السؤال الأول: تصنف جماعة “العدل والإحسان” باعتبارها جماعة صوفية. وذلك من منطلق أن مرشدها عبد السلام ياسين معروف بماضيه الطرقي الصوفي. وثانيا بسبب ما توليه الجماعة من اهتمام مركزي للتربية الروحية في بنائها التربوي والدعوي. ما رأيكم في هذا التصنيف؟ما زلنا نحس بأن هناك قصورا في الآليات المعتمدة لتصنيف جماعة العدل والإحسان، وأنه ما زال يطغى على العديد من الباحثين نوع من التبسيط والسطحية والمزاجية في اعتماد تصنيف دون آخر، والتعامل الانتقائي مع مجال واحد من مجالات اشتغالها يؤدي في النهاية إلى تشويه رسالتها.

لكل هذا لا نفتأ نؤكد بأن جماعة العدل والإحسان جماعة دعوة إلى الله عز وجل، وتربية للناس للترقي بهم في سلم القرب إلى الله عز وجل من إسلام لإيمان لإحسان، والسياسة جزء من اهتماماتها، وهي تركز في عملها على الفرد والجماعة والمجتمع.

أما ربط الجماعة بالتصوف بسبب الماضي الصوفي لمرشدها فهذا منطق غير سليم لأنه لو صح وعمم على الجميع لوقعت لخبطة في تصنيف جميع التنظيمات؛ إذ هناك تنظيمات يمينية يرأسها قيادات ذات ماض يساري، وهناك حركات إسلامية قادتها ذوو ماض يساري، وهكذا ..

والماضي الصوفي لمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين مما لا ينكره لأنه عرف فيه الله عز وجل وصحب فيه وليا لله عز وجل دله على الله تعالى، ولكنه يؤكد بالمقابل بأنه شب عن الطوق وتجاوز مرحلة البدايات وانتقل من مرحلة النقول عن الرجال إلى مرحلة التتلمذ المباشر لسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

السؤال الثاني: ما موقع التصوف في فكر الجماعة؟لا موقع للتصوف في فكر الجماعة لأن الجماعة ليست طريقة صوفية، ولأن رجالاتها لا يحبون الاسم ولا الشكل الذي تتحدث عنه، لأنهم ببساطة يجدون في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيهم عن ذلك.

أما إن قصدت التركيز على الجانب التربوي بما يعني من سمو بالإنسان في مراتب الدين كما وصفها حديث جبريل عليه السلام وبين أنها إسلام ثم إيمان وإحسان، وبما هي تزكية للنفس، فهذا أمر لا يقتصر على الصوفية، وما على العديد من الباحثين إلا مراجعة العديد من مسلماتهم فلو أن كل مهتم بالتربية ينعث بالتصوف لصح أن يكون كل مركز على المساواة اشتراكيا، وكل محب لآل البيت شيعيا، وكل مدافع على حرية الأفراد ليبراليا. وهذا منطق لا يستقيم.

تركيز الجماعة على التربية يجد أساسه في الدين، فلا خير في جماعة إسلامية لا تدل أفرادها على الله عز وجل، ولا فضل لها عليهم إن هي رمت بهم في معترك السياسة والدعوة بدون زاد تربوي يقيهم ويحصنهم، وقبل هذا ينفعهم عند الله عز وجل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

تفحص وتمعن معي في هذا الحديث القدسي الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن رب العزة: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المومن يكره الموت وأنا أكره مساءته” رواه البخاري.

بئس الحركة الإسلامية إن لم يكن محور اشتغالها هذا الحديث، وهمُّ أفرادها كيف يكونون من المعنيين بهذا الحديث.

السؤال الثالث: يقال إن جماعة العدل والإحسان بتركيزها على الجانب الروحي  الصوفي تجعل من الرؤيا عنصرا أساسيا في بناء الاستراتيجيات واستشراف المستقبل. ونذكركم بالحديث الذي دار مؤخرا حول تعيين بعض أفراد الجماعة لتاريخ معين للخلافة، كل ذلك بناء على رؤيا أو أكثر من رؤيا .. فهل هذا صحيح؟هذا كذلك من أوهام وأباطيل المغرضين الذين لا هم لهم إلا الطعن في الجماعة، ولعلمك فهذا النقاش لم يتصاعد إلا بعد المشاركة المشرفة للجماعة في المسيرة التضامنية مع الشعب الفلسطيني يوم 28 نونبر 2004 ولك أن تتساءل عن أسباب ذلك؟

جماعة العدل والإحسان لا تبني خططها على الرؤى، وأحيل القارئ الكريم على كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ليقرأ هذا الكلام “الصادق في طلب الله تعالى لا يتعلق بالرؤيا المخبرة عن أحداث العالم. الذي يهمه رؤيا تبشره بالسعادة الأخروية، وبقربه من ربه، ورضاه عنه (..) لكن الصادقين لا يرتبون على الرؤيا حكما جديدا، ولا يعطلون بها حكما معروفا من أحكام الشريعة. كثير من الرؤى تحتاج تعبيرا، والتعبير علم وحكمة يوتيها الله من يشاء. فمن لنا بتلك الحكمة؟ لهذا فلا نبني على الرؤيا عملا، إنما هي مبشرات تسر ولا تغر وظيفتها أن تشجع فينا خصال الإيمان ونية الجهاد لا أن تصبح مصدر الأحكام” ص 199.

هل بعد هذا الكلام من بيان؟ .. وكم هم قليلو علم أولئك الذين يفسرون الرؤيا بظاهرها فلو صح ذلك لما كان لرؤيا ملك مصر ذلك الشأن في عهد سيدنا يوسف عليه السلام، وغير ذلك من الرؤى كثير!!

