أهم ما يميز الخطاب الإيديولوجي لحكام المرحلة هو التناقض بين مقالة الأمس ومقالة اليوم… مقالة الأمس أن عهد الحسن الثاني كان عهد المنجزات العظيمة التي قل نظيرها في الزمان والمكان. كان عهد الحريات والمبادرات. ومقالة اليوم أنه كان عهد الجمر والرصاص، واستعمال عنف الدولة ضد الأفراد والجماعات. أهي حيرة الحكام أم المحكومين؟ ماذا نصدق … حديث الأمس أم حديث اليوم؟ لكن فئات الشعب وإن اختلف وعيها بالمسافة الفاصلة بين الحقيقة والوهم، بين التزيين والتزييف، لا يمكن أن تنكر لهيب الحاضر وضغط الحاضر ومآسي الحاضر، وما هو إلا نتاج تراكم الأمس القريب.

يدرك المغاربة هول الفظاعة… فظاعة تضييع أرزاق الناس وعقولهم والاستهتار بحرياتهم المدنية والسياسية… فظاعة قمع الأصوات الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر… فظاعة حرمان فئات واسعة من حقوقها الأساسية في التعليم والصحة والسكن… لكن ما بال حكام المرحلة لا يتورعون عن الاستمرار في تزييف الحقائق المطلة من مستنقع الواقع الاجتماعي والاقتصادي لهذا البلد؟ ما بالهم لا يتصالحون مع ذواتهم والذاكرة الجماعية لهذا الشعب؟ كلما تراكمت سنوات “العهد الجديد” ظهر للناس أن المرحلة السابقة لم تنته بعد، و أن رجالها ما زالوا على رقاب الناس، على أرائكهم ينظرون ويستمتعون ببؤس البلاد والعباد، ويمتصون دماء المقهورين !

ما زال رجال المرحلة السابقة في مواقعهم المتحركة على لعبة الشطرنج، يغيرون أشكال اللباس والسحنات دون أن تتغير وظائفهم السياسية والإيديولوجية، لعل أكثرها اعتداء وضراوة هي تزييف الذاكرة الجماعية لهذا البلد.

والغريب أن النخبة السياسية الحزبية أسهمت بشكل كبير في تحقيق قواعد اللعبة وإخراجها إلى الناس من خلال تكيفها مع واقع الاستبداد السياسي وتمركز السلطة في قمة الجهاز التنفيذي، وتجذر السلطوية في السلوك الحزبي الداخلي. وهذا ما أيده تقرير التنمية البشرية للعام 2004: “وتعاني أحزاب المعارضة، إضافة إلى ما تواجهه من قمع رسمي، من مشكلات داخلية لا تقل خطورة. فعلى الرغم من احتكام هذه الأحزاب نظريا في نظمها إلى الديمقراطية، فإن الممارسة تكشف عن تسلط النخبة السياسية النافذة في غالبية هذه الأحزاب، فترتب على ذلك أن أصبحت القيادات أبدية لا تنتهي في الغالب الأعم إلا بالوفاة، مع استثناءات نادرة، مما شكك في شعاراتها الحداثية والديمقراطية”.

هكذا يصير تزييف الذاكرة الجماعية نتاجا للبنية السياسية ووسيلة فعالة لبناء وعي تاريخي سقيم يستطيع معه جهاز الحكم المحلي إيجاد شرعية تمنحه الاستمرار في العبث بمصير البلد وطاقاته وموارده.

“إن دخول الشعوب إلى الساحة السياسية قد خلق تحولا في المتطلبات التاريخية لقيام الدولة. ففي دول الحكم المطلق كانت الشرعية تتجسد في شخص الحاكم الذي كان من حقه أن يحكم استنادا إلى نسبه(أو نسبها) الملكي. وليس غائبا عن أحد أنه في الإمبراطوريات القديمة كان أهم تاريخ يتم تدوينه هو شجرة أنساب الأسر الحاكمة. ولكن هذه الأوضاع العتيقة قد عفا عليها الزمن، و لم تعد تصلح لعالمنا الجديد وأممه، فالشعوب وليس مجرد رموز السلطة من فوق، هي التي يتعين عليها أن تبحث عن اتصالها بالماضي”. (الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر. تأليف: بيتر تيلور وكولن فلنت .عالم المعرفة، عدد 283 ص 19..).

أقول هذا صحيح في المسار التطوري للغرب. أما في بلداننا العربية فما زال التاريخ المدون، أو الذي يستحق تدوينه هو تاريخ الحكام.ولهذا فالمغاربة مطالبون الآن، أكثر من أي زمن سابق، بالتوجه بشكل فعال إلى إعادة قراءة ماضيهم البعيد والقريب بما يمكن من تحديد الثغرات وتقويم العثرات، واستنباط الدروس والعبر ومن ثم الوصول إلى صياغة رؤية تاريخية متكاملة وقادرة على رصد جذور إشكاليات الحاضر السياسية والثقافية.

ومن جملة ما ينبغي أن تشمله المراجعة التاريخية هو جذور البغي الذي تحالف مدة طويلة من حياة الأمة مع الفحشاء والمنكر ومحاربة الدعوة الصادقة وتهميش فعاليات المجتمع، والاستئثار بالخيرات دون باقي المحرومين والمهمشين.

قال تعالى: “إن الله يامر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون”. إنها الموعظة التي تجعل المغاربة المسلمين أكثر إلحاحا على تصحيح الرؤية التاريخية وإيجاد البدائل المستقبلية التي تخرج البلد من حضيض الغثائية وانعدام الوزن في ساحة الوجود الأممي إلى درجات الوجود الحضاري الفعال والكينونة الشاهدة على الناس بالقسط، السائرة بين الناس بالبشارة والنذارة.

إنها الموعظة البليغة التي تخرج المغاربة من الغفلة إلى التذكر والاستبصار والاحتكام إلى النور القرآني الذي يصادم ظلام الاستبداد واحتكار الثروة والعبث بمقدرات المسلمين وإمكاناتهم في النهوض والقومة العمرانية التنموية.

يكون المغاربة بخير إن هم أعادوا صياغة الرؤية التاريخية بما يمكن من رصد حركة سجالية بين الملك العاض والجبري ووسائل القهر من جهة، وخط الدعوة والتعبئة الإيمانية الجهادية من جهة ثانية. وبما يمكن من إدراك لعبة الأمم القوية حينما اصطنعت نخبة حاكمة أو معارضة، على أسس التغريب واللاييكية والاغتراب عن القيم الأصيلة والمرجعية للأمة المسلمة، ثم مكنت لها داخل الجمهور عبر آلية الاستقلال الشكلي الذي لم يكن يوما عنصر دفع وتحرير ونهوض، بقدر ما كان وسيلة لاستدامة السيطرة الغربية الجاهلية على ثرواتنا وإمكاناتنا الهائلة.

ولكي نستعيد ذاكرة جماعية سليمة لا محيد لنا عن أمر ربنا بالعدل والإحسان، ودعوتنا للاتعاظ والتذكر. والله الولي و هو على كل شيء قدير.