لا مناص من الجلوس يوما على مائدة الحكمة لننظر وإياكم في التعددية ومزاياها، وفي الديمقراطية وخفاياها. مارستُم زمنا مع المستبد سياسة إقصائنا، فنحن نغض الطرف. تعددية مارستموها فيما بينكم همشتنـا زمنا، وارتحتم لسياسة النعامة. وثِقْتم زمنا بخيال خادع صور لكم أنفسكم القـوة المستقبلية حاملة المفتاح السحري، ونحن لا نبخس الناس أشياءهم ولا نَلْوِي أعناقنا إلى الماضي.

ولِنَعْمَلَ على المكشوف والوضوح، نجعل بيننا وبين التعددية ميثاقا. يفرض الميثاقَ ضرورةُ الحال، لا نستغني عنه ولو تسلمنا مقاليد الحكـم على النموذج الإيراني. وإنَّ البديل لتعددية مقبولة مسؤولة هو أن نتحول جلادين. والبديلُ لميثاق يُعْرَضُ على الأمة ويناقش طويلا هو البقاء في الغموض والإبهام والنـزاع في الظلام.

إي نعم! من الديمقراطية يمكن أن نتعلم تنظيم الخلاف وصبه في تعددية حزبية مسؤولة متعاقبة على الحكم،تعددية مراقِبٍ بعضُها لبعض،معارضةٍ،معبِّئَةٍ للجهود.كان أمير المومنين عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي. ومَنْ يُهدي إليك عيوبَكَ أحسنَ من منافس دائم لا شأن له إلا نقدُك بالحق وبالباطل. يرجع إليه نقده الباطل في جوِّ حرية التعبير إن هو جازف. تعدديةٌ معبِّئة للجهود في قنوات منتظمة محكومة بدَلَ الفوضى والعنف. هذه حكمة لو لم تخترعها الديمقراطية لَلَزم أن يخترعها المسلمون استفادة من ماضي الخلاف والعنف، ولنا منه الحظ الوافر.

فليكن التعايش السياسي الاقتصادي بواسطة أحزاب تعددية، تتعاقب على الحكم، وتتراضى على الحلول المثلى، وتؤطر الشعب، وتنوِّر له الطريق.

وليكن الاندماج السياسي المدني قبولا للرأي الآخر، واحتراما للآخر.

هذه مما يلتقي فيه المطلب الشوري مع شِقٍّ من المطلب الديمقراطي. كراهية البغي، ومقاومة الظلم والظالمين، وتحرير الناس من العبودية للناس والخنوع، تقتضي أن تكون القاعدة الحية للشعب حية أبِيّةً حُرّةً، لا رعية تابعة للحاكم، ساكتة، تنتظر ببلادة ما يقترحه ” العبقري ” على هرم السلطة، وما يأمر، وما يختار، وما به يجود.