عرض وتحليل

يبدأ التقرير مستهلا بالهدف منه “معالجة متعمقة لنقص الحرية والحكم الصالح في العالم العربي” مؤكدا على أن هذه القضية هي “الأشد حضورا في النقاش الدائر داخل المنطقة وخارجها في الوقت الراهن”.

أولوية الإصلاح الشامللا يفتأ التقرير يؤكد على ضرورة الإصلاح الشامل “لقد أضحت التنمية في الوطن العربي من الجسامة والتعقيد وتشابك الجوانب بحيث أصبح أي إصلاح حق لإحدى النواحي المطلوبة لبناء نهضة إنسانية في المنطقة يستلزم أن يمتد إلى جنبات المجتمعات العربية كافة فلم يعد الإصلاح الجزئي كافيا مهما تعددت مجالاته. بل ربما لم يعد ممكنا من الأساس بسبب احتياج الإصلاح الجزئي الفعال لبيئة حاضنة” ويخلص إلى أن الإصلاح المجتمعي الشامل (…) لم يعد يحتمل الإبطاء أو التباطؤ حرصا على مصالح راهنة مهما كان نوعها.

عوامل غير مساعدة: الاحتلال الصهيوني والغزو الأمريكيكان لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ولاحتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ولتصاعد ــــ الإرهاب، آثار بالغة السوء على التنمية الإنسانية العربية (قتل المدنيين، السجن والاعتقال، هدم المنازل، تخريب الممتلكات، تجريف الأراضي…) وفيما يخص احتلال العراق (تدهور أمن المواطنين، القتل العشوائي، معاملة لا إنسانية، ضعف في الخدمات الأساسية..).

مفهوم الحريةالحرية شرط ضروري وحيوي، وإن لم يكن الوحيد، لقيام نهضة عربية جديدة، كما أن قدرة العالم العربي على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية مرهونة بمدى انحسار الاستبداد وبمدى تقدم قضية الحقوق والحريات الأساسية.

ويتفاوت نطاق مفهوم الحرية بين حدين: الأول ضيق يقصرها على الحقوق والحريات المدنية والسياسية، والثاني شامل يضيف إلى الحريات المدنية والسياسية  بمعنى التحرر من القهر- التحرر من جميع أشكال الحط من الكرامة الإنسانية مثل الجوع والمرض والجهل والفقر والخوف، وذلك هو السبيل الذي نهجه التقرير.

لكن هذه الحرية تحتاج إلى بنى وعمليات مجتمعية تفضي إليها وتصونها، وتضمن اطرادها وترقيتها، وهذه يمكن تلخيصها في:

– صون الحرية بما يضمن توسيع خيارات الناس.

– الارتكاز إلى المشاركة الشعبية الفعالة مع تمثيل شامل لعموم الناس.

– الاعتماد على المؤسسات عوض التسلط الفردي بحيث تعمل مؤسسات الحكم بكفاءة وشفافية وتخضع للمساءلة وتختار من قبل الناس وفق اختيار دوري حر ونزيه.

– سيادة القانون وقضاء نزيه وفصل للسلط.

واقع الحرية في العالم العربييتدنى مستوى التمتع بالحرية في جميع البلدان العربية، وإن بدرجات متفاوتة، وما يستهدف الحرية ليس فقط القهر الخارجي ولكن تسلط الأنظمة غير الديمقراطية وكذا سلطة التقليد والعقلية المتسترة بالدين أحيانا. وكل هذا أدى إلى إضعاف مناعة المواطن الصالح وقدرته على النهوض.

وعدد التقرير نماذج من هذا الانتهاك (القتل خارج القانون، محاكمة الصحافيين، متابعة نشطاء حقوق الإنسان، التضييق على حرية الرأي والتعبير والتنظيم، غياب انتخابات حرة ونزيهة، الرقابة على المراسلات والتنصت على المكالمات، غياب لمحاكمات العادلة، سحب الجنسية).

