صدر عن المكتب الإقليمي للدول العربية في عمان لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بمشاركة الصندوق العربي للإنماء الاجتماعي والاقتصادي وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية، يوم 15 أبريل 2005 بعمان التقرير الثالث للتنمية البشرية في العالم العربي تحت عنوان فرعي “نحو الحرية في العالم العربي”.

حول دلالة المفهوميحتل مفهوم التنمية البشرية مكانا مركزيا في تحليل مؤشر التنمية داخل المجتمعات، وقد اكتسب اهتماما خاصا منذ تبني الأمم المتحدة للمصطلح سنة 1990، حيث تزامن ذلك مع صدور أول تقرير للتنمية البشرية من قبل برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية PNOD قدمت فيه قراءة لمسار التنمية البشرية في دول العام وركزت فيه على مؤشرات الدخل والصحة والتعليم.

ويرتكز المفهوم على اعتبار البشر (الرأسمال البشري) يشكلون الثروة الحقيقية للأمم، ولذلك وجب الاهتمام بهم لأن في ذلك اهتمام بالمجتمع وتنمية له، ولن يتحقق ذلك إلا بالاعتناء بدعم القدرات البشرية التي تمكن الإنسان من التوصل إلى مستوى راق من الرفاه (العيش الطويل، الصحة، التعليم، الحرية، المعرفة…).

سياق تقرير التنمية البشرية في العالم العربيبعد 12 سنة من التقارير صدر أول تقرير خاص بالعالم العربي سنة 2002 تحت عنوان “خلق الفرص للأجيال القادمة” وخلف صدى متباينا بين مؤيد ومعارض ومشكك في خلفياته وحقيقة أرقامه وموضوعية خلاصاته، وبلغ الأمر إلى حد استشهاد الرئيس الأمريكي جورج بوش به ليبرر تدخله في المنطقة العربية، وركز التقرير الأول على قضايا التنمية والحريات والمعرفة حيث أشار إلى عدد الأميين في العالم العربي (65 مليون) وأن 10 ملايين طفل في مستوى التمدرس لم يلتحقوا بالمدارس وأكد على الفجوة العميقة بين البرامج التعليمية واحتياجات سوق العمل، ونبه إلى ضعف الاستثمار في البحث والتطوير (0,5% من الناتج القومي الإجمالي)، وبين أن نسبة البطالة في العالم العربي من أعلى النسب في العالم (15%)، أما في مجال الصادرات فالنفط يشكل 70% منبها إلى أن نمو الصادرات هو (1,5%) وهو ينقص كثيرا على المعدل العالمي (6%)، أما على مستوى الدخل فقد أثار التقرير إلى أن دخل 20% من السكان لا يتجاوز دولارين يوميا.

ولم يفت التقرير أن يتطرق إلى موضوع الحرية والمشاركة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية مؤكدا أن هذه المشاركة ما تزال ضعيفة مما خلف حالة من الإحباط واللامبالاة، مركزا على ضعف مشاركة الشباب والمرأة، وختم التقرير بأن الدول العربية لها من المؤهلات ما يمكنها من القضاء على الفقر في غضون جيل قادم إن توفرت الإرادة السياسية.

وقد رأى البعض أن في التقرير خلاصات هدفت إلى إذلال العرب خاصة حين اختار محررو التقرير الاستشهاد بإسبانيا ومقارنتها بمجموع الدول العربية وإعلان تفوقها عليهم.

أما تقرير 2003 فقد ركز على مسألة المعرفة والحريات والحكم الصالح “الحكامة” والتعليم والبحث العلمي وتأسيس نموذج تنموي عربي أصيل، مؤكدا غلبة الاقتصاد الريعي في العالم العربي القائم على استغلال الثروات الطبيعية وخاصة النفط، ومشيرا إلى ظاهرة هجرة العقول والكفاءات العربية إلى الخارج (75 ألف أستاذ جامعي خلال 1995 و1996 و15 ألف طبيب بين 1998 و2000…).

ولم ينس التقرير أن يؤكد على فشل جل عمليات التصنيع حيث استثمر العرب بين العام 1980 و1997 أكثر من 2500 بليون دولار في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي لكن متوسط الناتج المحلي للفرد انخفض خلال هذه الفترة وانخفضت معه الإنتاجية الزراعية والصناعية.

