لما كان الله عز وجل سبحانه خالقَ الإنسان وأعلمَ بمصالحه، فلا سعادة للناس كلهم إلا بالإذعان لحكمه والاستسلام لأوامره، وقد ثبت بالاستقراء أن شريعة الإسلام جاءت لتحصيل مصالح الإنسان في المعاش والمعاد جلبا للنفع له، ودرءا للمفاسد عنه، فهي رحمة كلها وعدل كلها، وحكمة كلها “وكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل … فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه” (1).

فما حرمه الله سبحانه، فهو إما شر محض، أو أن ضرره راجحٌ على نفعه، أو أنه ضار بمصلحة سوادٍ كبير من الناس … وما جعله سبحانه حلالا، فهو إما نافع للإنسان نفعا محضا، أو أن نفعه أكثر من ضرره، أو أنه محقق المنفعة لكثير من الناس. قال سبحانه مبينا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء، 107) وقال عز وجل: “الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويُحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم” (الأعراف، 157). ومن ثم فينبغي على جند الله أن يحتاطوا في الحرام، للتشابه القائم بين دائرة الحلية والتحريم، فضلا على أنهم صفوة بني آدم في هذا البلد الحبيب، يقول الإمام عز الدين بن عبد السلام: “الضابط فيما يخفى من المصالح والمفاسد من غير تعبد، أنه مهما ظهرت المصلحة الخَليّةُ من المفاسد، يُسعى في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية من المصالح، يسعى في درئها، وإن التُبِس الحال، احتطنا للمصالح بتقدير وجودها وفعلناها، وللمفاسد بتقدير وجودها وتركناها” (2).

وهذا التحريم لا يكون إلا بنص صحيح صريح، أو باجتهاد سديد من المجتهدين المعتبرين … بل إن دائرة التحريم ضيقة مقارنة مع دائرة الحلية، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، لقوله تعالى: “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا” (البقرة، 29) وقوله سبحانه: “قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق” (الأعراف، 22) وقوله عز وجل: “قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة” (الأنعام، 145) .. وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن أفضل المسلمين جُرما من سأل عن شيء لم يُحرم، فحرّم على السائل من أجل مسألته” (متفق عليه).

والأدلة مستفيضة في ذلك .. ثم إن هذه الشريعة المباركة سمحة يسيرة، رافعة للحرج عن الناس .. قال تعالى: “ما جعل عليكم في الدين من حرج” (الحج، 78)، “يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر” (البقرة، 185)، “يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا” (النساء، 28). وقال صلى الله عليه وسلم: “بعثت بالحنيفية السمحة” (رواه أحمد بسند صحيح)، و”إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا” (رواه البخاري) .. إلى غير ذلك من الأدلة التي بلغت مبلغ القطع. ومن ثم فقد يسمح للمكلف في حالات اضطرارية أن يلج حِمى المحظور تيسيرا له ورفعا للضرر عنه، لأنه كلما وجدت المشقة والضرر تجلى مظهر التيسير في الأحكام الشرعية لكن ما المقصود بالضرورة المفضية لحمى المحظور وقواعدها وضوابطها؟

أولا: تعريف الضرورةعرفها الجرجاني في التعريفات بقوله: “الضرورة مشتقة من الضرر، وهو النازل بها لا مدفع له” وذكرها أبو بكر الجصاص عند قوله عن المخصمة فقال: “الضرورة هي خوف الضرر أو الهلاك على النفس أو بعض الأعضاء بترك الأكل” (3) وعرّفها الزركشي بقوله: “هي بلوغه حدا، إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات أو تلف منه عضو” (4).

وقال السادة المالكية: “الضرورة هي الخوف على النفس من الهلاك علما (أي قطعا) أو ظنا، أو هي خوف الموت … ولا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت، وإنما يكفي حصول الخوف من الهلاك ولو ظنا” (5).

والملاحظ أن التعريفات قد انحصرت حقا في ضرورة الغذاء فقط، ولم تستغرق حالات الاضطرار المتعددة، كحالة الدواء، والانتفاع بمال الغير كالحوالة مثلا، والإكراه على عمل غير مشروع أو الدفاع عن النفس أو المال…

لذا فالتعريف الذي نحبذه هو أن “الضرورة حالة طارئة، محدثة للمكلف ضررا ومشقة وخطرا متوقعا على دينه أو نفسه أو عقله أو عرضه أو ماله، فيرتكب حراما لدفع ضرر تلك الحالة ..” فتكون الضرورة بذلك شاملة لشوارد الحالات المتعددة التي يدخل فيها على المكلف حرج وضيق ومشقة…

أما الاضطرار: فهو دفع الإنسان إلى ما يضره، وحمله عليه، أو إلجاؤه إليه ويكون هذا الاضطرار من الإنسان ذاته الذي دفع نفسه لما يضره، أو من ظالم طاغية دفع الغير إلى الضرر..

