ثانيا: وصف الدواءقبل الشروع في البحث عن الدواء الذي يمكن للأمة أن تُطَبِّبَ به جسمها، وتضمد به جراحاتها، وذلك لتستعيد قوتها، وتكتسب القدرة للنهوض من كبوتها، وتجاوز العقبات التي تعتري طريقها، لابد من الرجوع إلى الأصل وإلى المنبع الصافي الذي يُعد بمثابة الصيدلية التي لا بديل عنها. ويعود الأمر في عموميته إلى:

“الديانة الإسلامية التي كانت قد ظهرت جديدا في الجزيرة العربية فدان بها قبائل العرب، وتحولوا بهدايتها من الفرقة إلى الوحدة، ومن الجاهلية إلى المدنية، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الواحد الأحد، وتبدلوا بأرواحهم الأولى إلى أرواح جديدة، صيرتهم إلى ما صاروا إليه من عز ومنعة، ومجد وعرفان وثروة، وفتحوا نصف كرة الأرض في نصف قرن، ولولا الخلاف الذي عاد فدبَّ بينهم منذ أواخر خلافة عثمان وفي خلافة علي رضي الله عنهما لكانوا أكملوا فتح العالم ولم يقف في وجههم واقف”(22).

“فالسبب الذي به نهضوا وفتحوا، وسادوا وشادوا، وبلغوا هذه المبالغ كلها من المجد والرقي، يجب علينا أن نبحث عنه وننشره”(23).

وعلاج ما بالأمة لا يتوقف على وجود الدواء فقط كما يظن الكثير من الناس فغالبا ما يغفلون عن المعالج الذي تتوفر فيه الشروط الكاملة لعلاج ما بالأمة، فردا كان أو جماعة، وهذا ما يصطلح عليه بالمجدد، يقول عمر عبيد حسنة:

“فالمشكلة اليوم ليست في عدم وجود العلاج، وإنما هي في عدم وجود المعالج، فالإسلام هو الدواء، والشفاء، ولكن كيف نستعمل هذا الدواء ولمن نستعمله ؟ ومتى ؟ هذه هي المشكلة اليوم التي يعاني منها الواقع الإسلامي، وهي مؤشر مؤرق بسبب غياب فقهاء المجتمعات، وفقهاء التربية، وفقهاء التخطيط، وفقهاء استشراف آفاق المستقبل، وفقهاء علماء الإنسان، فقهاء الحضارة عامة، الذين يشكلون عقل الأمة، ويعرفون كيف يغترفون من هذا الإسلام، لمصلحة الأمة في واقعها المعاصر، وكيف يتعاملون مع هذا الإسلام ويعودون بالأمة إليه”(24).

نخلص إذن إلى أنه لا يمكن للأمة أن ترقى وأن تبلغ المراد إلا إذا كانت متمسكة بالأصل الذي هو دينها الإسلامي، وكذلك توفر العلماء والفقهاء الذين يعتبرون بمثابة الأطباء الذين يملكون القدرة على تشخيص الداء ووصف الدواء.

وسنحاول إنشاء الله -بالإضافة إلى ما تطرقنا إليه آنفا من ضرورة الاعتماد على تعاليم الإسلام كخطوة أولى، وضرورة تواجد الرجال الأكفاء القادرين على تجديد ما بالأمة- أن نستعرض العلاج الذي حدده وبينه لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم انطلاقا من الحديث نفسه. إذن: كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تعالج غثائيتها؟ وكيف تكتسب مهابة أعدائها منها؟ وما هو السبيل لمعالجة وهنها الذي ينخر كيانها ؟.

أ: كيف تعالج الأمة غثائيتها ؟

عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وينبؤهم بما سيحل بالأمة الإسلامية مستقبلا، وعندما أخبرهم بما سيصيب الأمة من التكالب عليها لم يخطر ببال الصحابة رضوان الله عليهم سوى سبب وحيد قد يكون هو الأصل فيما سيقع، ألا وهو قلة عدد المسلمين. يقول الأستاذ سعيد جودت: “وكذلك حديث القصعة وتداعي الأكلة إليها، فإن الصحابة عجزوا كيف يمكن أن يتم ذلك، وكل ما خطر في بالهم من تفسير للموضوع، أن يكون سبب ذلك قلة في عدد المسلمين، حينما قالوا أو من قلة يا رسول الله ؟ ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن العدد حين التداعي على القصعة يكون كثيرا. ولكن هناك شيء آخر يجعل الناس كغثاء السيل”(25).

