على الرغم من مضي أكثر من ثماني سنوات على انعقاد مؤتمر مدريد للتسوية في الشرق الأوسط، فإن التسوية السلمية لم تصل إلى نهايتها حتى الآن، وفي حين أن العرب لم يحصدوا من هذه العملية إلا القليل من المكاسب والمزيد من المشكلات والأزمات، فإن إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية حققت نتائج كبيرة من تلك التي كانت تريدها من هذه العملية، ولا سيما على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فقد بات واضحًا بعد مرور ما يقارب العقد من الزمان أن الهدف من كل الجهود التي بذلت لا سيما في المجال الاقتصادي تمثِّل في دمج الاقتصاد الإسرائيلي في الاقتصاد العالمي، ومن ثَمَّ تحويل إسرائيل إلى مركز تحكم لاقتصاد العولمة في الشرق الأوسط، من خلال إقامة علاقات ثنائية مع كل دولة، ومنع أي تقارب أو تكتل عربي على هذا الصعيد.

وانطلاقًا من هذه الحقيقة فإن البعد الاقتصادي احتل الجانب الأبرز في عملية التسوية سواء عبر المفاوضات متعددة الأطراف للتعاون الاقتصادي الإقليمي، أم عبر المؤتمرات الاقتصادية الأربعة التي عقدت في كل من الدار البيضاء وعمان والقاهرة والدوحة، وذلك لتحقيق هدفين إستراتيجيين الأول: إنهاء جميع أشكال المقاطعة الاقتصادية العربية والإسلامية لإسرائيل، والثاني: عولمة الاقتصاد الإسرائيلي ودمجه في الاقتصاد العالمي، ومن ثَمَّ تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل وصولاً إلى دمج الاقتصاد الإسرائيلي وجعله ملتحمًا في المفاصل الرئيسة لاقتصاديات المنطقة؛ ليسهل عليه إدارة الاستثمارات الأجنبية في أرجاء المنطقة.

ضغوط أمريكية لإنهاء المقاطعة

فعلى صعيد الهدف الأول نجحت إسرائيل بضغوط كبيرة مارستها الولايات المتحدة في تفكيك المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل والشركات والمؤسسات التي تتعامل معها، ومما يدلل على هذا النجاح أن آخر اجتماع لمكتب المقاطعة العربية عقد في نيسان (أبريل) عام 1993م، وقد قامت بعض الدول بتصفية مكاتب المقاطعة لديها تصفية تامة، ومع ذلك فقد تولى الاجتماع الوزاري لجامعة الدول العربية نصف السنوي مناقشة بعض قضايا المقاطعة في بعض الأحيان.

وقد أكد التقرير السنوي لمكتب التجارة الأمريكي الذي صدر في 31 آذار (مارس) 2000 نجاح الولايات المتحدة في تفكيك المقاطعة، ومما جاء فيه: أنه بشأن الحواجز التجارية فإن مصر لم تطبق أي وجه من أوجه المقاطعة الرسمية منذ عام 1980م، تطبيقًا لمعاهدة السلام مع إسرائيل التي وُقِّعَت عام 1979م، وأنهى الأردن رسميًّا التزامه بجميع أوجه المقاطعة، وأصبح ذلك ساري المفعول منذ 16 آب (أغسطس) 1998م، وذلك لدى تطبيق التشريع الخاص بتنفيذ معاهدته للسلام مع إسرائيل. ووافقت السلطة الفلسطينية على عدم تطبيق المقاطعة في كتاب وُجّه في عام 1998م إلى ميكي كانتور، الممثل التجاري للولايات المتحدة حينئذ، كما أعلنت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (البحرين، الكويت، عُمان، قطر، السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة) في أيلول (سبتمبر) 1994م عدم التزامها بالمقاطعة من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة (وهو قرار كانت قد أعلنته الكويت من قبل).

