من مفارقات الزمن المغاربي – والزمن العربي كله مفارقات – ومن المتناقضات المؤسفة حقاً أن القلاع المغاربية التي أفرزت في يوم من الأيام الأمير عبد القادر الجزائري وعمر المختار وخير الدين الثعالبي وعبد الكريم الخطابي وغيرهم من رموز المقومات الحضارية والنهضوية في المغرب العربي بدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى أمام المد التطبيعي مع الدولة العبرية، وبدل أن تلوذ الدول المغاربية باتجاه بناء الاتحاد المغاربي المصاب بحمى مزمنة منذ ظهوره على المشهد السياسي المغاربي أو بناء جسور قوية مع المشرق العربي فإنها راحت مهرولة ومسرعة باتجاه الدولة العبرية على أمل قطف الغنائم في غير موسم الغنائم.

وحسب الدول المغاربية فإنها لا يجب أن تتأخر عن ركب المطبعين الرسميين في المشرق العربي على قاعدة «خير البر عاجله» وعلى قاعدة أن مثل هذا التأخر قد ينعكس سلباً سياسياً واقتصادياً على الدول المغاربية، والغريب في الأمر أن الدول المغاربية تخلت تقريباً بالكامل عن التزاماتها القومية وراحت تذعن لشروط التطبيع قبل أن تأخذ اللعبة السلمية مداها وقبل اتضاح الأفق والرؤية المستقبلية، وهي اليوم تتحرك من منطلق أنه لا علاقة لها البتة بالقضية الفلسطينية ولا بمظلومية المستضعفين من الناس في جنوب لبنان أو الجولان المحتل.

وقد هرولت هذه الدول باتجاه التطبيع دون العودة إلى رأي الشارع المغاربي الذي يتلقى يومياً صدمة قاسية من قبيل الإعلان الموريتاني السابق بتدشين العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية وإعلان المغرب بقرب التطبيع مع الكيان الصهيوني وعودة الحيوية إلى الجسور السرية العبرية – الجزائرية، والعبرية – التونسية والأفظع من كل ذلك أن الوفود الإسرائيلية تذهب وتسوح في البلدان المغاربية والشعوب لا تعلم بذلك لأن الأوامر الصادرة لهؤلاء – أي شخصيات الوفود الإسرائيلية – عدم التكلم بالعبرية والاكتفاء بالحديث باللغة الفرنسية أو اللهجة المغربية لأن العديد منهم من أصل مغاربي.

وكانت جريدة «الخبر» الجزائرية الناطقة باللغة العربية في وقت سابق دشنت التطبيع الإعلامي مع الكيان الصهيوني من خلال الحوار الذي هو الأول من نوعه في صحيفة جزائرية ناطقة باللغة العربية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك والذي رحب في هذا الحوار بمقابلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ودعا إلى تطبيع العلاقات مع الجزائر، والحوار أجري عندما كان إيهود باراك رئيساً للوزراء وقبل وصول شارون إلى سدة رئاسة الحكومة بقليل وفي نفس الوقت دعا وزير الدفاع الجزائري الأسبق خالد نزار من خلال جريدة «لوماتن» الناطقة بالفرنسية هذه المرة الجزائريين إلى الاستعداد النفسي لتدشين العلاقات الجزائرية – الإسرائيلية في حال حدوث التطبيع الكامل بين العرب والدولة العبرية.

ويعتقد العديد من السياسيين في المغرب العربي أن الدولة العبرية تراهن كثيراً على المغرب العربي وذلك لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية وقد لعبت الجاليات اليهودية التي استوطنت في المغرب العربي دوراً كبيراً في تحقيق التقارب بين دولتهم العبرية ودول المغرب العربي، والعديد من اليهود ذوي الأصول المغاربية تولوا مناصب سياسية حساسة في الدولة العبرية وهذا ما يفسر مثلاً طرح المغرب نفسه كوسيط في أوج الصراع العربي الإسرائيلي، كما أن بعض اليهود المغاربة شغلوا مناصب استشارية لدى العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني ومنهم ديفيد بن عمار وأندريه أزولاي الذي ما زال مستشاراً للملك الشاب محمد السادس.

وعلى مدى سنوات الصراع العربي – الإسرائيلي لعب المغرب أدواراً غير معلنة وصفت بأنها من الأهمية بمكان بحيث أن رئيس الوزراء الإسرائيلي المغتال إسحاق رابين وعقب توقيعه على اتفاق غزة – أريحا أولاً في واشنطن توجه إلى الرباط لتقديم شكره الخاص للعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني على المساعي التي بذلها في سبيل تحقيق التقارب الإسرائيلي  الفلسطيني.