إذن الأمة عدد أبنائها كثير، ومع ذلك لم تُغن عنهم كثرتهم شيئا، ولهذا فإن الخطوات التي يمكننا اتباعها لمعالجة هذا الداء تتمثل في الوقوف أولا مع آيات في كتاب الله عز وجل تحدثنا عن واقعتين هامتين في تاريخ الإسلام، نستنبط من خلالهما أن الكثرة بدون تربية وبدون تمسكها بعقيدتها واتصالها بالمولى عز وجل فهي غثاء كغثاء السيل.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى: “ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا”( سورة التوبة الآية: 25) إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة؛ فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة.

لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح !” (26).

حقا، كانت غزوة حنين بمثابة امتحان وابتلاء للمؤمنين، حيث أعجب الكثير منهم بكثرتهم التي لم تغن عنهم شيئا، وما بقي منهم إلا قلة قليلة، وهي التي وصفها الشهيد سيد قطب ب “العارفة الثابتة المتجردة للعقيدة”، أي الصفوة منهم التواقة للشهادة الكارهة للدنيا والمحبة للآخرة.

وفي المقابل وبالضبط في سورة آل عمران يقص علينا سبحانه وتعالى ما يؤكد أن النصر على العدو لا يتأتى بكثرة عددية ولا بعدة قوية في حالة غياب العقيدة الصحيحة والإيمان الصادق.

يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى: “ولقد نصركم الله ببدر- وأنتم أذلة- فاتقوا الله لعلكم تشكرون” (سورة آل عمران الآية: 123) “والنصر في بدر كان فيه رائحة المعجزة  كما أسلفنا- فقد تم بغير أداة من الأدوات المادية المألوفة للنصر. لم تكن الكفتان فيها -بين المؤمنين والمشركين- متوازنتين ولا قريبتين من التوازن، كان المشركون حوالي ألف & وكان المسلمون حوالي ثلاثمائة”(27).

ولجمع شتات الأمة الإسلامية، لابد لها من وحدة تجسد فيها قوة عددها ومدى تماسكه، ولن يتأتى لها ذلك، إلا إذا كانت هذه الوحدة مبنية على عمران أخوي بين جميع المسلمين.

“فالمجتمع المسلم المتآخي مجتمع واحد، في عقائده الإيمانية، وفي شعائره التعبدية، وفي مفاهيمه الفكرية، وفي فضائله الأخلاقية، وفي اتجاهاته النفسية، وآدابه السلوكية، وفي تقاليده الاجتماعية، وفي قيمه الإنسانية، وفي أسسه التشريعية.

واحد في أهدافه التي تصل الأرض بالسماء، والدنيا بالآخرة، والخلق بالخالق، وفي أسس مناهجه التي تجمع بن المثالية والواقعية، وتوازن بين الثبات والتطور، وبين استلهام التراث والاستفادة من العصر.

واحد في مصادره التي يستمد منها هدايته، وهي القرآن الكريم والسنة المطهرة، وفي المثل الأعلى الذي يستمد منه الأسوة الحسنة، وهو الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فهو مجتمع يؤمن برب واحد، وكتاب واحد، ورسول واحد، ويتجه إلى قبلة واحدة بشعائر واحدة، ويحتكم في كل أموره بشريعة واحدة: ولاؤه-حيث كان- ولاء واحد، لله ولرسوله ولأئمة الإسلام، فيه يحب، وفيه يبغض، وفيه يصل، وفيه يقطع: “لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم وعشيرتهم” (سورة المجادلة، الآية: 22) (28).

