قراة في كتاب “الإحسان” للأستاذ المرشد حفظه الله

ثانيا: لماذا الجمع بين الجهاد والإحسان؟

1- الهدف من تأليف كتاب “الإحسان”:

إخالني قد وصلت معك أخي القارئ إلى تقرير حقيقةٍ بَنَيْنَاهَا سَوِيَّةً في الفقرات السابقة، وهي أن الهدف من تأليف هذا الكتاب هو التنصيص على ضرورة, بل لزوم، الجمع بين الجهاد والإحسان في السير القلبي والحركي إلى الله عز وجل, وإثبات بطلان: “ذلك العذر (عذر القعود عن الجهاد) في حق جيلنا، وما يتبعه إلى قيام الساعة، وأن نلتمس مسلكا للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، لنكون الإخوان الذين بشر بهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم”(1).

لتحقيق هذا المطلب السامق، يقرر المرشد أنه لابد من: “استجماع ما تفرق بعد زمان الصحابة, واكتساب الشخصية الجهادية, واستصحاب ما ترثه أجيالنا من علماء الدين الأولين والآخرين استئناسا به لا عبئا ثقيلا, اجتهادا نستضيء به نحن لنقول كلمتنا من إزاء القرآن ومن مشارف الصحبة”(2)، قد يفهم من هذا الكلام أن الأستاذ المرشد يدعو إلى التصوف الموروث، وهذا غير صحيح لأن الأستاذ المرشد يوجه أجيال الصحوة إلى النموذج النبوي في تربية الصحابة، نموذج يجمع، دفعة واحدة, بين التربية الإحسانية والجهاد، يقول موضحا: “لست أدعو الأجيال المقبلة للتصوف، ولإن كانت التربية الصوفية هي التي احتفظت بجوهر الأمر كله، بل أدعو إلى اقتحام العقبة التي انحدر منها الصوفية الكرام عن ذلك الأفق العالي الجهادي الذي تحرك في ذراه الصحابة المجاهدون, نالوا بالجهاد المزدوج، الجهاد الآفاقي والأنفسي درجة الكمال، وجمعوا إلى نورانية القلوب المتطهرة حمل الأمانة الرسالية إلى العالم، وبذلك لحقوا بمقعد الصدق”(3).

2- مبررات الجمع بين الإحسان والجهـــاد:

يعتبر كتاب “الإحسان” بحق، مرافعة حامية، برع صاحبها -وهو الخبير تمرسا، المتضلع اطلاعا- في الدفاع والانتصار لفكرته المحورية، وهي تلازم الإحسان والجهاد.

في سبيل ذلك، ساق الأستاذ المرشد مبررات عدة، نسوق منها الآتي:

أ- الخطاب القرآني والنبوي يجمعان بين الإحسان والجهاد:

ينكر الأستاذ المرشد على السادة الصوفية -بعد أن استعرض أغلب المواضيع التي يهتمون بها- غياب أو ندرة الحديث عن الجهاد في كتبهم، ويعيب عليهم إكثارهم من عبارات مخصوصة مثل: التواجد, الوجد, الوجود, الفناء, البقاء, الغيبة والحضور…. لا بأس، يقول الأستاذ المرشد: “وبخٍ بخٍ، لكني لا أجد في هذه القائمة المبجلة كلمات القرآن والنبوة عن الجهاد، والقتال، والنفقة في سبيل الله، وحصار المشركين والغلظة عليهم والشدة، والتحزب لله، وحمل هم الأمة، والنصيحة لعامة الأمة وخاصتهم”(4).

