن لم يشمر عن ساعد الجد ليكسب قوته، ولم يتحفز للنشاط الدائب وإعداد القوة ليدافع عن نفسه الشياطين الإنسية التي لا تردها الاستعاذة كما ترد شياطين الجن.

إن الذي يفك رقابنا عمل منبعث من أعماق ديننا الحنيف الذي يأمر بالسعي في الأرض، والمشي في مناكبها، وعمارتها، والخلافة فيها، “يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض”.

فهل قال له الله عز وجل: نم ونحن نرزقك ونبطش بعدوك؟ كلا بل قال له: “فاحكم بين الناس بالحق”. وقال له عز وجل: “اعمل سابغات وقدر في السرد. واعملوا صالحا”.

ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحث على العمل سلسلة طويلة من الأحاديث يقرأها خطباؤنا الأماجد من على منابر إسلام الخمول، والحركة خارج المسجد تعج بنشاط لا يمت إلى الإسلام بصلة، إلا من حيث استمرار الناس بالاعتقاد أنه لا إله إلى الله وأن محمدا رسول الله، وما كان من عمل فردي يختلط صلاحه بفساد الغادين الرائحين على غير قصد سام، وجهاد بان.

قوى العمل معطلة في البطالة، أو موجهة لإنتاج معاش متخلف. ولا شرف للعمل الجاد. إنما الشرف لمن يحتال. والعامل عسيف مظلوم في أدنى درجات السلم الاجتماعي. بقي في كلام العرب أثر للمعاملات الجاهلية، فنجد في الحديث قول الأعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن ابني كان عسيفا”. قال مالك رحمه الله: العسيف: الأجير. فحمل الاسم معاني الظلم والتعسف الواقعين على الأجير العامل.

في معرض حديثنا عن جهاد البناء يجب أن لا نتصور هذا الجهاد على شكل تطوع شامل تهب الأمة بكاملها بمقتضاه لتنجز الأعمال الشاقة في جو المرح والنشاط والحماس.

يلزم كثير من التطوع وكثير من الانبعاث الجماعي. ويلزم أن تسود روح النشاط عبادة البناء بنية التقرب إلى الله عز وجل. لكن هذا الجو الإيماني ما هو إلا إطار نفسي حركي، وجسم العمل وماهيته بذل العامل جهده اليومي في حدود واجب هو مسؤول عنه، وحق هو مطالب به، حق يحميه القانون الشرعي.

الإطار الإيماني دعوة، والدولة الإسلامية، مستندة إلى الدعوة متحركة على هديها، يجب أن تقنن للجهاد البنائي قوانين تخطط العمل، وتعبئ الجهود، وتنصف العامل لتنفي عنه العسف، وتعطي صاحب المال حقه بالقسط.

ولا تحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الميامين كانوا رجال غدوة إلى المسجد وأخرى لساحة القتال، والأيام بين ذلك فارغة. بل كان العمل الدائب، والسعي الكاسب نشاطهم العادي اليومي.

قال الحافظ ابن القيم نور الله ضريحه: “إن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى. وشراؤه أكثر. وآجر واستأجر واستئجاره أكثر. وضارب وشارك، ووكل وتوكل، وتوكيله أكثر. وأهدى وأهدي له، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عاما خاصا، ووقف وشفع. فقبل تارة ورد أخرى، فلم يغضب ولا عتب، وحلف واستحلف. ومضى في يمينه عدة، وكفر أخرى. ومازح وورى ولم يقل إلا حقا. وهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة”.

وقد بوب البخاري رحمه الله: باب كسب الرجل وعمله بيده. قال الحافظ بن حجر رحمه الله: اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة. وعند البخاري قول أبي بكر الصديق بعد تولية الخلافة: “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم”، أي أنهم كانوا يباشرون أعمالهم بأيديهم، لم يكونوا طبقة طفيلية. وعنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده. وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”. وقوله صلى الله عليه وسلم: “لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه”.

وعند البخاري في كتاب الحرث والمزارعة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة. وعنده رحمه الله هذا الحديث العجيب الحكمة عن أبي أمامة الباهلي أنه قال وقد رأى سكة وشيئا من آلة الحرث: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل”. فهل هذا زجر عن احتراف الرزاعة واتخاذ عدتها؟ كيف وفيه، إن فهمناه هذا الفهم، تناقض سافر مع ما أمر الله به من الحرث والزرع وشكر نعمة الله في ذلك، ومع الحديث السابق في فضل الغراس والزرع!

كان الصحابة رضي الله عنهم عمال أنفسهم في كسب المعاش، وكانوا عمال الله في مرابطتهم المستمرة واستعدادهم الدائم للجهاد. فإن دخلت الآلة الزراعية البيوت، واحتلت محل السلاح، واستحال جند الله مجرد زراع خاملين، فقد حل الذل بالأمة. السكة والمحراث وما في حكمهما من آلة إنتاج المنافع الاستهلاكية لا تعوض السلاح ومعامل صنعه. فإن تزاحم هدفا بأس الحديد ومنافع الناس على اهتمام المسلمين واختل التوازن في صالح الإنتاج الاستهلاكي الوديع المسالم فذلك هو الذل، لأن أمة من الفلاحين الملتصقين بالأرض، وأمة من عمال البضائع المدنية بدون حماية وشوكة أمة مفتوحة للغزو.

وقد بوب البخاري رحمه الله على حديث أبي أمامة هكذا: “باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر”. قال الحافظ ابن حجر نفع الله به: “وقد أشار البخاري بالترجمة (أي بعنوان الباب) إلى الجمع بين حديث أبي أمامة والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس. وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك. ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه (قلت: الجهاد خاصة)، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع، إلا أنه جاوز الحد فيه”. قلت: تجاوز الحد وتضييع ما أمر بحفظه علة ونتيجة للإخلال بتوازن العمل الاقتصادي بين هدفي: بأس الحديد ومنافع الناس.