البنى المعوقة للحرية:بعيدا عن التغييرات التي تجعل الاستبداد قدرا على العرب، وتفسر الاستبداد بأنه بالأسلوب المحبب لدى المشارقة، يرى التقرير أن السبب الرئيسي لإخفاق عملية التحول الديمقراطي في العديد من الأقطار العربية لا يرجع إلى مسائل ثقافية بقدر ما هو تعبير عن تضافر بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية عملت على تغييب القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على استغلال أزمة النظم التسلطية وهو ما أفرغ الحركة الديمقراطية من قوة دفع حقيقية.

ثم يضيف التقرير عاملين حاسمين هما اكتشاف النفط وإنشاء دولة إسرائيل، ففيما يخص العامل الأول يشير التقرير إلى أن اكتشاف النفط في المنطقة وتزايد دوره في الاقتصادات المتقدمة أدى إلى تزايد مصالح الدول المتقدمة في المنطقة وارتباط هذه الدول بإسرائيل عمق المشكلة؛ وكل هذا أدى إلى سكوت هذه الدول على انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان ما دامت تلك الأنظمة لا تهدد مصالحها.

تفسيرات إسلامية خاطئة:يرى التقرير أن هناك تفسيرات مناوئة للحرية انطلاقا من الإسلام من قبل قوى معارضة أو في السلطة ما فتئت توظف لدعم التسلط أو ترسيخه في المستقبل.

ثم ينبه إلى استعمال الأنظمة العربية لما يسمى بفتح “الانتخاب لمرة واحدة” الذي يؤدي إلى وصول بعض التيارات  خاصة الإسلامية- لتخويف الفئات المجتمعية من هذا الخيار الانتخابي، بدعوى أن هذه التيارات ستنهي العمل بمبدإ الانتخاب بمجرد وصولها للسلطة.

كما يشير التقرير إلى أن التذرع بالخصوصية شكل عاملا آخر للتنصل من الالتزام بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

بنية الأنظمة العربية:يبدو من الصعب الحديث عن ملامح مشتركة لنظم الحكم في العالم العربي بسبب التنوع في الأنظمة الحاكمة، ولكن مزيدا من التأمل يكشف عن تقارب مثير للاهتمام في بنية وأساليب نظم الحكم العربية. فالدولة العربية تجسد إلى حد كبير التجلي السياسي لظاهرة “الثقب الأسود” الفلكية حيث تشكل السلطة التنفيذية “ثقبا أسودا” يحول المجال الاجتماعي المحيط إلى ساحة لا يتحرك فيها شيء ولا يفلت من أسرها شيء، تتمتع بصلاحيات واسعة، وتحكمها مركزية مفرطة وتوظف باقي السلط لقضاء حاجاتها وتسمح للمقربين والأنصار باستغلال مناصبهم للإثراء غير المشروع في حين يظل تطبيق القانون سلاحا مشهرا ضدهم لضمان ولائهم، وتغير أجهزة المخابرات الآلية الأهم في تعزيز سلطة هذا الجهاز وتلمك صلاحيات تفوق صلاحيات أي جهاز آخر.

على أن الأمر الأهم هو افتقار هذه الأنظمة لشرعية مستمدة من إرادة الأغلبية.

نتائج غياب الحرية في العالم العربي:ينتقل التقرير بعد ذلك إلى مجال آخر من مجالات انتهاك الحرية ومعوقاتها ويتمثل في منع الأنظمة لقيام الحركات المعارضة أو التضييق على حركتها من خلال استخدام وسائل غير مشروعة (القضاء، الأمن، تزوير الانتخابات…).

كما أن العديد من هذه الأحزاب يفتقد للديمقراطية الداخلية وواقعها يكشف عن تسلط نخبة سياسية نافذة حتى أصبحت هذه القيادات أبدية، ثم هناك الصراعات بين الأحزاب، وكل هذا ولد فقدانا للثقة لدى عامة المواطنين في العملية السياسية برمتها، ودفع بالبعض إلى اختيار العمل السري والمسلح أو اللجوء إلى السلبية السياسية، والرهان على منظمات المجتمع المدني باعتبارها مؤهلة أكثر من الأحزاب لقيادة المجتمع العربية نحو التنمية والديمقراطية.