إن حال الأمة المغلوبة على أمرها، وما تعيشه من تشرذم وتفرقة، لا ينفع معه العكوف على الأحوال والمواجيد، واستعذاب لذات المناجاة بعيدا عن الانخراط الصادق في حمل هم هذه الأمة، بل الانغماس في حل قضاياها المستعصية، يقول الأستاذ المرشد: “وجدت في عصرنا مستجدات: أمة مقهورة مقسومة مغلوبة، فلسطين القدس محتلة، تخلف المسلمين، حكام الجبر عليهم، قوى عظمى تتحكم في الأرض، تخلف، صناعة، فضاء علوم، اختراعات، تكنولوجيا، طوق إعلامي يغزو سكان الأرض، مجاعة، تضخم سكاني, استعمار, ثورة، تلوث البيئة، أسلحة نووية، أسفار نحو الكواكب، إنتاج, استهلاك، ديمقراطية اشتراكية.

أين تقع مصطلحات القوم من اهتمامات العصر، ومن المستقر القرآني النبوي، ومن النموذج الصحابي الجهاد ي؟ هذا هو سؤالنا في هذا الكتاب”(5).

والجواب عنه يتخلص في حتمية الجمع بين الإحسان والجهاد.

ب- التأسي بالصحابة الذين جمعوا بين الجهاد والإحسان:

يقول المرشد: “إن كل عمل نقرأه في القرآن والحديث قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام عمل جهادي, كانت حياتهم جهادا متواصلا، استغرق الجهاد أموالهم وأنفسهم، وأهليهم ووقتهم وليلهم ونهارهم، إلا فترات يعافسون فيها الأموال والأولاد، ويضاحكون فيها الأطفال ويلاعبون فيها النساء، فيحسبون أنْ قد نافقوا لخروجهم تلك اللحظات عن مألوفهم الجهادي. يفزعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فزع حنظلة وأبو بكر رضي الله عنهما. كان ذكرهم ذكر مجاهدين”(6) فبذلك: “لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا”(7).

ج- عدم السقوط في أخطاء الصوفية بتركهم الجهاد:

لقد “هرب السادة الصوفية بدينهم من فتنة الدنيا بالعزلة وكانوا في موقف ضرورة, ففاتهم البر وفاتهم الجهاد”(8).

و”العذر الذي تذرع به الزاهدون الصوفية للهروب من الفتنة لا يقوم أبدا كفاء للموقف الإيجابي, موقف من واجهوا الجاهلية وقاتلوا الفتنة”(9) ونحن نريد -بل إن واقع الأمة يفرض- أن نكون من أصحاب هذا الموقف الأخير.

د- بلاؤنا وقدرنا أن يكون سلوكنا على محجة الجهاد:

يقول الأستاذ المرشد: (إذا كنت وحدك في خلوة، هَمُّكَ نفسك ومصيرك ومقامك عند الله فلا تُبَالِ. أما إذا كان هم مصيرك ومقامك لا ينفك عن هم الأمة ومصيرها فما في المسلك الصوفي بهذا الصدد لك من أسوة, هُم رضي الله عنهم خاضوا بلاء العزلة والصمت ودوام الصوم والمراقبة والذكر, ونحن معشر السالكين على محجة الجهاد, بلاؤنا بإطعام الجائع ودعوة الغافل, ورفع الصوت غضبا لله, ومخالطة الناس, وتنظيمهم في صف الجهاد, مع دوام ذكر الله والاستمساك بحبل الله, والاعتصام به لتوحيد الأمة بعد طرد المستكبرين والمترفين من سدة السلطان. وبلاء الحاجة والفاقة والتخلف, فإننا كالأيتام في مأدبة اللئام الحضارية الوفرية, باعث مادي مضايق ملح قابض على الحلقوم يجرنا بسلاسل الضرورة للوحدة وما تقتضيه ونقتضيه من التصنيع والفاعلية في الأرض) (10).

