تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004، هو الثالث في سلسلة تقارير التنمية الإنسانية في العالم العربي، الصادرة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة.

عن سنة 2002 صدر التقرير الأول، الذي أكد حينها أن الأمة العربية تحتل الصفوف المتأخرة مقارنة مع باقي الأمم، سواء فيما يرتبط بالمعرفة أو الحريات العامة أو حقوق المرأة.

وعن سنة 2003 صدر التقرير الثاني، الذي رصد بكثير من التفصيل العقبات التي تحول دون بناء “مجتمع المعرفة” في الوطن العربي.

ورغم أهمية التقريرين، ليس فقط بالنظر إلى جرأتهما، ولكن أيضا بالنظر إلى العمق في الرصد، وطريقة التحليل، فإنهما لا يخلوان من نقائص حسب بعض المتتبعين والملاحظين؛ من ذلك مثلا:

أولا: سقوط التقريرين في نوع من المبالغة والتضخيم عند وصفهما للواقع العربي. الأمر الذي سهل توظيفهما من قبل أمريكا. في هذا السياق دعا “توماس فريدمان” الإدارة الأمريكية، ومعها العديد من الفاعلين السياسيين العرب، إلى اعتبار الوجود الأمريكي في العراق مساعدة للعراقيين من أجل تطبيق تقارير التنمية الإنسانية العربية. وفي نفس السياق تم افتتاح وثيقة “مشروع الشرق الأوسط الكبير” بأرقام وإحصاءات واردة في تقرير التنمية الإنسانية لعام 2002.

ثانيا: مقابل تضخيم الاختلالات الذاتية للعالم العربي، تم إلى حد كبير تقزيم أثر المحيط الخارجي، والمتمثل في النظام الدولي المهيمن عسكريا وسياسيا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ثالثا: التعرض المحتشم، خاصة في التقرير الأول، إلى الأوضاع الفلسطينية، والوصف السطحي للاحتلال الإسرائيلي، بحصره في احتلال الأرض دون استحضار الأبعاد الصهيونية التوسعية، وباستعماله عبارات خجولة كعبارة: “استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين”. “القوة المفرطة” وليس الجرائم والمجازر المتعددة الأشكال والأصناف!!

ليس الغرض من سرد هذه الملاحظات السقوط في “فخ التخوين” وكيل الاتهامات لمن ساهموا في إعداد التقريرين، خاصة ومن بينهم غيورون مشهود لهم بالأمانة والكفاءة العلمية، ولكن الغرض من ذلك وضع تقرير 2004 في سياقه الخاص.

من الملاحظات الملفتة للنظر بخصوص هذا التقرير الأخير تأخر صدوره عن الموعد المحدد له، وذلك بسبب اعتراض أمريكا على بعض مضامينه، خاصة فيما يرتبط بالاحتلال الأمريكي للعراق والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

فالتقرير يؤكد أن اكتشاف النفط وإنماء دولة “إسرائيل” كان لهما أبلغ الأثر في مواقف الدول الكبرى حيال الحرية في الوطن العربي، بعدما أصبح تدفق النفط بأسعار مناسبة والموقف من إسرائيل عاملين يحددان مدى إرضاء الدول الكبرى عن هذه الدولة أو تلك.

واعتبر التقرير أن من أهم معوقات التنمية في الوطن العربي استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، واحتلال الولايات المتحدة للعراق ..

ومما كشفه التقرير أنه بين شهري ماي 2003 ويونيو 2004 أسفرت عمليات القصف والاجتياح المتتالية عن مقتل ثمانية وستين وسبعمائة (768) فلسطيني وإصابة أربعة وستين وأربعة آلاف (4064) آخرين. وبلغت نسبة القتلى من الأطفال تحت سن 18 سنة 22,7% خلال تلك الفترة.

وفي شهر ماي 2004 تم تشريد قرابة أربعة آلاف فلسطيني في رفح نتيجة تدمير منازلهم من قبل الصهاينة. وأدى ذلك إلى تكبيد الفلسطينيين خسائر اجتماعية واقتصادية فادحة، فأضحى 58% من السكان يعانون الفقر.