لكن هذا المجتمع المدني بدوره لم يسلم من محاولات احتواء السلطة وقمعها، وإن بدرجة أقل حدة من الأحزاب السياسية، كما يعاني بعضها من تبعية للأحزاب السياسية تفقدها القدرة على الحركة والمبادرة الذاتية المطلوبة.

كل هذه العوامل أدت إلى انتشار فساد بنيوي توجد آثاره في كل المجالات والمستويات، وهذا النوع من الفساد لا علاج له إلا إصلاح جذري للبنيات السياسية.

الإصلاح الشامل أو الخطر القادمبعد هذا التشخيص ينتقل التقرير ليحذر من عواقب استمرار الأوضاع إلى ما هي عليه الآن “إن استمرار الأوضاع الراهنة، من عجز تنموي يلازمه قهر في الداخل واستباحة من الخارج، يمكن أن يفضي إلأى تعميق الصراع المجتمعي في البلدان العربية. وفي غياب آليات سلمية ولكن أيضا فاعلة، لمكافحة المظالم التي يتمخض عنها الواقع العربي الراهن قد يلجأ بعضهم لأشكال من الاحتجاج العنيف تتزايد معه فرص الاقتتال الداخلي. وقد يفضي ذلك إلى تداول قادم للسلطة قد يأتي عن العنف المسلح بما ينطوي عليه من خسارة إنسانية لا تقبل مهما صغرت ولا تحمد عقباها بالضرورة، خاصة فيما يتصل بطبيعة التنظيم السياسي الذي قد يتولد عنه”.

والسبيل لتلافي هذا الخراب الآتي هو “التداول السلمي العميق للسلطة من خلال عملية تاريخية تتبناها جميع الشرائح المناصرة للإصلاح في عموم المجتمع العربي، في السلطة وخارجها” والنتيجة المتوخاة هي “إعادة توزيع الثروة في المجتمعات العربية بما يوصلها لمستحقيها من السواد الأعظم من الناس، والعمل على إقامة نسق للحكم الصالح”.

إصلاح من الداخل أم من الخارج؟التحدي الذي يواجه قوى النهضة في العالم العربي هو كيفية استغلال هذا الضغط الخارجي بما يعزز مسار الإصلاح من الداخل ويقلل ما أمكن من مساوئه خاصة إذا احترم الشروط الآتية:

– الاحترام الكامل لمنظومة حقوق الإنسان.

– احترام حق العرب في إيجاد طريقهم الخاص إلى الحرية والحكم الصالح دون فرض نماذج مسبقة.

– القبول بإدماج كل القوى المجتمعية الفاعلة والالتزام بنتائج تعبير الإرادة الشعبية عن نفسها.

– التعامل مع الشعوب العربية من منطق شراكة الأنداد لا من منطق الوصاية.

مضمون الإصلاح المطلوب

يتطلب قيام مجتمع الحرية والحكم الصالح إصلاحا متكاملا لنسق الحكم في ثلاثة نطاقات مترابطة داخليا وإقليميا ودوليا.

يتطلب الإصلاح الداخلي إصلاحا مؤسساتيا للدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتعزيز مبادئ الإدارة الرشيدة، كما يتطلب تصحيحا لمسار التنمية، وإصلاحا سياسيا يشتمل على ما يلي (الإصلاح في الممارسات، الإصلاح القانوني، إصلاح البنية السياسية،..).

الخاتمةيختم التقرير بهذه العبارة: “قد يبدو من التحليلات السابقة أن ديار مجتمع الحرية والحكم الصالح في البلدان العربية دونها أهوال، وهذا صحيح لا مراء فيه، ولكن علينا أن نتذكر أن منتهى هذه المسيرة العسيرة مقصد هو من النبل بحيث يستحق العناء. وقد آن الأوان لتعويض ما فات، والمؤمل ألا تتأخر الأمة العربية مرة ثانية عن الإمساك بالمسار التاريخي المؤدي إلى الموقع الذي يليق بها في عالم جديد وشجاع ونبيل تسهم في إقامته وتنعم بالانتماء إليه”.