وقال تقرير مكتب التجارة الأمريكي: إنه في عام 1996م، أنهت كل من عُمان وقطر تطبيق المقاطعة، وأسست ترتيبات تجارية متبادلة مع إسرائيل. وتشمل الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية التي توقفت عن تنفيذ المقاطعة: موريتانيا والمغرب وتونس (التي اعترفت بإسرائيل من خلال إقامة علاقات دبلوماسية محدودة) واليمن التي تخلت رسميًّا عن تطبيق المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة في عام 1995م، والجزائر التي ما زالت تلتزم بالمقاطعة من حيث المبدأ، لا من خلال الممارسة. وفي لبنان، يتم تنفيذ المقاطعة الأساسية بصورة عامة، ولكن المسؤولين اللبنانيين ينفذون المقاطعة من الدرجة الثانية والثالثة بطريقة انتقائية.

94 مليار دولار خسائر إسرائيل من المقاطعة

ويكمن النجاح الإسرائيلي الأمريكي في تفكيك المقاطعة في اتجاهين رئيسين الأول: إنهاء الآثار الاقتصادية لهذه المقاطعة على الاقتصاد الإسرائيلي والتي تصنف كخسائر سنوية قدرت على مدار 45 عامًا بنحو 53 مليار دولار. والثاني: إزالة أكبر عقبة من أمام الشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في إسرائيل، والتي قدرت خسائر إسرائيل منها نحو 41 مليار دولار الأمر الذي يرفع قيمة الخسائر جراء المقاطعة إلى نحو 94 مليار دولار أي بمعدل ملياري دولار سنويًّا. وقد عوضت الولايات المتحدة إسرائيل عن هذه الخسائر من خلال المساعدات السنوية التي كانت تمنحها لها والتي بلغت في الفترة من عام 1951م إلى عام 1998م ما مجموعه 75 مليار دولار، وما زالت الولايات المتحدة توفر حاليًا 600 دولار سنويًّا لكل فرد في إسرائيل.

أما على صعيد الهدف الإستراتيجي الثاني وهو دمج الاقتصاد الإسرائيلي في الاقتصاد العالمي فقد وفرت عملية التسوية السلمية الظروف المناسبة لذلك، وهو ما أكدته دراسة اقتصادية نشرتها مجلة “الوسط” اللندنية شهر مايو2000 ، والتي جاء فيها: إن الهدف الحقيقي كان ما دعته الصحافة الأمريكية «إعادة تأهيل إسرائيل عالميًّا»، وهو هدف يتطلب تحقيق أمرين، الأول: إنهاء المقاطعة العربية لإسرائيل، والثاني إشاعة جو يطمئن الشركات العالمية إلى أن السلام في الشرق الأوسط أصبح حقيقة لا رجوع عنها حتى تقبل على الاستثمار في إسرائيل. وهو ما تحقق بداية من خلال العلاقات الدبلوماسية التي أقامتها إسرائيل خلال العقد الماضي وبالتحديد منذ مؤتمر مدريد، إذ أقامت علاقات ديبلوماسية مع 62 دولة ليرتفع عدد الدول التي تقيم علاقات معها إلى 153 دولة (طبعًا من بين هذه الدول روسيا والصين والهند وإندونيسيا التي تضم ما يقارب نصف عدد سكان المعمورة تقريبًا).

أما على صعيد الدول العربية فأصبحت الصادرات الإسرائيلية تصل إلى غالبيتها بصورة مباشرة أو عن طريق وسطاء، وفي آخر البيانات الإسرائيلية فإن قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الدول العربية بلغت خلال الربع الأول من العام الجاري 2000م نحو 29 مليون دولار. وتقول صحيفة “هآرتس” العبرية: إن هذه المعطيات تتعلق بالتبادل التجاري مع الأردن ولبنان والسعودية واليمن والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان والمغرب وتونس. أما حجم الاستثمارات الإسرائيلية في الدول العربية فبلغ حتى الآن 100 مليون دولار في الأردن ومصر وبعض دول الخليج. وقالت مجلة “الأعمال”: إن عدد السلع الإسرائيلية التي تدخل مصر وصلت إلى 2000 سلعة.

