جهاز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل الذي أنشأته جامعة الدول العربية هو الجهاز العربي الوحيد الذي عمل بكفاءة وفاعلية منذ بدايته في عام 1951م، وحتى بدأت عملية السلام على المسار الفلسطيني في بداية التسعينيات، حيث نجح هذا الجهاز في بلورة أحكام المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل على أسس علمية مدروسة، وتمكن من أن يلحق ضررًا ملموسًا ومتراكمًا بالاقتصاد الإسرائيلي، وفي ظل عودة الانتفاضة إلى الأراضي الفلسطينية، وتصاعد لهجة العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين العزل، ارتفعت أصوات عربية تنادي بتفعيل المقاطعة العربية لإسرائيل، والتي أصابها الفتور فى ظل مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية، والسؤال المطروح هنا: هل المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل ما زالت سلاحًا فعَّالاً بيد الدول العربية؟ وبمعنى آخر: هل اتخاذ قرار تشديد المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل من جانب القمة العربية التي ستعقد في القاهرة في 21 أكتوبر 2000م سيكون قراراً مؤثرًا في حالة اتخاذه؟! هذا ما تحاول هذه السطور أن تجيب عنه.

المقاطعة العربية لإسرائيل: الفكرة

والمضمونتعتبر المقاطعة بأشكالها المختلفة – بما فيها المقاطعة الاقتصادية – إحدى وسائل الدفاع عن النفس بين الدول ضد المعتدين على أراضيها أو سياساتها أو مواطنيها، كما تعتبر وسيلة من وسائل الضغط الجماعي التي تستخدمها مجموعة من الدول؛ لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتعتبر المقاطعة العربية لإسرائيل التي بدأ العمل بها منذ عام 1945م عملاً دفاعيًّا مشروعًا أقرته جامعة الدول العربية كإحدى الوسائل التي يستخدمها العرب ضد الاعتداءات الواقعة عليهم من إسرائيل، كما تجسِّد المقاطعة العربية لإسرائيل دفاعًا عن الوجود العربي أمام استمرار إسرائيل في احتلال الأراضي العربية والاعتداء على الشعوب العربية وتهديد الأمن القومي العربي.

وتعود فكرة المقاطعة العربية لإسرائيل تاريخيًّا إلى عام 1922م وذلك حينما قاطع أبناء فلسطين السلع الإسرائيلية، وكان ذلك ردًّا على مقاطعة اليهود للسلع العربية، وقد بدأ تاريخ المقاطعة العربية لإسرائيل رسميًّا عام 1945م عندما اتخذت جامعة الدول العربية قرارات وتوصيات بضرورة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل.

ومن تتبع التاريخ تبين أن المقاطعة العربية لإسرائيل مرت بعدة تطورات، حيث تم تشكيل لجنة دائمة للمقاطعة بدلاً من اللجنة المؤقتة؛ لمتابعة تنفيذ قرارات المقاطعة، ثم تطورت بعد ذلك، حيث تم نقل عملية المقاطعة من مجرد مقاطعة سلبية إلى مقاطعة إيجابية، بمعني أن تقوم الدول العربية بإنشاء صناعات ذات أسس اقتصادية؛ لتحل محل السلع الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية أو في الدول العربية الأخرى؛ ليتمكن الفلسطينيون من الاعتماد على السلع العربية، والاستغناء عن السلع الإسرائيلية المثيلة، وانتقلت المقاطعة العربية لإسرائيل من الالتزام الحكومي العربي فقط إلى الالتزام الشعبي، وتم إنشاء مكاتب للمقاطعة فى كل دولة عربية؛ لتعمل تحت إشراف مكتب رئيسي مقره فى دمشق.

ويقوم المكتب الرئيسي بتنسيق العمل بينه وبين المكاتب الإقليمية، والإشراف على أجهزة المقاطعة، والتوصية بالإجراءات الواجب اتخاذها لتشديد هذه المقاطعة، ومطالبة السلطات العربية فى الدول المختلفة بتنفيذ الإجراءات المطلوبة منها في هذا المجال.

وتتم المقاطعة في عدة مجالات منها: الاستيراد والتصدير، والمناطق الجمركية الحرة، ومراقبة الأسواق المالية والمصارف، وتعاملات التجار، ومكافحة التهريب ومراقبة الحدود، ومعاقبة الشركات الأجنبية التي تعاون إسرائيل خاصة شركات الطيران والملاحة والإنتاج السينمائي.

آثار المقاطعة العربية على إسرائيللا يمكن الجزم بأن المقاطعة العربية لإسرائيل قد حققت كل أهدافها؛ وذلك لأنها لم تطبق بدرجة 100%، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار الآثار والخسائر الاقتصادية التى تكبدتها إسرائيل؛ بسبب المقاطعة العربية لها سواء كانت مقاطعة مباشرة أو غير مباشرة، وتشير بيانات المكتب الرئيسي للمقاطعة العربية فى دمشق إلى أن الخسائر التي تكبدتها إسرائيل بسبب هذه المقاطعة أخذت في التراكم بمرور الوقت، حتى بلغ إجمالي الخسائر 90 مليار دولار منذ بداية المقاطعة وحتى عام 1999م، وذلك رغم اتساع الثقوب في جدار هذه المقاطعة، والجدول التالي يوضِّح تراكم خسائر إسرائيل المباشرة بسبب المقاطعة العربية لها منذ بداية المقاطعة العربية الرسمية في عام 1945م.