وتحت نير الاحتلال الأمريكي للعراق تدهور أمن المواطنين واستبيحت أعراضهم. قدرت دراسة علمية أعداد الوفيات المرتبطة حصرا بالغزو والعنف المصاحب للاحتلال بنحو مائة ألف ( 100.000) قتيل عراقي.

ونقل التقرير عن تقرير أمريكي أن سلطات الاحتلال لم تنفق على إعادة إعمار العراق حتى نهاية أكتوبر سوى 1,3 مليار دولار من أصل 18,4 مليار دولار خصصها الكونغرس الأمريكي لهذا الغرض، أي أقل من 7%.

تضمن تقرير التنمية الإنسانية العربية، الذي صدر هذه المرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمشاركة مع الصندوق العربي للإنماء الاجتماعي والاقتصادي وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية، في العديد من صفحاته حديثا وتحليلا للأوضاع الفلسطينية والعراقية، ولعل في ذلك بعض التدارك على ما سجل من ملاحظات في التقريرين السابقين.

وبعد أن أشار التقرير إلى بعض التطورات التي عرفها العالم العربي منذ إصدار تقرير التنمية الإنسانية العربية الثاني، خلص إلى أن أزمة التنمية الإنسانية في البلدان العربية لم تشهد بعد انفراجا يعتد به. وأن ما ظهر من “إصلاحات” هنا وهناك لا يرقى في مجمله إلى مستوى القضاء على مناخ كبت الحرية.

“نحو الحرية في الوطن العربي”، هذا هو عنوان تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004، وهو لا يقصر الحرية على الحقوق والحريات المدنية والسياسية، بل يوسع معنى الحرية ليشمل التحرر من كل أشكال الحط من الكرامة الإنسانية، مثل الجوع والمرض والجهل والفقر والخوف.

وحسب التقرير فإن الحرية بهذا المعنى الواسع لا تتبلور إلا من خلال بنى وعمليات مجتمعية تفضي إليها وتصونها، وتضمن اطرادها وترقيتها. وتتلخص هذه البنى والعمليات المجتمعية الضامنة للحرية في نسق الحكم الصالح الذي من أهم مقوماته:

– صون الحرية بما يضمن توسيع خيارات الناس.

– الارتكاز على المشاركة الشعبية الفعالة، مع تمثيل شامل لعموم الناس.

– الاعتماد على حكم المؤسسات بدل التسلط الفردي.

– سيادة القانون، المنصف والحامي للحرية، على الجميع دون استثناء.

– إيجاد قضاء كفء ونزيه ومستقل.

وتحدث التقرير بكثيررمن الإسهاب عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية في الوطني العربي. فحرية الرأي والتعبير والإبداع تعرف كبتا وقمعا في معظم البلدان العربية. وفي بلدان عربية ثلاثة فقط هي: الجزائر والسودان واليمن، وفي رابعة تحت الاحتلال هي فلسطين يجري انتخاب الرئيس من خلال انتخابات مباشرة يتنافس فيها أكثر من مرشح أو يقيد حكم الرئيس المنتخب فيها بفترات محددة. وتشهد المنطقة العربية منذ بدء الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب أرقاما غير مسبوقة في الاعتقالات، وانتهاك الضمانات القانونية للمجردين من حريتهم، وتعريض الكثير منهم للتعذيب وسوء المعاملة، ولمحاكمات غير عادلة. وتعاني النساء بشكل عام من عدم المساواة ومن التمييز ضدهن في القانون وفي الواقع. ولا زالت أرقام الأمية الهجائية مرتفعة في العديد من البلدان العربية. وهناك تنصل مستمر من حقوق الإنسان بذريعة الخصوصية. ويسمح بالظاهرة الحزبية في أربعة عشر بلدا عربيا فقط. والانتخابات لا تكون في أغلبها إلا شكلية. وهناك تركيز متزايد للسلطة في الجهاز التنفيذي. وتعتبر أجهزة المخابرات هي الآلية الأهم في تعزيز سلطة ذلك الجهاز. وفي غياب شرعية تستمد من إرادة الأغلبية، لجأت معظم الأنظمة العربية إلى الاستناد إلى شرعيات تقليدية أو ثورية أو أبوية تدعي الوصاية على المجتمع بحكمة “رب العائلة”. وفي مقابل المنع القاطع للتنظيمات الحزبية ،هناك دول عربية أخرى تسمح بتعدد حزبي مشروط؛ وأول الشروط حظر أهم وأقوى حزب معارض. وفيما يتعلق بالفساد الاقتصادي، فإن التقرير يؤكد أنه نتيجة طبيعية للفساد السياسي. ويعتبر فسادا بنيويا في بعض البلاد العربية؛ حيث يكون الاستغلال الشخصي للمنصب والتصرف في المال العام أمرا طبيعيا في العرف السائد. ولا علاج للفساد الاقتصادي البنيوي  حسب معدي التقرير- إلا بإصلاح جذري للبنية السياسية. ومن أهم ما أشار إليه التقرير طغيان العصبية في المجتمعات العربية وضعف البنى المؤسسية. وربط التقرير كل مظاهر الفساد والتعصب بالتربية والتعليم السائدين في البلدان العربية؛ فما أن يدخل الطفل المدرسة حتى يجد مؤسسة تعليمية لا تعتمد إلا نزعة التلقي والخضوع التي لا تسمح بالحوار الحر، والتعليم الاستكشافي النشط، ولا تفتح، من ثم، الباب لحرية التفكير والنقد، بل تضعف القدرة على المخالفة وتجاوز الراهن، ويتركز دورها المجتمعي في إعادة إنتاج التسلط في المجتمعات العربية..