صحيح أن الرباط لم تكن تعلن عن كثير من لقاءات السر والكواليس والزيارات التي كان يقوم بها إسرائيليون إلى المغرب والتي كان يصادف أن يجهر بها الملك المغربي الراحل في بعض أحاديثه الصحفية وقد أصبح اليوم للدولة العبرية سفارة كاملة الأركان في المغرب وللإشارة فإن موشي ديان كشف في مذكراته أنه كان ينزل في أفخم قصور الملك الراحل الحسن الثاني وكان يشعر بكثير من الرفاهية وهو في قصور الضيافة في الرباط دون أن يعلم بوجوده فيها غالبية الشعب المغربي وحتى العديد من المسؤولين والرسميين.

وتونس التي استضافت منظمة التحرير الفلسطينية بعد خروجها من بيروت أعلنت هي الأخرى بعد التوقيع على اتفاق غزة – أريحا عن فتح مكتب لها في تل أبيب وكذلك فعلت موريتانيا التي أقامت مهرجاناً في واشنطن أعلنت فيه عن تدشين العلاقات الموريتانية – الإسرائيلية، والجزائر بعثت أكثر من رسالة إلى الدولة العبرية مفادها أن التطبيع على الأبواب وتأجيل التطبيع الجزائري – الإسرائيلي سابقاً كان بسبب تردي الوضع الأمني وكان الرسميون الجزائريون يخافون أن يؤدي التطبيع مع “إسرائيل” إلى مفاقمة الوضع الأمني وتجيير المعارضة هذا التطبيع لصالحها غير أن الحيوية بدأت تدب في العلاقات السرية بين البلدين.

وتراهن “إسرائيل” على المغرب العربي لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية وجيوسياسية، فعلى الصعيد الاقتصادي تبرز الدراسات الإسرائيلية أن الأسواق في المغرب العربي تستهلك المنتوجات الصناعية والزراعية بما يفوق 30 مليار دولار سنوياً وهذه البضائع يصل معظمها من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا، وحسب الدراسات الإسرائيلية فإن الدولة العبرية بإمكانها أن تزود الحزام المغاربي بنفس البضائع التي تأتي من دول المتوسط وبتكاليف أقل مما هي عليه التكاليف الغربية وقد تصل هذه البضائع براً عبر مصر وإلى المغرب العربي في حال حصل التطبيع بكل أبعاده، كما أن الدولة العبرية تتطلع بشغف إلى اليورانيوم الجزائري الموجود بوفرة في منطقة التاسيلي الواقعة جنوب الجزائر.

ودائماً حسب الدراسات الإسرائيلية فإن الاستهلاك في المغرب العربي واسع للغاية وتفترض هذه الدراسات بقاء الاقتصاد الاستهلاكي على المدى القريب والمتوسط وحتى على المدى البعيد.

وعلى الصعيد السياسي فإن الدولة العبرية تطمح في إقامة علاقات سياسية ودبلوماسية طبيعية مع دول المغرب وترى في ذلك استكمالاً لعملية السلام. وعلى الصعيد الأمني فإن أي علاقة بين الدولة العبرية ودول المغرب العربي من شأنها أن تؤدي إلى تنسيق الجهود وتبادل المعلومات حول الحركات الإسلامية التي تعارض في مجملها الصلح مع “إسرائيل”، وتحاول “إسرائيل” جاهدة الحصول على معلومات تتعلق بأعضاء في حركة المقاومة الإسلامية حماس والذين بعضهم من حملة الجنسية المغربية وتحاول “إسرائيل” معرفة ما إذا كان هناك تنسيق بين الحركات الإسلامية في المغرب العربي وتلك الموجودة في فلسطين ولبنان والأردن ومصر.

وعلى الصعيد الجيوبوليتيكي فإن الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية تبين أن التطبيع مع الشمال الأفريقي ضروري لجهة تكريس الدور الإسرائيلي في كل القارة الأفريقية وتظهر بعض التقارير أن الدولة العبرية نجحت إلى أبعد الحدود في ترميم علاقاتها بكل الدول الأفريقية وأنها بدأت تجني ثمار هذا الترميم، والشمال الأفريقي هو بوابة أفريقيا فلا بد من استحكام الدور في كل الاتجاهات كما يرى استراتيجيو الدولة العبرية!

وفي ظل انهيار المصالحة المغاربية – المغاربية والتي تسبب في حالة الغيبوبة القاتلة التي تلف اتحاد المغرب العربي، فإن المصلحة المغاربية – العبرية آخذة في التحقق وفي كل الاتجاهات، وقد يفضي ذلك إلى تحول المغرب العربي إلى المغرب العبري!