ثانيا: قواعد الضرورةالقاعدة هي أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته، وتطلق على الأصل والقانون والضابط وفي اصطلاح الفقهاء: “قال القاضي تاج الدين السبكي في قواعده: “القاعدة: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة لتفهم أحكامها منه.

ومن أهم قواعد الضرورة.

1. المشقة تجلب التيسير

ومستندها قوله تعالى: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” (البقرة، 185) وقوله سبحانه: “ما جعل عليكم في الدين من حرج (الحج، 78)، وقوله عليه الصلاة والسلام “أحب الدين إلى الله: الحنيفية السمحة” (رواه أحمد بسند صحيح) وقوله: خير دينكم أيسره” (رواه أحمد بسند صحيح) ومعناها: “أن الصعوبة تصير سببا للتسهيل، والمشقة تكون مقتضية للتخفيف في الأحكام بشرط أن تكون المشقة غير معتادة، فإذا كانت معتادة كالعبادات المفروضة، والجهاد المطلوب ومقتلة الظلمة البغاة والأعمال العادية .. لا يكون لها أثر في التخفيف وإسقاط التكاليف الشرعية حفاظا على المصالح المترتبة عليها، قال العز بن عبد السلام: “هذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها، لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات الباقيات ما دامت الأرض والسماوات” (6).

والمشقة غير المعتادة هي التي لا يتحملها الإنسان عادة وتفسد على النفوس تصرفاتها، وتخل بنظام حياتها وتعطل القيام بالتكاليف فكانت سببا للتخفيف، وهي إما مشاق عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفس أو الأعضاء أو منافعها، فهذه المشقة توجب التخفيف قطعا، كمن فوجئ بعاصفة ثلجية في فرنسا وبدأت أنامله بالاسوداد، ولم يجد إلا بيتا مفتوحا بابه، دخله اضطرارا ولو بغير إذن أهله، وإما مشاق متوسطة كالحمى الخفيفة ووجع الضرس، فإنها توجب التخفيف عند البعض لاختلافها بين الأشخاص وتخفيفات الشرع متعددة، فهي إما:

1) تخفيف إسقاط: كإسقاط الجمعة والصوم .. بأعذار معروفة.

2) تخفيف تنقيص: كتنقيص ما عجز عنه المريض في أفعال الصلاة من ركوع وسجود وغيرها.

3) تخفيف إبدال: كإبدال القيام بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء في الصلاة.

4) تخفيف التقديم: كتقديم الزكاة على مجيء حولها..

5) تخفيف التأخير: كتأخير الصلاة لمن هو مشتغل بإنقاذ مريض أو غريق أو نحوه.

6) تخفيف الترخيص: وهو المرتبط بالرخص، كترخيص التخدير للعمليات الجراحية، وأصل النجاسات للتداوي والتلفظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان وغيرها من الرخص.

7) تخفيف تغيير: كتغيير هيئة صلاة الخوف التي يكفي فيها الإيماء فقط ..

والجدير بالذكر أن هذه التخفيفات غير منحصرة في الأمثلة العبادية المسوقة بل تطال حالات واقعية ومعاملاتية.

2. قاعدة: الضرورات تبيح المحضورات

وهي قاعدة متفرعة عن قاعدة: “الضرر يُزال” أي يجب رفعه وإزالة آثاره لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”.

قال ابن عبد السلام: “الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبا لمصالحها، كما أن الجنايات مناسبة لإيجاب العقوبات درءا لمفاسدها”(7).

ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: “وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه” (الأنعام، 119). ومعناها أن حالات الاضطرار أو الحاجة الشديدة تجيز ارتكاب المحظور حفاظا على نفسه من الهلاك أو ماله من الضياع أو دفع أذى لا يحتمل…

والإباحة مقصود بها: رفع الإثم الأخروي إجمالا، وقد ينضم إليه امتناع العقاب الجنائي كما في حالة الدفاع عن النفس والإكراه على الزنا، أما إذا المحظور متعلقا بحق مالي للغير، ولو أبيح إهداره فإنه لا يمنع من الضمان والمسؤولية المدنية.

ومن أمثلة هذه القاعدة:

– الترخيص في إتلاف مال المسلم عند الاضطرار الملجئ، كإنقاذ ركاب سفينة بإلقاء جزء من حمولتها.

– جواز قتل الصائل إنسانا أو حيوانا، ودخول منازل الغير بغير إذن أهلها.

– قال الشاطبي: “يجوز إعطاء الرشوة لدفع الظلم، إذا لم يقدر على دفعه إلا بذلك، وإعطاء المال للحربيين وللكفار في فداء الأسرى .. دفعا للضرر بارتكاب المعصية ويجوز قتل من تترس بهم الأعداء سواء أكانوا مسلمين أم من نسائهم وأطفالهم (أي الأعداء) سدا للذرائع ودحضا للحيلة والمكر والخداع في الحرب” (8).