تقارير التنمية البشرية بين مؤيد ومعارضتعرض التقريران السابقان لانتقادات لاذعة، وهناك من شكك في مصداقية الأرقام المعتمدة، ونجاعة الحلول المقترحة، ونزاهة الشخصيات المشاركة في الصياغة، وهناك بالمقابل من اعتبر التقارير صادرة عن هيئة محايدة ومصاغة بطريقة علمية وشارك في صياغتها خبراء بالعالم العربي ومتخصصون في المجالات التي تطرقت لها.

وبين هؤلاء وهؤلاء بقي التقرير مادة متداولة سدت فراغا في الأرقام والمعطيات والخلاصات ظل يشكو منه الباحثون المتضررون من استئثار المسؤولين بالمعلومات والتحكم في ترويجها بالشكل الذي يخدم أهدافهم ومصالحهم، وحقق التقرير بذلك خطوة أولية للقضاء على احتكار المعلومة.

ولذلك ظل العديد من الباحثين ينتظرون تقرير 2004 ليحين المعطيات.

تقرير 2004: تأخر في الإصدار … وجدل حول المحتوىإن ما يزيد من أهمية الانتظار أن موضوع تقرير 2004 هو الحريات والحكم في العالم العربي بما يعني ذلك من تطرق لأنظمة الحكم وأشكال ممارسة السلطة والتعددية والحق في التنظيم والتعبير فضلا عن الحصانات القانونية والمؤسساتية المتوفرة واللازمة. وهذا جوهر الإشكال في المنطقة.

لكن وقع ما لم يكن في الحسبان، فقد كان منتظرا أن يصدر التقرير في أكتوبر ولكن شيئا من ذلك لم يحدث بسبب اعتراضات قوية على بعض مضامينه من قبل أكثر من جهة.

فالولايات المتحدة الأمريكية اعترضت على الأجزاء التي ورد فيها حديث عن الاحتلال الأمريكي للعراق والممارسات الإسرائيلية في فلسطين وهددت بإيقاف دعمها لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (70%)، وكذلك اعترضت على بعض مضامينه دول عربية أهمها مصر لأنه تطرق لمسألة توريث السلطة وعدم السماح لبعض التيارات بالعمل وخاصة التيارات الإسلامية.

وهذا ما أرجع النقاش حول حياد الهيئة المصدرة للتقرير، ونزاهة فريق العمل، مع الإشارة أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت تقرير 2002 كأساس لمقترحاتها حول الإصلاح في العالم العربي وبرر به جورج بوش في خطاب له تدخله في المنطقة العربية.

تقرير التنمية البشرية لعام 2004: خلاصات هامةصدر التقرير ديباجته بعبارات معبرة “في هذه الحقبة الحرجة تقف الأمة العربية على مفترق طرق تاريخي وتجد نفسها بين شقي رحى الاستبداد في الداخل والاستباحة من الخارج، فيما تستحكم أزمة تهميش الشعب العربي..” ولذلك أكد على أولوية الحرية “والحرية في مضمونها الشامل تضيف إلى الحريات المدنية والسياسية بمعنى التحرر من القهر تحررا من جميع أشكال الحط من الكرامة الإنسانية مما يتطلب نسقا من الحكم المؤسسي الصالح الممثل للناس والخاضع للمساءلة من قبلهم يسود فيه القانون الحامي للحرية برعاية قضاء مستقل تماما”.

وختم تصديره بـ”إن الوطن العربي يجتاز لحظة تاريخية لا تقبل التوفيق أو التلفيق. والتحدي الماثل أمام الشعب العربي، إن هو أراد مجتمع الحرية والحكم الصالح حقا، هو في إبداع سبيل لكيفية الانتقال حضاريا وبأقل تكلفة مجتمعية ممكنة من حس الحرية والاستبداد إلى الحرية والحكم الصالح، محققا بذلك إنجازا تاريخيا يستحق به، في المنظور التاريخي، التنعم بالحرية”.

بماذا جاء هذا التقرير؟ كيف ينظر إلى الداء؟ ما هو العلاج؟ كيف يتم تطبيقه؟

موضوع هذا في حلقة قادمة.