تدفق الأموال على إسرائيل بعد السلام

ولكن أجواء عملية التسوية لم تزد فقط من قوة الاقتصاد الإسرائيلي، بل ومن قوة الدولة العبرية في جميع المجالات، إذ على صعيد عدد السكان تشير آخر الإحصاءات إلى تجاوز عدد سكان إسرائيل حاجز الـ 6 ملايين نسمة، وقد احتفل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك أخيرًا بوصول المهاجر رقم 6 مليون من الاتحاد السوفييتي منذ عام 1990م، وأعرب عن رغبته في رؤية مليون مهاجر جديد يدخلون إلى إسرائيل. أما على صعيد القوة العسكرية فقد أصبحت إسرائيل أقوى دول المنطقة وأحدثها تسلحًا.

وعلى الصعيد الاقتصادي فيمكن تسجيل النجاحات التي حققها الاقتصاد الإسرائيلي خلال العقد الماضي على الرغم من التقارير التي تنشر بين فترة وأخرى وتتحدث عن بعض جوانب الخلل والضعف، وهذه النجاحات تتمثل في:

– تدفق هائل للاستثمارات الخارجية: لم تكن قيمة الاستثمارات الأجنبية السنوية في إسرائيل تتجاوز حاجز 400 مليون دولار عام 1991م أي قبل مؤتمر مدريد، ومنذ ذلك الوقت بدأت هذه الاستثمارات بالارتفاع بمعدل ملياري دولار سنويًّا، ففي عام 1996م بلغت حوالي 2.9 مليار دولار، وفي عام 1997م بلغت قيمتها نحو 3.6 مليار دولار – هذه القيمة تعادل أربع أضعاف قيمة الاستثمارات التي تدفقت على مصر – الأمر الذي ساعد على تحقيق فائض يقدر بـ 3.4 مليار دولار في ميزان المدفوعات عام 1998م بعد عجز دام بضع سنوات، وجعل احتياط “بنك إسرائيل” يتخطى 20 مليار دولار بعدما كان 8 مليارات عام 1995م.

وفي سنة 1999م وتحديدًا بعد فوز إيهود باراك دخل إسرائيل نحو 8.3 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية معظمها في الأشهر الخمسة الأخيرة من عام 1999م – مقابل 700 مليون دولار فقط دخلت مصر عام 1999م بكامله -، وفي الشهرين الأولين من سنة 2000م بدا واضحًا التوجه لحدوث طفرة في هذا المجال إذ دخل إسرائيل 1.5 مليار دولار، وإذا ما استمرت هذه الوتيرة في تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى نهاية العام الجاري فسيصل المبلغ إلى 9 مليارات دولار.

واستنادًا إلى آخر الإحصاءات الصادرة عن بنك إسرائيل فإن قيمة الأموال المتدفقة من الخارج والتي دخلت إسرائيل بشكل رسمي من سنة 1990م إلى سنة 1999م بلغت 75 مليار دولار، وشهدت ارتفاعًا مطردًا من سنة لأخرى، باستثناء بعض سنوات حكم إسحاق شامير (1991م)، وبنيامين نتنياهو (1997 – 1998) التي شهدت بعض الجمود. وقال المصرف المركزي الإسرائيلي: إنه في سنة 1990م وهي سنة حرب الخليج وإطلاق صواريخ على إسرائيل كان دخل إسرائيل 5.6 مليار دولار، وفي سنة 1996م بعد مقتل إسحاق رابين وتسلم شمعون بيريز الحكم لمدة سبعة أشهر بلغ دخلها من الخارج 9.3 مليار دولار. وخلال فترة نتنياهو هبط هذا الدخل إلى 8.2 و8.3 مليار دولار (عامي 1997م و 1998م).