3. قاعدة: الضرورة تقدر بقدرها

ومعنى القاعدة أن كل ما أبيح من محظور عند الاضطرار لا يباح إلا بالقدر الذي يدفع الأذى والضرر.

ودليل هذه القاعدة، قوله تعالى: “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه” (البقرة، 173).

والمقصود من قوله تعالى: “غير باغ” أي غير طالب له وراغب في لذاته، وقوله: “ولا عاد” أي متجاوز قدر الضرورة، وقوله سبحانه “فلا إثم عليه” أي يباح له، وهكذا فالجائز عند الضرورة هو مقدار ما يدفع به الضرر.

ومن أمثلتها:

* لا يجوز للطبيب أن ينظر إلى العورة عند المداواة إلا بقدر الحاجة.

* لا تقترض الدولة الإسلامية من دول أخرى عند الأزمات الاقتصادية إلا بالقدر المُوافق لمدخول منتظر أو مُرتجى إدخاله لبيت المال كما قال الشاطبي في الاعتصام (9).

4. قاعدة: ما جاز لعذر يبطل بزواله

ويقصد بها أن ما جاز فعله بسبب الضرورة، فإنه تزول مشروعيته بزوالها.

ومن أمثلتها:

– أنه من تيمم بالتراب بسبب المرض أو البرد أو فقد الماء، ثم زالت هذه الأعراض لا يجوز له التيمم بعدئذ.

– إذا صلى الأمي بدون قراءة شيء من القرآن، أو إذا أومأ المصلي في صلاته بسبب العجز الصحي أو صلى إنسان بثوب نجس لأنه لم يجد ماء ليغسله … ثم زالت هذه الأعراض والطوارئ طولب كل واحد بالحكم الأصلي من قراءة باللغة العربية، وقيام للصلاة، وطهارة للثوب، لأن هذه الأمور شرائط لا تصح الصلاة بدونها.

5. قاعدة: الميسور لا يُسقط المعسور

ومعناها: أن المأمور به إذا لم يتيسر فعله على الوجه الأكمل الذي أمر به الشرع لعدم القدرة عليه، فُعل بعضه أي المقدور عليه.

ودليل القاعدة: قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا أمرتكم فاتوا به ما استطعتم”.

ومن أمثلتها:

-جواز اتخاذ البيوت مسجدا لعذر من الأعذار، وحديث عتبان رضي الله عنه الذي اتخذ بيته مسجدا لقومه، ومكان سجود رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلى … دليل على ذلك (10).

– جواز الصلاة في السراويل والتبان والقباء (11).

– جواز انتظار الصلاة بعد الصلاة  أي الرباط- وكذا الاعتكاف في البيوت عند تأميم المساجد لأن الرباط والاعتكاف … سنن مؤكدة لا تسقط بالمعسور.

– مَن ملك النصاب الواجب فيه الزكاة إلا أن بعضه عنده وبعضه غائب، فالأصح أنه يخرج الزكاة عما في يده في الحال.

6. قاعدة: الحاجة العامة أو الخاصة تنزل منزلة الضرورة

الحاجة العامة هي التي يحتاج إليها الناس كلهم بدون استثناء، بحيث إذا فُقدت ترتب عن الفقدان حرج وضيق شديد على العامة.

والحاجة الخاصة هي التي يحتاج إليها فئة من الناس لا كُلُّ الناس كأهل مدينة أو أرباب صنعة ما..

ومن أمثلتها:

– أنه يجوز بيع السلع المحقق تصنيعها بالرغم أنه بيع للعدم ولكنه أجيز رفعا للحرج عن الناس.

– جواز إيداع النقود في المصارف الربوية بدون فائدة لحاجة الناس إليه.

– جواز النظر للوجه من أجل المعاملة والإشهاد والخطبة والتعليم ونحوها اضطرارا ..

ومن أمثلة الحاجة الخاصة:

– إباحة لبس الحرير الطبيعي للرجل إذا كان به جرب وحكّة ونحو ذلك، أو في الحروب لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الحرير عند القتال.

– إباحة تخضيب الشعر بالسواد والتبختر بين الصفوف، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة الأنصاري (سِماك بن خرشة) عند القتال في وقفة أحد: “إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع” (12).

ثالثا: ضوابط الضرورةلا يؤخذ بالضرورة إلا عند احتقاقها بضوابط أو شروط تكون سببا لإباحة المحظور وتخطي القواعد العامة في التحريم والإيجاب، لأنه ليس من ادعى وجود ضرورة ما يُسلم له هذا الادعاء، ومن ثم فالضوابط لازمة لإحكام الضرورة من تسيب العابثين.