فهذه هي الوحدة بمعناها العام والشامل، حيث يجب أن تلامس جميع المجالات التي ذكرها الشيخ القرضاوي حفظه الله، فما أحوج الأمة الإسلامية اليوم لهذه الوحدة وإلى الاستفادة من هذا العدد الكبير من المسلمين، يقول الشيخ القرضاوي:

“كان المفروض أن نستفيد من طاقاتنا العددية، وقد قال “جمال الدين الأفغاني” يوما للهنود: “لو كانت ملايينكم ذبابا يطن في أذن الإنجليز لخرقتم آذانهم”~~~~!!

ولكننا ننتفع بهذه القوة البشرية الضخمة، لأننا جعلنا الكثرة كارثة وهي في الأصل نعمة، ألا ترى القرآن يقول: “واذكر إذ كنتم قليلا فكثركم” (سورة الأعراف، الآية: 86) (29).

ولابد لنا أن نستحضر في هذا الباب مكانة العدو وقوته، وذلك حتى ننتفض ونقوم من سباتنا، ونعلم أن الزمن قد تغير وأن “الأقوياء يتوحدون خشية الاستضعاف ويتكتلون رجاء الانتصاف ويواجهون أعداءهم الأقوياء بمثل قوتهم وبما هو أكثر منها، ولكن المسلمين لا يزالون في غمرتهم ساهون، يتفرقون ولا يتوحدون والأصل فيهم التوحد، ويتمزقون ولا يتكتلون والأصل فيهم التكتل، كل وحدة من وحداتهم تؤول إلى وحدات وكل دولة إلى دويلات… وكل حزب إلى أحزاب، حتى ضيعوا قوتهم وأهلكوا أنفسهم، ومكنوا لأعدائهم بأيديهم”(30).

فإقامة الوحدة إذن هي: “القاعدة الضرورية لإقامة دين الفرد ودين الأمة للانطلاق في تبليغ الرسالة الرحيمة للعالمين، تأييدا مبعوثيا تبليغيا لرسالة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وائتمارا بأمره تعالى: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه” (سورة الشورى الآية: 11) (31).

ب: كيف تكتسب الأمة مهابة أعدائها منها ؟

إن الناظر في سيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم ليستشف أنهم صنعوا أمجادا ومكن الله بهم دينه في الأرض، وذلك بعد أن تمكن الإيمان في قلوبهم.

يقول سيد رحمه الله: “لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده.. لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء.. لما تقررت في القلوب “لا إله إلا الله”.. صنع بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون”..(32).

إن العالم العربي والإسلامي لا يستطيع ولن يستطيع محاربة عدوه إلا بقوة الإيمان، والقوة المعنوية، وبالروح التي حارب بها الأوائل دولة الروم وإمبراطورية الفرس. “إنه لا يستطيع أن يحارب أعداءه بقلب يحب الحياة ويكره الموت، وبجسم يميل إلى الدعة والراحة، وعقل يخامره الشك وتتنازع فيه الأفكار والأهواء، أو بيد مضطربة وقلب متشكك ضعيف الإيمان وقوة متخاذلة في الميدان”(33).

بعد أن يتحقق هذا الركن المعنوي الأساسي، فلابد كذلك للأمة الإسلامية أن تعد العدة والعتاد في شتى المجالات والميادين، “لأن حتمية المواجهة تستدعي من المسلمين  أمة أو مجموعة من المجتمعات- ضرورة التهيؤ، والاستعداد، وليس شرطا أن ينتظر المسلمون، حتى يروا أمارات السوء، والشر والعدوان، من عدو معروف لهم، فيبدأ في أخذ وسائل الدفاع..” (34).

فإعداد العدة إذن بعد تماسك البنيان، وبعد تحقيق التغيير المنشود، من الأمور اللازمة والتي أوصى بها الله عباده المومنين في كتابه العزيز: يقول الحق سبحانه: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم” ( سورة الأنفال الآية: 60).

يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية “إنه لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في “الأرض لتحرير”الإنسان” وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة: أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارهم؛ فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها.. والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين، فلا يفكروا في الاعتداء على “دار الإسلام” التي تحميها تلك القوة..

الأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير “الإنسان” كله في “الأرض” كلها..” (35).

فإعداد المستطاع من القوة يختلف باختلاف الزمان والمكان “والواجب على المسلمين في هذا العصر، صنع المدافع والطائرات والدبابات وإنشاء السفن الحربية، والغواصات، ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيرها من قوى الحرب.

& فالكفار إذا علموا استعداد المسلمين، وتأهبهم للجهاد، واستكمالهم لجميع الأسلحة والآلات، خافوهم، وإلى هذا يشير أبو تمام إذ يقول:

وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم *** إن الـدم المغـير يحـرسـه الـدم

وهذا الخوف يفيد المسلمين من وجوه:

- يجعل أعداءهم لا يعينون عدوا آخر عليهم.

- يجعلهم يؤدون الالتزامات المطلوبة منهم..

- ربما حملهم ذلك على الدخول في الإسلام والإيمان بالله ورسوله.” (36).

ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تكتسب مهابة أعدائها منها مادامت تابعة وخاضعة للغرب في العلم والسياسة والصناعة والتجارة، وغير ذلك من المجالات الأساسية والحساسة.

فلابد بإذن من “الاستعداد التام في العلوم والصناعة والتجارة وفن الحرب، وأن يستغني-العالم الإسلامي- في كل مرفق من مرافق الحياة، وفي كل حاجة من الحاجات، يقوت ويكسو نفسه، ويصنع سلاحه، وينظم شؤون حياته، ويستخرج كنوز أرضه وينتفع بها، ويدير حكوماته برجاله وماله، ويمخر بحار المحيط بسفنه وأساطيله، ويحارب العدو ببوارجه ودباباته وأسلحة بلاده، وتزيد صادراته على وارداته، ولا يحتاج إلى الاستدانة من الغرب، ولا يضطر إلى أن يلجأ إلى راية من راياته وينضم إلى معسكر من معسكراته.

& وما دام العالم الإسلامي يستدين من الغرب الأموال، ويستعير منه الرجال، ليديروا حكومته، ويشغلوا الوظائف الخطيرة ويدربوا جيوشه ويستورد منه البضائع ويجلب منه الصنائع، وينظر إليه كأستاذ ومرب، وسيد ورب، لا يبرم أمرا إلا بإذنه ولا يصدر إلا عن رأيه، فلا يستطيع أبدا أن يواجه الغرب فضلا عن أن يناهضه ويغالبه”(37).

وما تحدثنا عنه في الجانب الاقتصادي من إيلائه الاهتمام الكبير يجب كذلك مثله في الجانب التعليمي: “فلابد إذن من الاستقلال التعليمي، بل لابد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهين، إنها تحتاج إلى تفكير عميق، وحركة التدوين والتأليف الواسعة، وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام، والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه”(38).

فهذه إشارات قصيرة ومختصرة لأهم الجوانب التي تعتبر بمثابة القلب النابض لكل أمة يجب أن تعتني به أو تهتم بتطويره، بالإضافة إلى الجوانب الأخرى التي لم نذكرها في هذا الباب، مثل مسؤولية الحكام وكذلك مسؤولية العلماء في ضياع الإسلام بسبب إغماضهم لأعينهم وإطباقهم أفواههم ووضعهم لأصابعهم في آذانهم، وإلى غير ذلك من النقط التي لا تكفينا هذه الصفحات للإلمام بها.

ج: كيف تعالج الأمة وهنها ؟

الوهن كما جاء في الحديث النبوي حب الدنيا وكراهية الموت، ولقد أشرنا إلى أن أصل كل الأمراض التي تعانيها الأمة هو الوهن، ولا شك أن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: “كيف نزيل حب الدنيا ونضع مكانها البذل ؟ وكيف نزيل كراهية الموت ونزرع مكانها حبُّ الشهادة ؟ ما العلاج لهذه الحالة المرضية حتى نرجع بالأمة إلى حالتها الصحية ؟ (39).

“العلاج النبوي لهذا الحديث نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب & . صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المؤمنين، وصلاح القلوب يكون بالتربية، وللتربية أصول وقواعد من كتاب الله وسنة رسوله”(40).