خسائر إسرائيل من المقاطعة:

الفترة ….. من 1945  1956 … حتى 1973 … حتى 1983 … حتى 1998 … حتى 1999

الخسائر بالمليون دولار: 50 ………. 300 ……… 45000 …… 87000 ……. 90000

وتؤكد تطورات الأرقام في الجدول السابق على ضرورة عدم التقليل من فاعلية المقاطعة العربية لإسرائيل؛ لأنها بلا شك ضيعت على الاقتصاد الإسرائيلي فرص التقدم والازدهار بما يعادل هذه المبالغ.

جهود غربية أمريكية لإجهاض المقاطعةتعرضت وما زالت المقاطعة العربية لإسرائيل لمعارضة وضغوط من الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، فالولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب عمومًا بدأت منذ عدة سنوات في مساندة إسرائيل واتخاذ إجراءات للضغط على الدول العربية؛ لإلغاء هذه المقاطعة بحجة تهيئة الأجواء لمفاوضات السلام العربية  الإسرائيلية وبناء جسور الثقة بين الطرفين، وعلى جانب آخر سعت هذه الدول إلى إضفاء الطابع العنصري على المقاطعة العربية لإسرائيل، والقول بأن المقاطعة ضد الشرعية الدولية وقوانين حرية التجارة العالمية، بل إن دولاً أوروبية (فرنسا) قامت بإصدار قانون في عام 1997م يرفض مبدأ المقاطعة، وبدأت هذه الدول في استخدام منظمات دولية لتفكيك عرى المقاطعة العربية لإسرائيل، ولعل أحدث مثال لذلك هو ما بدأته الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية “ليكرا” في مايو 2000م من حملة ضارية ضد المقاطعة العربية للشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل وساعدتها في ذلك غرفة الصناعة والتجارة في فرنسا؛ وذلك بهدف إرساء قاعدة قانونية واستصدار حكم قضائي من المحاكم الفرنسية يكون سندًا ومرجعًا لإرغام الشركات الفرنسية على عدم الانصياع لإجراءات المقاطعة العربية لإسرائيل، حيث قامت هذه الرابطة بمقاضاة شركة “المييرام” الفرنسية التي أبرمت عقدًا مع إحدى شركات دبي لتزويدها بشحنة من الأدوات المنزلية، وقامت شركة دبي بالاشتراط عليها أن تصدر شهادة تؤكد أن هذه المنتجات فرنسية، ولا تحتوى على أي مكون إسرائيلي، وهذا المثال وغيره يؤكد أن الدول الغربية تسعى جاهدة إلى إجهاض المقاطعة العربية لإسرائيل.

المقاطعة العربية رهينة المحبسينأصبحت المقاطعة العربية لإسرائيل رغم مشروعيتها وفاعليتها “رهينة المحبسين”: المحبس الأول: هو محبس من صنع الظروف الدولية الراهنة التي أدت إلى اتساع الثقوب في جدار المقاطعة العربية لإسرائيل والتي أثرت على فاعليتها، أما المحبس الأخير فهو من صنع العرب أنفسهم والذي جاء نتاج أنماط التنمية العربية والتوجهات الاقتصادية الخارجية للدول العربية خاصة نحو إسرائيل وأمريكا، ومن ثَم يثار هنا سؤال ألا وهو: هل تنجح المقاطعة العربية لإسرائيل في ظل الظروف الدولية الراهنة، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية العربية الراهنة، وتشابك الاقتصاديات العربية مع الاقتصاد العالمي؟ ويمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال التعرف على حقيقة تلك الظروف.

أولاً: الظروف الدولية التي تؤثر على المقاطعة العربية لإسرائيل:

وتتمثل أهم هذه الظروف فيما يلي:

– انتشار النمط الدولي الجديد للإنتاج الذي يقوم على مفهوم “تدويل الإنتاج” الذي يصعب معه تحديد منشأ السلعة بدقة حيث أصبحت أكثر من دولة تشترك في إنتاج نفس السلعة، ومن ثَم يكون هناك صعوبة في متابعة منشأ السلع الإسرائيلية والجزم بها أو تحديد المكون الإسرائيلي أو الأمريكي بها، وإن كان ذلك ليس مستحيلاً، ولكن يجب إدراك أن مقاطعة سلعة إسرائيلية أو أمريكية أو سلعة بها مكون إسرائيلي سوف تشمل مقاطعة دول أخرى مشاركة معها في الإنتاج بما فيها دول عربية تشارك إسرائيل في إنتاج بعض السلع مثل مصر والأردن؛ لوجود استثمارات إسرائيلية بتلك الدول العربية، أي أن تدويل الإنتاج أدى إلى توسيع دائرة المقاطعة وإلقاء مزيد من الجهد والأعباء على الأجهزة العربية للمقاطعة.