من تلكم الضوابط:

1) أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، أي أن هناك تهديدا حقيقيا أو تلفا قريبا للضروريات الخمس وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهذا التهديد يكون معتبرا إذا وصفه أهل التجارب والاختصاص وإلا كانت الضرورة وهمية..

2) ألا يكون لدفع الضرر وسيلة أخرى من المباحات إلا بولوج حمى المحرمات ولم يكن شيء من المباحات يدفع به الضرر عن نفسه أو عن ممتلكات الغير..

فإذا وجد لبنا مثلا لا يجوز له الإقدام على الميتة.

3) أن تكون الضرورة ملجئة أي وجود عذر حقيقي مبيح لفعل الحرام، كما لو أكره إنسان على أكل الميتة بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه مع وجود طيبات مباحة أمامه فهذا الإكراه ملجئ للإقدام على الفعل المحرم.

4) ألا يكون الأخذ بالضرورة هدما لمبدإ التدين والقواعد الكبرى للشريعة الإسلامية، فمثلا لا يحل الزنا والقتل والغصب بأي حال من الأحوال، لأن هذه الموبقات مفاسدٌ لذاتها فما خالف قواعد الشرع لا أثر فيه للضرورة..

ومن الأمثلة المخالفة لمبادئ الشريعة:

الصلح الدائم مع اليهود، إذ لا يجوز الصلح مع الأعداء إلا على أساس عهد الذمة والتزام الأحكام الإسلامية، كما لا يجوز إقرار الغاصب لبلادنا على غصبه، وما يجوز إنما هو تمديد الهدنة المؤقتة أو تقصيرها بحسب الضرورة أو الحاجة.

5) أن تدفع الضرورة بالقدر اللازم فقط، لأن الضرورة تقدر بقدرها، فلا يجوز التوسع في الحرام أو الانفساح فيه، لأنه لا يقتصر في الحرام إلا على الحد الأدنى منه.

6) لا تحديد للضرورة إلا من لدن العارفين بها والمتحققين بأحوالها، ففي حالة ضرورة الدواء مثلا، لا يصف المحرم إلا طبيب عدل ثقة وألا يوجد من غير المحرم علاج أو تدبير آخر يقوم مقامه.

7) في السياسة الشرعية إذا تحقق الخليفة الشرعي من وجود تهديد اقتصادي للدولة، كتوقع ضرر فاحش بالناس أو مجاعة لاحقة، فإنه يباح له حينئذ فوائد ربوية عن قروض خارجية تحتاج إليها البلاد بشرط التحقق من الضرر المنتظر وإلا فلا.

8) أن يمر في رأي الظاهرية على المضطر للغذاء يوم وليلة دون أن يجد ما يتناوله من المباحات، ومستندهم حديث أبي واقد الليثي لما قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: “إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا، ولم تحتفؤوا بها بقلا، فشأنكم بهاء ومعناه أن يأتي الصبوح والغَبُوقُ ولا يجد ما يأكله.

والأصح أنه لا يتقيد الاضطرار بوقت لاختلاف التحمل بين الأشخاص فضلا على أن الحديث خرج مخرج الغالب على عوائد قوم أبي واقد الليثي رضي الله عنه.

9) بالرغم أن العقد شريعة المتعاقدين، لكنه إذا طرأ ظرف غير متوقع فأضر بأحد الطرفين، تحقيقا للعدالة، يرد القاضي الالتزام المرهق إلى حد المعقول اضطرارا.

كالتزام المدين برد الدين في وقت معلوم، ثم طرأت حرب فتعسر عليه التسديد في الأجل المحدد، آنذاك يعدل العقد ولا يُقضى عليه، تخفيفا على المدين، وأخذا بنظرية الظروف الطارئة المبنية على أساس العدالة.

وهكذا فهذا البحث يدل على واقعية الإسلام وتوافقه مع حاجيات الناس ومسايرته للفطر السليمة بعناصر المرونة فيه لإنقاذ البشرية الحائرة وجلب السعادة لها دنيا وآخرة.

قال الشاطبي: لقد ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات” (13).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش:(1) ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين (3/14).

(2) عز الدين بن عبد السلام: قواعد الأحكام 1/50.

(3) أحكام القرآن (1/150).

(4) المنثور في ترتيب القواعد للزركشي.

(5) القوانين الفقهية لابن جزي ص 173.

(6) قواعد الأحكام (2/7).

(7) قواعد الأحكام (2/3).

(8) الموافقات (2/352).

(9) الاعتصام (2/122).

(10) انظر صحيح البخاري، باب المساجد في البيوت، وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعة (الفتح 2/82).

(11) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ بن حجر (2/25).

(12) الشوكاني: نيل الأوطار (7/243).

(13) الشاطبي: الموافقات (2/37).