من كتاب الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي رحمه الله

يقول الله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)[1].

قوله تعالى: “والشعراء” جمع شاعر مثل جاهل وجهلاء؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الكفار “يتبعهم” ضلال الجن والإنس. وقيل: “الغاوون” الزائلون عن الحق، ودل بهذا أن الشعراء أيضا غاوون؛ لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك.

روى مسلم رحمه الله من حديث عمرو بن الشريد رحمه الله عن أبيه رضي الله عنه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: “هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم. قال: “هيه” فأنشدته بيتا. فقال: “هيه”، ثم أنشدته بيتا. فقال: “هيه”، حتى أنشدته مائة بيت. وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية؛ لأنه كان حكيما؛ ألا ترى قوله عليه السلام: “وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم”.

فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه، كقول القائل:

الحمد لله العلي المنان…………….

صار الثريد في رؤوس العيدان……..

أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مدحه كقول العباس رضي الله عنه:

من قبلها طبت في الظلال وفي…………

مستودع حيث يخصف الورق…..

ثم هبطت البلاد لا بشر…………

أنت ولا مضغة ولا علق…..

بل نطفة تركب السفين وقد ألجم…………

نسرا وأهله الغرق…..

تنقل من صالب إلى رحم…………

إذا مضى عالم بدا طبق…..

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يفضض الله فاك”.

أو الذب عنه كقول حسان:

هجوتَ محمدا فأجبتُ عنه………………

وعند الله في ذاك الجزاء…..

وهي أبيات ذكرها مسلم رحمه الله في صحيحه وهي في السير أتم.

أو الصلاة عليه؛ كما روى زيد بن أسلم رضي الله عنه أن سيدنا عمر رضي الله عنه خرج ليلة يحرس فرأى مصباحا في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفا وتقول:

على محمد صلاة الأبرار…………

صلى عليه الطيبون الأخيار…..

قد كنت قواما بكاء بالأسحار…………

يا ليت شعري والمنايا أطوار…..

هل يجمعني وحبيبي الدار……..

تعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ فجلس عمر يبكي. وكذلك ذكر أصحابه ومدحهم رضي الله عنهم؛ ولقد أحسن محمد بن سابق رحمه الله حيث قال:

إني رضيت عليا للهادي علما………..

كما رضيت عتيقا صاحب الغار…..

وقد رضيت أبا حفص وشيعته………..

وما رضيت بقتل الشيخ في الدار…..

كل الصحابة عندي قدوة علم………..

فهل عَلَيَّ بهذا القول من عار…..

إن كنت تعلم إني لا أحبهم………..

إلا من أجلك فاعتقني من النار…..

وقال آخر فأحسن:

حب النبي رسول الله مفترض………..

وحب أصحابه نور ببرهان…..

من كان يعلم أن الله خالقه………..

لا يرمين أبا بكر ببهتان…..

ولا أبا حفص الفاروق صاحبه………..

ولا الخليفة عثمان بن عفان…..

أما علي فمشهور فضائله………..

والبيت لا يستوي إلا بأركان…..

قال ابن العربي رحمه الله: أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد؛ فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا المثل، وقد أنشد كعب بن زهير رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول………..

متيم إثرها لم يفد مكبول…..

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا………..

إلا أغن غضيض الطرف مكحول…..

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت………..

كأنه منهل بالراح معلول…..

فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر في تشبيهه ريقها بالراح. وأنشد أبو بكر رضي الله عنه:

فقدنا الوحي إذ وليت عنا………..

وودعنا من الله الكلام…..

سوى ما قد تركت لنا رهينا………..

توارثه القراطيس الكرام…..

فقد أورثتنا ميراث صدق………..

عليك به التحية والسلام…..

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا؟ قال أبو عمر رحمه الله: ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: “أصدق كلمة -أو أشعر كلمة- قالتها العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل” أخرجه مسلم رحمه الله وزاد: “وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم”.

وروي عن ابن سيرين رحمه الله أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر؟ فقال: ويلك يا لكع! وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح! قال: وقد كانوا يتذاكرون الشعر. قال: وسمعت ابن عمر رضي الله عنهما ينشد:

يحب الخمر من مال الندامى………..

ويكره أن يفارقه الفلوس…..

وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رحمه الله أحد فقهاء المدينة العشرة ثم المشيخة السبعة شاعرا مجيدا مقدما فيه. وللزبير بن بكار القاضي رحمه الله في أشعاره كتاب، وكانت له زوجة حسنة تسمى عثمة فعتب عليها في بعض الأمر فطلقها، وله فيها أشعار كثيرة؛ منها قوله:

تغلغل حب عثمة في فؤادي………..

فباديه مع الخافي يسير…..

تغلغل حيث لم يبلغ شراب………..

ولا حزن ولم يبلغ سرور…..

أكاد إذا ذكرت العهد منها………..

أطير لو أن إنسانا يطير…..

وقال ابن شهاب رحمه الله: قلت له: تقول الشعر في نسكك وفضلك؟ فقال: إن المصدور[2] إذا نفث برأ.‏

——————————————————————————–

[1] سورة الشعراء، الآيات 224- 227.

[2] مصدور: مصاب بداء السل في رئته.