هـ- مستقبل الخلافة الثانية على منهاج النبوة لا يقوم إلا على أكتاف المجاهدين:

يقول الأستاذ المرشد:

(الذي يعنينا, ونحن ننظر في سلوك إلى الله على طريق الجهاد, هو أن التظالم بين ظهرانينا أفضى إلى تركيبة طبقية استكبارية ترفية هي مظهر الداء وبؤرة الفساد. الذي يعنينا هو أن المستقبل الجهادي الذي وُعِدَتْ به الأجيال المتأخرة من الأمة، هو مستقبل الخلافة الثانية التي يعمر بها الله تبارك وتعالى، ويرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء، ويباركها ويجعلها رحمة في العالمين. ولن يتحقق شئ من هذه المسائل التي تعنينا بالانتظار البليد, ولا بتبني الحلول الحسية الجاهزة الواردة طوعا وكرها من بر الجاهلية وبحرها, ولا بتخطي المشاكل الحسية, السياسية الاجتماعية، الاقتصادية, المحلية منها والقطرية والعالمية.

تتحقق المطالب التي تعنينا, معشر الأمة, معشر أهل الإحسان والإيمان, بالعمل الإيجابي لرفض الظلم وقتاله وقتال الترف في أنفسنا وفي العالم, صفا متضامنا مع المستضعفين في الأرض, متناغما مع النداء الإنساني المحترم شرعا وطبعا لضمان حقوق الإنسان والدفاع عن المظلومين والمحرومين. فنحن المأمورون أن نَبَرَّ الإنسانية ونقسط إلى من أقسط إلينا)) (11).

(في مستقبل الإسلام نحتاج لقََـران “الفطم” الفردي الأنفسي السلوكي بالفاعلية الجهادية. ليكون السلوك الإحساني عملا مصيريا رائده الفردي عبادة الله كأننا نراه, ورائده الجماعي إتقان الأعمال الجماعية لتحقيق إسلام العدل في الأرض وعمارتها والخلافة فيها)) (12).

و((في يوم الصحوة هذا, وغد الخلافة الثانية, القضية قضية العدل بمعنى طرد الظلمة الحاكمين بغير رضى الأمة, وبمعنى جعل الأمر شورى بين المسلمين الأحرار الأبرار, وبمعنى القضاء على الأثرة الطبقية والذئبية الجشعة التي تسود مجتمعاتنا فتسمح لأولياء الشيطان, سراق الشيطان, وأعوانهم باحتجان أموال المسلمين واللعب بها وترك سواد الأمة المستضعفة تخوض غمرات الفقر والذل والتحقير. هذا مطلب إحساني إيماني يريد جهادا على كل الواجهات, ويوتي الله, إن شاء الله, من تصدى له بالنية والإخلاص والإرادة والهمة والذكر ودوام الطلب و”الوقوف على باب الملك” ما آتى الأولين من فضله. أورادنا ذكر ودعاؤنا الليل وأطراف النهار, فالذكر والدعاء سببنا السماوي. وسببنا الأرضي, في السلوك الجهادي, ورد إعداد القوة, وورد تقويض خيمة الباطل, وورد إقامة دولة القرآن, ودولة العدل والإحسان) (13) وإنها لََلُجَّةٌ لابد من الخوض فيها: (وامتحان لا مفر منه, ورجولة لا عوض عنها. ضرورة حيويةٌ الموتُ المحقق لأمتنا من دونها, أن نتحرر من ربقة الحكم الجائر, وأن نبني القاعدة المادية للعدل والبر بالتصنيع, والإنتاج, ودخول السوق العالمية, وامتلاك زمام العلوم والتكنولوجيا, والسبق إليها, والتسلح الدفاعي على أعلى مستوى. كل ذلك ضروري لحياتنا المادية, وبقائنا أمة عزيزة في الأرض, ووحدتنا, وقوتنا على حمل رسالة الله إلى العالم المفتون أيا ما كان بلاء الله لنا وعليه)) (14).

لهذه الأسباب يبدو  واضحا- أن الجمع بين المطلبين الإحساني والجهادي هو مدار الأمر كله وعليه المعول, بعد الله تعالى, في تغيير ما بهذه الأمة من إحن ومحن.