فالتربية إذن هي التي تقضي على الوهن فتقتل الأثرة وحب الدنيا، وتحيي في المؤمن حب الله والشوق إلى لقائه والموت في سبيله، ماله لله ونفسه لله، مصداقا لقول الله تعالى: “إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون” (سورة الحجرات، الآية: 14) (41). ذلك المؤمن المجاهد لن يكون إلا نتاج تربية”(42).

ولقد حدد الأستاذ عبد السلام ياسين ثلاث شروط أساسية لنجاح التربية الإيمانية، أولها: الصحبة والجماعة، أي لابد للمؤمن أن يكون وسط صحبة وجماعة تتلقاه في رحاب المؤمنين المتواصين بالصبر والرحمة. الوجه الباش، والكلمة المبشرة المشجعة، أول ما ينبغي أن يدركه الوارد من وجود مرحمة ومحبة في الأسرة التربوية حتى يحب صحبتها والسير معها&

أما الشرط الثاني: فهو الذكر: “النبع لا إله إلا الله، والفيض نورها، حتى يستطيع المؤمن وجماعة المؤمنين تلقي شمس القرآن، ومدد القرآن، وبركة القرآن، وحتى يستطيعوا العمل بالقرآن.

أما الشرط الثالث: الصدق: “أعني بكلمة صدق استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات حتى النهاية. صحبة وجماعة+ذكر+صدق، هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية(43).

هكذا يتضح لنا أن مرض الوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، يحتاج إلى تربية أصيلة، أساسها صحبة جماعة من المؤمنين وهذه الجماعة المصحوبة هي التي يسميها سيد قطب رحمه الله محضنا. كما يشترط أن تكون هذه الجماعة ذاكرة لله عز وجل، وأن تكون كذلك صادقة صابرة متماسكة حتى النهاية.

كما يجب على المؤمن الكيس الفطن أن يعرف حقيقة الدنيا حتى لا يغتر بزينتها وأن يعرف أن وجوده فوق هذه البسيطة سينتهي عند انتهاء أجله، يقول الدكتور محمد الزحيلي: “إن حب الدنيا وكراهية الموت يعني أن الإنسان يجهل حقيقة الدنيا، ويغتر بمظاهرها، ويفتتن بمغرياتها& لذلك حرص القرآن الكريم على أن يكشف للمسلم حقيقة الدنيا، ويميط له اللثام عن مفاتنها، ويحذره من الاغترار فيها، وذلك في آيات كثيرة، قال تعالى: “اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور” (سورة الحديد، الآية: 20)& وقال تعالى:

“يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور” ( سورة فاطر، الآية: 5)، كما يقرر القرآن الكريم أشياء كثيرة من زينة الحياة الدنيا، ثم يدعو الناس إلى عدم الوقوف عندها، ويطلب منهم تجاوزها إلى ما هو خير وأفضل وأحسن وأدوم واثمن وأبقى، فيقول تعالى: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك توابا وخير أملا” ( سورة الكهف، الآية: 46). فالدنيا جميلة، وفيها من المسليات والملاهي الشيء الكثير، ولكن ذلك إلى زوال، وأن الحياة الحقيقية، والسعادة الحقة هي في الدار الآخرة، فيقول تعالى: “وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” (سورة العنكبوت، الآية: 64)، ثم يحذر الرسول من مفاتن الدنيا، والانشغال بِمَالِهَا وخيراتها، والتنافس فيها والغفلة عن الله والآخرة(44).

فهذا جزء قليل من حقيقة الدنيا التي يجب على كل واحد منا أن لا يغتر بمظاهرها وأن لا ينساق مع زخرفها.

فإذا عرف المؤمن أو أي إنسان آخر حقيقة الدنيا، وعلم بأنها إلى زوال فيجب عليه أن يعد العدة، وأن يعلم بأن الحساب ينتظره، وأنه سيذوق طعم الموت عاجلا أم آجلا.