– تزايد الضغوط الدولية ضد المقاطعة العربية لإسرائيل وخاصة من الدول الكبرى التي دخلت بدرجة أكبر في دائرة المقاطعة العربية لإسرائيل، وأصبحت أكثر عرضة للخسائر بسبب هذه المقاطعة في ظل تدويل الإنتاج.

– تزايد عدد الشركات الدولية النشاط التي تعمل بإسرائيل أو لها فروع وتوكيلات بها، خاصة في مجال التكنولوجيا، وتزايد نفوذ هذه الشركات وتأثيرها على مؤسسات صناعة القرار السياسي في العالم، وهو ما يعني تزايد المصالح للدول الغربية في إسرائيل مقارنة بما كانت عليه في بداية تطبيق المقاطعة، ولذلك من المتوقع أن يكون هناك أصوات عالية من الدول الغربية التي لها مصالح في إسرائيل تعارض قرار تنشيط المقاطعة العربية في حالة اتخاذه من جانب القمة العربية.

وهذه العوامل بلا شك تضعف قوة وفاعلية المقاطعة العربية لإسرائيل، وإن كان من الممكن التعامل معها من منطلق أنها توسع ساحة عمل المقاطعة وتجعلها أكثر حسمًا في حالة تطبيقها بحزم ودون تردد أو استثناء، وجعلها قضية أمن قومي للعرب.

ثانيًا: الأوضاع الاقتصادية العربية التي تؤثر على مقاطعة إسرائيل:

تتمثل هذه الأوضاع في الآتي:

– زيادة الانفتاح الاقتصادي للدول العربية على العالم، وتزايد درجة اندماجها في الاقتصاد العالمي، وهو ما يعني أن تأثر المصالح العربية بتنشيط المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل وللشركات التي تتعامل معها سيكون أكثر اتساعًا، مما كانت عليه في الماضي سواء كانت هذه المصالح متعلقة بالتجارة مع دول العالم

– وبالتحديد مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمثل الصادرات العربية إليها نسبة 11% من الصادرات العربية الإجمالية بينما تمثل إجمالي الواردات العربية منها 12% من الإجمالي – أم كانت تلك المصالح في مجال الاستثمارات الأجنبية في الدول العربية، وبالتحديد الاستثمارات الأمريكية في الدول العربية، حيث تعتبر الولايات المتحدة هي المستثمر الأجنبي الأول في الدول العربية.

– أنماط التنمية في العالم العربي التي خلقت وعمقت التبعية الاقتصادية للخارج، وجعلت الاقتصاديات العربية أكثر عرضة للتأثر بالتغيرات الدولية الخارجية وخاصة في مجال الغذاء، حيث تبلغ فاتورة الغذاء العربي 20 مليار دولار ممثلة 62.6% من الواردات العربية، وهو ما يعكس ضعف نسب الاكتفاء الذاتي العربي من السلع الأساسية، وهو ما يعني إمكانية استخدام هذا الضعف كسلاح ضد الدول العربية في حالة تشديد المقاطعة وتأثر الدول الغربية بها.

– تزايد حالة التفكك العربي وضعف التنسيق في مجال المقاطعة، وتراجع العديد من الدول العربية عن تطبيق تعليمات المقاطعة تحت تأثير الضغوط الغربية عمومًا والأمريكية خصوصًا.

ولا شك أن هذه الظروف العربية تَغُلّ يد المقاطعة العربية، وتجعلها تتحرك بتحسب خوفًا من ردود الأفعال العالمية، ومن تعطل بعض المصالح للدول العربية نفسها، ولكن يمكن القول: إن هذه الظروف الدولية والعربية رغم تأثيرها على المقاطعة العربية لإسرائيل فإنها لا تفقد هذا السلاح العربي فاعليته، ولا تجعله عديم التأثير على الاقتصاد الإسرائيلي وفرص الازدهار الاقتصادي والحربي الإسرائيلي، وفي أسوأ الظروف فإنها تضع على كاهل الدول العربية مزيدًا من الجهد والأعباء لاستخدام هذا السلاح مقارنة بالماضي، ويبقى سلاح المقاطعة العربية لإسرائيل سلاح فعَّال ومهم، وتأتي أهميته من أنه يقع في المنتصف بين خيارين: الحرب أو السلام، فليس هناك إجماع عربي على خيار إعلان الحرب على إسرائيل، وليس هناك اقتناع إسرائيلي وتوجه حقيقي نحو السلام، ومن ثَم يبقي خيار المقاطعة العربية لإسرائيل البديل المطروح والذي سيلقى إجماعًا عربيًّا، وسيكون له نتائج ملموسة بشرط أن تأخذ الدول العربية جميعًا بمبادئ مقاطعة مشددة على إسرائيل، وتعيد النظر في توجهاتها الاقتصادية تجاه إسرائيل وأمريكا على وجه الخصوص.