نترجم بكلمة “عقلانية” كلمتين اثنتين في اللغة الأوربية: “راسينالتي” و”راسينالزم”. وللكلمتين معنيان متداخلان لفظا متباينان دلالة. فإذا ترجما إلى العربية بكلمة واحدة اكتظ التداخل واختفى التباين. ولذلك يصعب الحوار بالعربية بين عرب يفكرون كما يفكر الأوروبيون، لكنهم لا يعطون لكلمة “عقلانية” مترجمة إلا مدلولا واحدا عنادا وتدليسا، وعرب يسألون الكلمة الواردة الغازية المتلبسة باللفظ العربي عن أصلها وفصلها ليحاوروا الناس بأمانة.

نأخد بعض التعريفات الأكاديمية للكلمتين الأوربيتين من مصادرها: “راسينالتي”: صفة ما هو “راسينل”. و”الراسينل” هو ما يعتمد على العقل لا على العفوية والعشوائية. “الراسينل” ما هو مطابق لمقتضى العقل والحكمة العملية.

فالعقلانية بهذا المعنى العملي المعتمد على العقل والحكمة لا على العفوية والعشوائية مطلب كل عاقل، وعماد كل تصرف يصنفك مع العقلاء لا مع المخبولين.

فإذا استخدمنا العقلانية بهذا المعنى في مجالها العملي، وهو دوائر معاش الإنسان على الأرض، ودوائر كسبه الرزق، وإدارته الاقتصاد، واختراعه الآلات، وقياسه المسافات، وصنعه من الأرفاق ما يجعل الحياة رخاء، فنحن وغيرنا عقلانيون بنفس المعنى. وإذا صرفنا الذكاء العقلاني- بمعنى الحكمة العملية- في فنون العلوم النظرية والتطبيقية الكهرمغناطيسية، والديناميكيات الحرارية والفضائية، والمعلوميات، والسبرنيقيات، والفلكيات، وما إلى ذلك من عجائب التركيبات العقلانية، فنحن وغيرنا أفراس رهان: كنا والحمد لله، وسنصير إن شاء الله …

العقلانية العاتية، الراسينالزم، يعرفها أصحابها في مصادرهم كما يلي:

– “هي مذهب فلسفي يقول: ليس هناك من شيء لا يدركه العقل”.

– “هي مذهبية فلسفية تقول: لا ثقة بمعرفة لا تنبثق عن مسبقات عقلية عالمية ضرورية”.

– “هي مذهبية تعطي للعقل الشفوف على كل شيء”.

– “هي مذهبية ترفض كل تفسير غيبي للكون”.

أتينا على بعض تعريفات العقلانية/الراسيناليزم لنعرف مواطن التدليس في خطاب من يتهمنا بمعاداة العقلانية ، ثم لا يسمحون ولا ينتظرون أن يعرف الناس عن أي شيء نتحدث ويتحدثون. ذلك أن اللغة العربية الصافية في الخطاب القرآني، الحية بحياة القرآن ومفاهيم القرآن: سكنتها شياطين اللغة الأجنبية المبتورة أصلا، الباترة القاطعة وظيفة.

العقلانية التي نرفضها هي التي تفصح عن خبثها وغبائها وتخلفها عندما ترفض كل مصدر للمعرفة غير العقل العالمي الضروري المزود بمسبقاته الفلسفية كما رسمها “كانت” والفلاسفة من قبله. الخبيثة الغبية هي المذهبية التي ترفض الوحي وتكفر بالغيب الذي لا يدركه العقل. لو لم تكن أميرة الأغبياء لعلمت أن العقل لا يدرك إلا ما أوصلته إليه حواسه، وأن امتداد الحواس بالمكرسكوبات والتلسكوبات والراديوات ووسائل البث والاستقبال تكشف للحواس العضوية، وتوصل وتنقل اليوم ما كان بالأمس غيبا في عوالم الذرة، وعوالم الفضاء، وعوالم جسم الإنسان.

لا تميز العقلانية الفلسفية بين الشك المنهجي في وجود الله عز جل، وفي الدار الآخرة، وبين الشك العلمي، شك المكتشف الذي يباشر الأشياء ويجرب ويشك في نتائج التجربة ويتحقق ويراجع.

فكل مكتسبات العقلانية التنظيمية الإدارية التكنولوجية التي طورتها الإنسانية يُذكر عليها اسم الله وتُستصلح. بدون تردد ولا تعقد ولا تخوف من التعلم في مدرسة الحكمة البشرية.