3 ـ مقومات القِران بين الإحسان والجهاد:

لتحقيق هذا القِران يطرح الأستاذ المرشد عدة مقومات نختار منها:

أ- لزوم القرآن:

يقول الأستاذ المرشد:

((الأحاديث في فضل القرآن وثواب التالين, ودرجات الحافظين, وتنوُّر السامعين كثيرة. كان الاعتصام بالقرآن والسنة طيلة هذه القرون بعد الخلافة الراشدة المهدية الأولى اعتصام قربة فردية, نرجو من فضل من له الفضل سبحانه أن تجمع الأجيال بين يدي الساعة إلى قربات القرآن الثوابية الدرجاتية قربة الجهاد، في طريقنا إلى الخلافة الثانية المشهودة الموعودة. بذلك نكون حقا من أهل الله وخاصته كما كان من أنزل القرآن بين ظهرانيهم. والقرآن كتاب جهاد أولا وأخيرا, ما أصبح تميمة للتبرك, ووثيقة مهجورة, ونصا معروضا معزولا إلا بِبِلَى الإيمان وعموم الفتنة, أخرجنا الله من عهودها بمنه)) (15) آمــين.

ب- لزوم الذكر:

يقول المرشد:

“ليكون ذكرنا ذكر مجاهدين نقرأ البرنامج الجهادي كله، ومن أهم مداخله دوام الذكر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه وهم في حركة جهادية, في سفر جهادي في طريق مكة: “سبق المفردون” قالوا وما المفردون يا رسول الله ؟ قال: “الذاكرون الله كثيرا والذاكرات””(16).

“ومن المسبوقين قطعا من عقد الأصابع بعد الصلاة وهو آمن قاعد في مسجده يحسب عليها ذكر الله, خير وافر, لكنه خير غير كامل, لم يزكه الجهاد(17).

ج- الهمة والإرادة والعزم؟

فعلى قدر همة المرء يعطى وحسب علو إرادته وقوتها يصعد في الدرجات العليا عند الله، وبعزمه يقتحم العقبات ولا يصده صاد عن “التو قان الأعظم: الشوق إلى رب الجنة والنار, والسعي إليه والعجلة إليه على أجنحة الهمم الطيارة”(18).

يعيد الأستاذ المرشد طرح إشكالية هذا الكتاب بتساؤل واضح، يعقبه بإجابة تشفي العليل، وتغنينا عن المزيد من الكلام يقول:

“فما السبيل إلى أن تقترن إرادتنا لله عز وجل والآخرة بالإرادة الجهادية القائمة أسبابها على العمل الدنيوي التصنيعي التكنولوجي التنظيمي؟

ويجيب جزاه الله خيرا:

مهما نحد عن تربية القرآن وأحضان النبوة نَزِغ عن الطريق”(19).

و”مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ”(20).

ثالثــا: الإحسان والجهاد وجهان لعملة واحدة:

خلصنا في الصفحات السابقة إلى أن الجمع بين الجهاد والإحسان أمر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان، وهمنا في هذه الفقرة أن نوضح خطأ من يفصل الحديث بينهما، إذا لا معنى للإحسان بدون جهاد ولا معنى لهذا الأخير بدون الإحسان.

ومن ثم يمكن القول أن الإحسان والجهاد وجهان لعملة واحدة، هي عملة العمل الصالح والصدق في طلب وجه الله عز وجل، يقول الأستاذ المرشد موضحا ذلك، مستنهضا الهمم:

“وأنت يا من تقرأ كتابي أحياك الله في أزمنة أصبح فيها الجهاد لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة فرضا، فاشتغل بالعمل الصالح، لكن لا يفتك الله، واطلب من بين المجاهدين من يحضنك ويُطَـيِّـبُـك ويبَخِّرُك، ويزج بك في حضرة الأحياء بالله في نفس الوقت الذي يحرضك فيه على الجهاد في سبيل الله، إن فاتك طلب الله مع الطالبين والشوق إليه مع المشتاقين والسير مع السائرين والولادة في الروح والمعنى مع الوالدين والمولودين فقد تنال الشهادة الصغرى بالموت الطبيعي، تصيبك رصاصة في سبيل الله، لكن الشهادة الكبرى لا ينالها من انحصرت همته في طلب جنات النعيم ومفاكهة الحور العين، لا ينالها إلا من قتله سيف الحب لله، والحب في الله،والأدب مع الله ومع أولياء الله”(21).