– ارتفاع حجم الناتج الإجمالي الإسرائيلي ليصل إلى 111 مليار دولار. وهو أعلى من الناتج المحلي لإندونيسيا التي يبلغ عدد سكانها 130 مليون نسمة، وأعلى أيضًا من الناتج الإجمالي المصري (66 مليون نسمة) الذي لا يتجاوز 80 مليار دولار.

– ارتفاع مستوى التعاون الاقتصادي بين إسرائيل والولايات المتحدة التي تأتي في المرتبة الثانية على الصعيد العالمي بعد المجموعة الأوروبية إذ يشكل التبادل التجاري نحو 23% من حجم التجارة الإسرائيلية مع العالم الخارجي، بل إن هناك عجزًا في الميزان التجاري بين الجانبين لصالح إسرائيل قُدر عام 1999م بنحو 2.2 مليار دولار، على أساس إحصائيات وزارة التجارة الأمريكية، وهو ما يمثل زيادة عن عجز عام 1998م الذي بلغ 1.7 مليار دولار. وبلغت قيمة مجموع صادرات السلع الأمريكية لإسرائيل 7.7 مليار دولار، بزيادة 10.3% عن مستويات عام 1998م. وكانت قيمة مستوردات الولايات المتحدة من إسرائيل 9.9 مليار دولار، بزيادة قدرها 14.4% عن عام 1998م. وكانت قيمة استثمارات الولايات المتحدة المباشرة الأجنبية في إسرائيل عام 1998م ما مجموعه 3.1 مليار دولار، بزيادة قدرها 51.2% عن مستويات عام 1997م. وتتركز استثمارات الولايات المتحدة المباشرة في إسرائيل في القطاع الصناعي، رغم أن الاستثمار في الخدمات المالية آخذ في الازدياد، وأكثر من نصف جميع الاستثمارات الأمريكية المباشرة الأجنبية هو في الصناعة المتصلة بالإلكترونيات.

– تطورات الموازنة خلال السنوات الخمس الأخيرة على الشكل التالي: من 49 مليار دولار عام 1995م، إلى 55.8 مليار دولار عام 1996م، وإلى 95 مليار دولار عام 1998م، وإلى نحو 53 مليار عام 1999م.

– زيادة حجم التبادل التجاري مع مختلف دول العالم الأخرى إذ يصل إلى 44% من التبادل التجاري مع بلدان الاتحاد الأوروبي، و23% مع الولايات المتحدة وبعد سنة واحدة على اتفاق أوسلو زادت الصادرات الإسرائيلية للبلدان الآسيوية بمقدار 33%، وأصبحت تعادل حوالي 13% من مجمل الصادرات الإسرائيلية.

– ارتفاع دخل إسرائيل من السياحة إذ وصل إلى 3 مليارات دولار سنويًّا وبمجموع نحو أكثر من مليوني سائح. وكذلك ارتفاع الودائع المصرفية فقد وصلت قيمتها إلى 133 مليار دولار.

ومما سبق نجد أن الاقتصاد الإسرائيلي حقق نجاحات كبيرة في ظل عملية التسوية – المتعثرة فلسطينيًّا وسوريُّا ولبنانيًّا  التي ساهمت ليس في تأهيل الاقتصاد الإسرائيلي لدمجه في الاقتصاد العالمي وزيادة منافسته حتى لبضائع وصناعات الدول الصناعية فحسب، بل لتوفير الدعم اللازم لإدامة التفوق العسكري الإسرائيلي على دول المنطقة وفرض الهيمنة عليها واستمرار تحقيق مستوى عالٍ من الدخل لجذب المزيد من المهاجرين؛ ولذلك نرى المشروع الصهيوني يستمر في تحقيق أهدافه، في حين أن المنطقة العربية تسير باتجاه المزيد من الضعف والتشرذم والفقر والبطالة وربما الحروب الأهلية.