أما عن اهتمام أعضاء الجماعة بالرؤى، فهذا أمر طبيعي ومطلوب لأنه من النبوة فقد روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لم يبق من بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الريا الصالحة” وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: رؤيا المومن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب”.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان ما يكثر أن يقول لأصحابه: “هل رأى أحد منكم رؤيا؟” رواه البخاري في صحيحه في كتاب التعبير عن سمرة بن جندب رضي الله عنه. فكيف لا يهتم أعضاء جماعة العدل والإحسان بها وفيها إحياء لسنته صلى الله عليه وسلم.

السؤال الرابع: كيف تفسرون الحملة التي شنتها  وتشنها- بعض الاتجاهات السلفية على جماعة “العدل والإحسان”؟الحملات ضد الجماعة رافقتها منذ بداياتها الأولى، وهي تتنوع حسب ظروف الزمان والمكان، فمرة تقودها السلطة، ومرة تؤجر من يساعدها على ذلك، كبعض الأجهزة الإعلامية، أو بعض الفلول اليسارية، أو بعض التيارات الوهابية، وقد يجود الزمان بمن هم مستعدون لأداء هذه الوظيفة. لكن الأساس أن هذه الحملات لم تزد الجماعة إلا تماسكا وقوة، ولم تزد الناس إلا احتراما لها وإقبالا عليها، بل إن السحر انقلب على الساحر والسلطة دفعت ضريبة تشجيعها لتلك الاتجاهات الوهابية، وفطنت في الأخير إلى ما كنا نحذرها منه ولكنها للأسف عالجت المشكلة بمشكلة أكبر حيث ارتكبت خروقات وفظاعات وانتهاكات في حق العديد منهم وهذا مما لا يرضاه إنسان سوي.

السؤال الخامس: كيف تنظر الجماعة إلى الزوايا والطرق الصوفية؟ وما الذي يمنعها من التعاون معها؛ علما بأن هناك أمورا مشتركة بينها، منها: التركيز على الذكر والتربية الروحية، وكذلك ما تتلقاه الطرق الصوفية وجماعة “العدل والإحسان” من مواجهة فكرية وإيديولوجية من طرف الجماعات السلفية الوهابية.الجماعة لا تكفر أحدا من أهل الزوايا والطرق الصوفية لأن مبدأها عدم تكفير أهل الشهادة الموحدين، ولا تتفق كلية مع المسار الذي يسيرون فيه لأنهم بذلك ركزوا على جانب دون آخر، وحتى الجانب الذي اهتموا به أحاطوه بأشكال وطقوس تكاد تفرغه من روحه وجوهره وبساطته التي هي سر قوته، وتجعله صعبا على الناس ونحن أمرنا أن نختار أيسر الطريق لتبليغ دعوة الإحسان إلى الناس.

أما فيما يخص التعاون معها، فنحن يدنا ممدودة للتعاون مع كل مسلم، ومع كل من نتوسم تحقيق مصلحة في التعاون معه لفائدة المجتمع.

السؤال السادس: برز في الآونة الأخيرة  خاصة بعد أحداث 16 ماي- حديث مكثف عن التصوف المغربي، والذي كان من أبرز تجلياته تعيين وزير أوقاف بخلفيته الصوفية المعروفة. وأصبح إحياء التصوف المغربي عنصرا أساسيا فيما يسمى بـ”إعادة الحقل الديني”. إضافة إلى ما نلمسه سياسيا من عقد ندوات، بعضها تحت الرعاية الملكية، بخصوص التصوف، وإعلاميا ببث مجموعة من البرامج ذات المنزع الصوفي، وفنيا بتنظيم مهرجانات “الموسيقى الروحية” أو “السماع الصوفي”… ما هو تفسيركم لهذا الأمر؟أعتقد بأنه سيكون من السذاجة اليقين بأن إصلاح الحقل الديني سيتم بمهرجان للسماع، أو فقط بإنعاش الطرق الصوفية، الأمر أعقد من هذا.

إصلاح الحقل الديني بوابته تحرير الشأن الديني، ورفع الوصاية عن العلماء، وفتح الباب لكل العلماء مهما كانت رؤاهم وإن لم توافق رأي الحكام، وهذا ما كان تاريخيا، ووقع الانحدار يوم فقد العلماء حريتهم وتم ربطهم بالسلطان.

لهذا لا نعول كثيرا على هذه التحركات لأن أهدافها آنية تتمثل في السعي إلى إخماد ما فعلته أحداث 16 ماي الأليمة وسيكتشف الناس بعد مدة أن لا جديد في هذه المبادرات، بل ربما يكون لها انعكاسات سلبية، ولو على مستوى خسارة الوقت.

السؤال السابع:هل تتوقعون أن يتم إدماج جماعة “العدل والإحسان” في مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني من أجل مواجهة ما يسمى “الخطر السلفي الوهابي”؟

هذا سؤال يسأل عنه المعنيون بالأمر الذين بيدهم صلاحيات إدماج هذا، وإقصاء ذاك. أما نحن فلا نفتأ نؤكد بأننا لسنا عامل توازن ضد أحد، ولا نوظف جهدنا وجهودنا إلا فيما فيه صالح المجتمع، ولسنا منشغلين بهذا الخطر أو ذاك، ونقول للمعنيين بأن الخير كله في فتح باب الحرية للجميع ليدلي كل بما عنده، وليعرض كل بضاعته، وصدق الله تعالى حين قال: “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” سورة الرعد 17.