الموت كأس وكل الناس شاربه *** القبر باب وكل الناس داخله

ولذلك يستعد العاقل للموت، ويهيئ له الأسباب المحمودة، فإن جاءه الموت كان على خير حال، دون أن يغفل عن هذه الحقيقة التي تلازم البشرية، وأن الدنيا ليست مقرا ولا مستقرا، ولم يخلد فيها الإنسان، والموت حق يقيني، ومهما جمع الإنسان في هذه الحياة، فإن متطلباته منها محدودة، وحصيلة مقررة، وانتفاعه محصور، والزائدة عنه سيبقى لغيره من الأحياء، ويروح المرء إلى مصيره المحتوم شاء أم أبى& .

وفي هذا التوجيه، والتربية الإسلامية يكون الإنسان سويا وقويا، ويضمن لنفسه العزة والكرامة، ويحقق لأمته النصر والحياة العزيزة، ويغرس في نفسه المناعة والوقاية من الوهن، ويطلب الموت لتوهب له الحياة، وينزع من قلبه حب الدنيا ويضع الموت نصب عينيه ليحاسب نفسه قبل أن تحاسب”(45).

الهوامش:(22) المرجع السابق. ص: 42.

(23) تأملات في الواقع الإسلامي. ص: 24.

(24) حتى يغيروا ما بأنسهم. ص: 149.

(25) سيد قطب، في ظلال القرآن المجلد 3. ج: 10. ص: 8/16. دار الشروق ط: ش 4/1397هـ-1977م.

(26) في ظلال القرآن المجلد 1 الجزء: 4. ص: 469.

(27) د. يوسف القرضاوي. ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، مكتبة وهبة ط: I/1414هـ-1993م. ص: 145-146.

(28) د.يوسف القرضاوي، أين الخلل ؟ ض: 5/1411هـ-1990م. ص: 18. دار الرسالة.

(29) الشهيد عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية. ص: 246-247. ط: 3/1398هـ-1978م. المختار الإسلامي.

(30) العدل الإسلاميون والحكم. ص: 239.

(31) سيد قطب. معالم في الطريق. ط: 1414/1993. دار الشروق. ص: 33.

(32) لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم. ص: 280-281.

(33) أحمد عبد الرحيم السايح، كتاب الأمة: في الغزو الفكري العدد: 38. ص: 137.

(34) في ظلال القرآن. م 3. ج: 10. ص: 1543.

(35) في الغزو الفكري. ص: 137-138-139.

(36) لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم. ص: 272-273.

(37) المرجع السابق. ص: 276.

(38) ذ.عبد الصمد الرضى البرنامج التعليمي. المرحلة الثانية. ط: I/2002. مطبوعات الهلال. ص: 104.

(39) عبد السلام ياسين. الإحسان. 1. ط: I/1998. مطبوعات الأفق. ص: 24.

(40) البرنامج التعليمي المرحلة الثانية. ص: 104-105.

(41) عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا. ط: II/1410هـ-1989م. ص: 9.

(42) المرجع السابق. ص: 51-52-53.

(43) مجلة الوعي الإسلامي العدد 243. ص: 47-48.

(44) مجلة الوعي الإسلامي. العدد: 243. ص: 49.

(45) تأملات في الواقع الإسلامي، ص: 35.

(46) محمد قطب: الصحوة الإسلامية، ص: 182، مكتبة السنة.

(47) رواه مسلم، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة& (ج 4/ ص: 2233/ رقم الحديث: 2912). السند 65 بدون ذكر اليهود، والسند 82 بذكر اليهود. ط: I/1991.

– رواه أبو داود، كتاب الملاحم باب في قتال الترك (ج 4/317/4303) دون ذكر اليهود/دار ابن حزم ط: 7-1997.

(48) مسند الـإمام أحمد بن حنبل (4/353/18436) مسند الكوفيين ط: I 1413هـ-1993م. دار الكتب العلمية بيروت.

(49) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (5/191-192) باب كيف بدأت الإمامة وما تصير إليه والخلافة والملك) ط: 1406هـ-1986م. مؤسسة المعارف بيروت.

(50) محمد قطب: الصحوة الإسلامية. ص: 174.