ويقول: “المفردون غير المنفردين المنقطعين عن العالم.المفردون هم المستهترون بذكر الله وهم في ساحة الجهاد أوفي الطريق منها أو إليها، بُشِّـرَ المفردون بالسبق والأفضلية والدرجات العلى يوم القيامة, يوم كان كل مخاطب بالبشرى مجاهدا سائرا مع رسول الله عليه وسلم في غزاته, ليزكي كل مجاهد جهاده بالذكر.

مسألة عصرنا وما بعد ه هي أن يَقْبَل الغافلون عن ذكر الله المجادلون في الله، المفلسفون كلمة لا إله إلا الله، أن الذكر باللسان وبالقلب قُرْبَةٌ عظمى, وأن يزكي الذاكرون ذكرهم بالجهاد والعمل الصالح, وبذلك يكون التجديد شاملا لمعاني الإيمان وساحاته, وأقواله, وأفعاله, ومقدماته, ونتائجه, وسوابقه, ولواحقه, لا إله إلا الله محمد رسول الله”(22).

ويقول في موضع آخر:

“المجاهدة بلا ذكر عمل مفضول مسبوق. والذكر بلا جهاد ولا عذر مفضول مسبوق، لاشك في ذلك، وإنما أعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم البشارة وأكثر التحريض على الذكر لكونه قربة إلى الله أقرب, لا واسط بين الذاكر وربه, بينما بين المتقرب بالجهاد وبين ربه ِرقَابٌ تُضرب ووَِرقٌ وذهب قد تكدر ماديتها صفاء الروابط الإيمانية الإحسانية”(23).

ويقول أخيرا في كلمة جامعة لشتات ما تفرق من أفكار:

“ذكر الله باللسان والقلب والاستغراق والاستهتار والمحافظة على الأوراد آناء الليل وأطراف النهار، بِنَاءٌ على غير أساس إن لم يصن ذلك الذكر الكثير ذكر الله عند الأمر والنهي, ذكره عند حق كل ذي حق, ذكره في الدرهم والدينار, ذكره في الأمة التي تنتظر مجاهدين لإقامة دين الله في الأرض”(24).

وأخيرا ما اسمك في عالم الملكوت

وأخيرا ماذا ينفعكِ يا نفس إن جاهدت مع المؤمنين, ولم تهتمي بشأن نفسك؟ ماذا ينفعك لو كنت من المحسنين وقعدت عن الجهاد ؟

لا خيار إلا الجمع بين الحسنين, ولتكن البداية بالحسم في منطلقات سيرنا إلى الله تعالى, ولنجدد دوما نيتنا, ولنختبر صدقنا, ونعوِّدَ أنفسنا على طلب المعالي, طلب وجه الباري المنان الحنان. هذا هو المنطلق, هذا هو الركن الذاتي والشرط الأول للسلوك, ومن هنا نبدأ مسار تحقيق الجمع بين الإحسان والجهاد, سلوكا إلى الله تعالى, وتعاملا بين البشر وإقامةً للخلافة على منهاج النبوة.