وفي رد على الخطاب الغربي والأمريكي، الذي زادت حدته بعد احتلال العراق، وإبان مناقشة “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، والذي يجعل الاستبداد والتسلط خصيصة من خصائص العرب والمسلمين، أكد التقرير أن الشعوب العربية أكثر تعطشا للتمتع بالحكم الديمقراطي، وأنها وانطلاقا من استطلاعات علمية ترى أن: “الديمقراطية أفضل من أي شكل آخر للحكم”.

وبخصوص موقف الإسلاميين من الديمقراطية  حسب التقرير دائما-، فإن التيار الرئيسي في الفقه الإسلامي مع الحرية من دون حيف. وأن الدراسات الإسلامية المستنيرة ترى في آليات الديمقراطية حين تستقيم بعضا من الآليات العملية التي يمكن أن تستخدم لتطبيق الشورى. وأن الحكم الصالح في الإسلام يقوم على العدل والمساواة، وكفالة الحريات العامة، وحق الأمة في تولية الحكام وعزلهم، وضمان جميع الحقوق العامة والخاصة لغير المسلمين. إلا أن هذه التفسيرات المستنيرة لا تنفي وجود تفسيرات أخرى توظف توظيفا، من هذه الجهة أو تلك، لدعم التسلط.

كانت هذه، بإيجاز شديد، الخطوط العريضة لـتقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2004 التي يتبين من خلالها أن التقرير لم يعتمد المعلومات والإحصاءات الكمية، على غرار باقي تقارير التنمية البشرية. وإنما ألغى فكرة “التراتبية الرقمية” ليعوضها بتحليل المحتوى والمضمون والتركيز على الجانب النوعي.

وقد خلف هذا التقرير، هو الآخر، ردود فعل. فهناك من رأى فيه تضخيما للجانب الإيديولوجي على حساب الموضوعية والعلمية. وهناك من رأى فيه شهادة براءة لمعديه، فبعد أن اتهموا في التقريرين السابقين أنهم لا يقولون إلا ما تريد أمريكا قوله للعرب بلسان عربي، تأتي معارضة واشنطن للتقرير الثالث، لتؤكد أنه لا علاقة لتقارير التنمية الإنسانية بالإدارة الأمريكية ..

وفي جميع الأحوال يمكن التأكيد على أن من أخطر آفاتنا  نحن العرب- والتي لم يشر إليها التقرير، أننا نستمريء الخصومات الكلامية، حتى ينسينا ذلك أصل القضية ووجهتها.

إن تقرير التنمية الإنسانية ليس إلا وسيلة من وسائل كشف الواقع المزري للعرب. والطامة كل الطامة أن يتحول التقرير إلى هدف في حد ذاته، يصبح هو الموضوع الأول والأخير. فنضيع وتضيع جهودنا التي من الأولى أن تنصرف لبناء تلك الإرادة ، التي تجعل من عنوان: “نحو الحرية في الوطن العربي” واقعا ملموسا.