هذا الكتاب

بعيدا عن كل المناقشات والاختلافات التي قامت حول ترجمة كلمة “مودرنيزم” إلى العربية، فإني أختار في هذا الكتاب “الحداثية” -على صيغة المصدر الصناعي- للدلالة على معنى المذهبية العقدية والفلسفية الذي تفيده اللاحقة (إيزم Isme) في البناء الصرفي للمصطلح الأعجمي.

لقد نشأت “الحداثية” الغربية في أحضان الكنيسة النصرانية الكاثوليكية الغربية، ثم انتهى تطورها، عبر مراحل من الجدل والنقد والثورات والتغيرات الفكرية والسياسية والاجتماعية، بأن أصبحت نظرية مكتملة يطبعها التحرر من كل قيود اللاهوت الكنسي النصراني، روحُها العقلانيةُ اللائكيةُ اللادينية.

وقد سرى روح (المودرنيزم) إلى البلاد العربية الإسلامية بواسطة مؤسسات التنصير والاستعمار، وعبر قنوات طاحون التعليم التغريبي. وما هي إلا سنوات معدودات حتى غزا هذا الروح جميع ميادين المعرفة، نظراً وتحليلا وتفكيرا، في مختلف الموجودات الكونية. ثم انتشرت الجرثومة وامتدت ورسخت، فأصبح لها منابرها وأعلامها ومناصروها، في الجامعات، وفي الهيآت السياسية، وفي دواوين الدولة ودواليبها، وفي المؤسسات الصحفية الكبرى والصغرى، وفي المحافل الأدبية والفكرية، كما أصبح لها حضور قوي ومتميز في تدبير شؤون العمران المدني، وفي السلوك والعادات والأذواق والعلاقات الاجتماعية، وغيرها من المظاهر الإنسانية المعيشية.

لقد كان الروح العقلاني اللائكي الغربي وراء ظهور أجيال جديدة تحمل منظورا جديدا في شؤون الكون والإنسان والمجتمع، أساسُه التعليم الغربي التغريبي، والتربية على النمط الأوربي، والسلوك على المنهاج الغربي، لكن مع اعتبار الفرق بين الأصل والفرع، بين التابع والمتبوع، بين الغالب والمغلوب، بين المنتصر والمهزوم.

وهذا الكتاب يسعى، جهده، لإثبات دعوى أن النظرية الحداثية العربية، في الفكر، والسياسة، والآداب، والفنون، وغيرها من المجالات، ليست إلا صدى يرَدِّد ما انتهت إليه التطورات الفكرية والفلسفية الغربية الأوربية، بصفة خاصة. وهذا الصدى إنما هيأت له الظروفَ المواتيةَ، ومهدت له المقدماتِ الضرورية والمناسبة، عمليةُ التغريب التي امتازت، فيما امتازت به، بالتخطيط البعيد، والنفس الطويل، والصبر الجميل.