أصِخْ سمْعَ قلبك، أخي القارئ، إلى هاته الهمسات الرفيقة والتوقيعات الرقيقة التي يهمس بها المرشد في آذاننا, كي ننتبه ونبقى على المحجة البيضاء, لنستمع إلى هاته العبر, ففيها الخير كل الخير, والعاقل من اعتبر بكلام المجرِّبين, واتَّعظ بنصائحهم:

“هَبْ أن الله جلت عظمته توج جهود العاملين للإسلام، وأنت منهم، بالتمكين في الأرض للجماعة التي نصرتها، فما حظك أنت من عطائه، وما مرتبتك بين أ وليائه؟ أعطاك ما سألت حين سعيت بالجهد الدائب الصابر لإقامة دولة الإسلام في الأرض، فأين أنت في معراج الإيمان والإحسان؟ كيف نسيت مصيرك أثناء الاشتغال بمصير المسلمين؟ إنما الأعمال بالنيات يا صاح، وإنما لكل امرئ ما نوى. فهل كانت هجرتك إلى الله ورسوله حقا أم كانت هجرتك إلى دنيا عاجلة، وقَفْتَ في محطةٍ ما من محطاتها؟

حتى دولة الإسلام إن نصرتها في غفلة عن الله, دنيا في حقك، نصرت المسلمين لم تنصر الله. وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر كما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا، اللهم استخلصنا لنفسك.

فاتك تصحيح النية والصدق في الطلب، والصواب في التوجه. وتلك هي المنزلة العظمى، لا يغنيك تألق مصير الجماعة، ولا تمكين دين الله في الأرض، ولا فلاح من أفلح، ولا اختلاف من اختلف, إن لم تتحقق لك أنت مع الله عز شأ نه رابطة العبودية والمحبة والقربة لتكون من الذين إن تقربوا إليه شبرا تقرب إليهم باعا، وإن تقربوا إليه بالفرض والنفل صادقين منتظرين داعين راجين خائفين قربهم وكان سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم. ويحك إن لم تصحح القصد وتَصْدُقَ في الطلب قيل لك يوم يكلل هامُ الأمة بتاج الخلافة في الأرض: قم، فقد استوفيت حقك، ونِلت ما كُتِب لك، وأُعطيت سؤلك، لم تطلب الله يوما. ومن فاته الله فاته كل شيء. ويحك، طلبت منه النصر والجنة، ما طلبت قُرْبَه والنظر إلى وجهه، وما طلبت مقعد الصدق عنده مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ضاع عمرك “(25).

وأخيرا:

“انظر رعاك الله فيم تدخل وكيف تخرج وأي لسان تطلب وأي قدم لك عند ربك وأي مقعد هو مقعدك. أمِنَ المسلمين أنت أم من المومنين والمحسنين؟

أسألته يوما صادقا عارفا بما تطلب أن يلحقك بالصالحين؟ إلا تفعل فلست ممن يعنيهم كلامي, عمادك منقوض, وكلامي عندك مرفوض”(26).

نسأله بصدق أن يلحقنا بالصالحين من عباده, وأن يكرمنا بتوبة عاجلة نؤوب بها إلى رشدنا ونرجع بها عن غينا, حتى نلقى الله وهو راض عنا.

آمين، آمين والحمد الله رب العالمين.

الهوامش:

(1) ص 274 و275، المرجع نفسه.

(2) ص 200، المرجع نفسه.

(3) ص 94، المرجع نفسه.

(4) ص 140، المرجع نفسه.

(5) ص 141، المرجع نفسه.

(6) ص 271، المرجع نفسه.

(7) سورة النساء, الآيتان 95, 96.

(8) ص 481، المرجع نفسه.

(9) ص 497، المرجع نفسه.

(10) ص 481، المرجع نفسه.

(11) ص 513 و514، المرجع نفسه.

(12) ص 97 و98، المرجع نفسه.

(13) ص 472، المرجع نفسه.

(14) ص 480، المرجع نفسه.

(15) ص 334، المرجع نفسه.

(16) ص 275، المرجع نفسه.

(17) ص 276، المرجع نفسه.

(18) ص 127، المرجع نفسه.

(19) ص 126، المرجع نفسه.

(20) سورة الأعراف، الآية 186.

(21) ص 234، المرجع نفسه.

(22) ص 278، المرجع نفسه.

(23) ص 276، المرجع نفسه.

(24) ص 302, المرجع نفسه.

(25) ص 348 و349، المرجع نفسه.

(26) ص 350، المرجع نفسه.