مقدمة

رفض العرب الغزو الصهيوني ورفضوا الكيان الصهيوني عند قيامه. رفضوا التعامل معه بأي شكل من الأشكال وفي كافة المجالات على اعتبار انه عدو مغتصب لفلسطين ومعتد آثم على الشعب الفلسطيني والأمة العربية ككل. وان الكيان غير شرعي ويمثل أبشع أنواع العدوان والاستهتار بالإنسانية وبالعرب, ويجب أن يكون رفضه مبدئيا وقاطعا وشاملا.

بالرغم من اللهيب الإعلامي ضد الكيان الصهيوني والمشاعر الملتهبة ضده على مستويات عدة, إلا أن أنظمة عربية كانت تقيم معه علاقات سرية محصورة في أسرة حاكمة وأعوانها. بل إن عائلات عربية أقامت علاقات طيبة مع الحركة الصهيونية وبعض رموزها البارزين مثل ” جولدا مائير”, رئيسة وزراء صهيونية سابقة, وسهلوا لهم عملية شراء الأراضي خاصة في شرقي الأردن. ولم يعد سرا أن أسرا عربية حظيت بدعم استعماري لإقامة إمارة أو مملكة مقابل إقامة علاقات مع الصهاينة والدفاع عنهم وعن كيانهم مستقبلا ضد التحديات العربية.

لم تكن الحكومات العربية إجمالا جادة في طروحاتها التحريرية في مراحل الخمسينات والستينيات حيث ظهر فيما بعد استعداداتها العسكرية لم تكن بمستوى الخطاب الإعلامي. بل إن تلك الحكومات- خاصة المجاورة للكيان الصهيوني- كانت تقف حارسة على الحدود فمنعت تشكيل التنظيمات العسكرية وراقبت الحدود بهدف منع كل من أراد التسلل لغرض القيام بعمل عسكري مقاوم للصهاينة. كان النظام الأردني أمينا في الحراسة وكبح رغبات التحرك نحو بناء يتناسب مع مهمات التحرير, أما النظام المصري فقد تعهد عقب حرب عام 1956 بمنع العمليات الفدائية وأغلق الحدود بصورة كاملة, وكان عدد من زعماء لبنان خاصة كميل شمعون الذي شغل منصب رئيس الجمهورية صديقا غير معلن لإسرائيل ومناهضا للطموحات والآمال العربية في التحرير والعودة. ولم تكن دولة المغرب بعيدة عن علاقات رسمية مع الكيان ولكن من تحت الطاولة.

لم يكن الشارع العربي وعيا للعجز الكبير الذي كان يحيق بالحكومات ولا بالعلاقات الطيبة التي أقامتها أنظمة عربية مع الكيان الصهيوني سرا, ولا بما ينطوي عليه العجز والكذب السياسي من سياسات عربية مستقبلية حيال الصهاينة. جاءت حرب عام 1967 ليرى الجمهور العربي أن ما كانت تقوم به الأنظمة العربية لا يرتقي إطلاقا إلى مستوى الكلام الذي كانت تصف به الكيان الصهيوني وتتوعده. لقد لحقت بالعرب هزيمة نكراء بشعة لا بد أن تؤثر مستقبلا على العلاقات العربية- الصهيونية, وبالتأكيد لصالح المنتصر.

وقد كان التهتك الأخلاقي العربي الرسمي واضحا في قرارات مؤتمر القمة العربي في الخرطوم وفي قبول قرار مجلس الأمن 242. وأعلن القادة العرب في مؤتمرهم ثلاث لاءات وهي ” لا صلح مع الكيان الصهيوني ولا تفاوض معه ولا اعتراف به”, ولكنهم قبلوا قرار مجلس الأمن الذي يدعو إلى التفاوض والاعتراف المتبادل والمحافظة على المنعة الإقليمية لكل دولة في المنطقة واحترام سيادتها وفتح الممرات المائية أمامها.

لقد ناقضوا أنفسهم في غضون أشهر, واستمروا في خطابهم العالمي المتناقض مع الخطاب المحلي المبني على قيم التضليل والاستهانة بعقول الناس وآمالها وتطلعاتها. واخذوا يسعون نحو حل سلمي مع إسرائيل على مستوى النشاط العالمي, واستمروا في الإصرار اللفظي على رفض الكيان الصهيوني ورفض التعامل معه على مختلف الصعد.

على المستوى العرب الجماعي والمتمثل في الجامعة العربية استمر العرب في مقاطعة الكيان الصهيوني, واستمرت لجنة مراقبة المقاطعة في نشاطها الهادف إلى عزل الصهاينة اقتصاديا على المستوى العالمي وإضعافه. وقد حققت هذه اللجنة نجاحا لكنها لم تكن مخولة بأكثر من النطاق الاقتصادي الذي يمنع التجارة مع الكيان ومقاطعة الشركات التي تقوم بالتعامل الاقتصادي مع الصهاينة. لكنه لوحظ أن اللجنة لم تصعد إجراءاتها بحيث تشمل الدول التي تعاملت مع الصهاينة.

لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية بعيدة عن التناقض بين المواقف العلنية والخطوات السرية. لقد أعلنت المنظمة عبر ميثاقها وعبر قرارات المجلس الوطني الفلسطيني رفضها للمقررات الدولية وتمسكها بتحرير فلسطين كاملة, لكنها كانت تسعى في المحافل المختلفة من أجل أن تجد لها مكانا في أية مفاوضات سلمية يمكن أن تتبلور مستقبلا مع إسرائيل. وقد وقف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أمام الجمعية عام 1974 مخاطبا العالم بأنه يحمل غصن زيتون ويرغب في إقامة السلام, واصدر المجلس الوطني الفلسطيني برنامج النقاط العشرة في العام ذاته والذي تضمن تحولا نحو إقامة دولة فلسطينية بدل تحرير فلسطين. لقد انطوى هذا النشاطان على دخول معترك ديبلوماسي وسياسي له مواصفاته المختلفة عن مواصفات معترك المقاومة الهادف إلى التحرير. فمن يخاطب الأمم المتحدة عبر ردهاتها يقبل بالتحرك من خلال مقرراتها, ومن يركز على دولة في أي مكان من فلسطين يتم تحريره لا بد ان يضع في حسابه التفاهم مع دول عدة ومنها الكيان الصهيوني.

انطوى سعى العرب- ومن ضمنهم منظمة التحرير- إلى الوصول إلى حل سلمي مع الكيان الصهيوني على افتراض ضمني, منطقي وحتمي, مفاده أن إقامة علاقات اعتيادية مع الصهاينة أمر لا مفر منه وانه مرتبط مباشرة بالاعتراف المتبادل عندما يتم. وحيث إن سعي العرب عامة ومنظمة التحرير خاصة يركز على قرارات الأمم المتحدة أو على ما يسمونه الشرعية الدولية فانه كان من المتوقع منذ سنوات طويلة ان يتم الاعتراف المتبادل, وان تقبل الأنظمة العربية إسرائيل كأمر واقع معترف به وله الحق في البقاء على الأرض العربية المغتصبة, وعليه لا يمكن إلا إقامة علاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياحية بحيث تصبح الدولة المغتصبة جزءا لا يتجزأ من المنطقة وتعيش فيها دون منغصات عدائية أو حربية أو مجرد رافضة.

أما من جهة الصهاينة, فقد كان واضحا عبر السنوات أن تعريفهم للسلام في المنطقة يعني إنهاء حالات الحرب والعداء وبالتالي الاعتراف المتبادل وإقامة علاقات اعتيادية مع العرب بحيث تصبح إسرائيل جزءا من المنطقة. فقد سيطر على الصهاينة تفكير الحرب من اجل فرض الذات على العرب وإجبارهم على التخلي عن تفكيرهم بإلحاق هزيمة عسكرية بإسرائيل وطردها من المنطقة. أي أن الحرب بالنسبة لهم لم تكن إلا مجرد وسيلة لإقناع العرب بضعفهم وعجزهم وانه لا سبيل لهم لتدمير إسرائيل وإنما فقط للتفاهم معها والاعتراف بها والسير نحو تطبيع العلاقات. لقد وصل العديد من الزعامات العربية إلى القناعة ذاتها لكنه كان المهم أن يصل الشعب العربي إلى القناعة ذاتها من اجل تسهيل مهمة القيادات في القيام بما رغبت في القيام به منذ زمن. إن وصول الشعوب العربية إلى القناعة ذاتها مرتبط حسب الفكر الصهيوني, بتكرار الهزائم بحيث يصبح الفرد العربي عنصرا داعما لزعيمه من اجل القبول بالهزيمة والاستسلام. أي لا بد من دحر العربي إلى زاوية بحيث لا يرى بديلا للاستسلام ومن ثم التطبيع مع إسرائيل.

ساد التبرير القائم على هذه الرؤية الساحة العربية بعد انعقاد مؤتمر مدريد خاصة على الساحة الفلسطينية حيث انطلق المؤيدون للمنحى السلمي لمنظمة التحرير يبشرون بأنه لا توجد بدائل, وأخذوا يواجهون معارضيهم بسؤال ما هو البديل؟

أي أن التطبيع:

أولا: هدف صهيوني, حيث إنه الضمان الأفضل لتجنيب إسرائيل استمرار العداء ولقبولها كدولة عادية من دول المنطقة. ومن الممكن أن تنتصر إسرائيل عسكريا على العرب مرارا, لكن ذلك لا يكفي لضمان أمنها. أما التطبيع فكفيل بتغييب الروح العدائية وبتجنيد الجيوش والمخابرات العربية للدفاع عن أمنها ضد الرافضين والمتمسكين بالتحرير, والطريق إليه هو القوة العسكرية التي تذل الشعب العربي إلى درجة القبول بالاستسلام ومن ثم بالتطبيع.

ثانيا: قامت سياسات اغلب الأنظمة العربة على نوايا القبول بإسرائيل وإقامة سلام معها وذلك من خلال:

1- عدم الاستعداد للمواجهة العسكرية, وإيهام الشارع العربي بقدرة عسكرية تتناسب مع تطلعات العربي نحو التحرير.

2- تلقي الهزائم المتكررة وابتلاعها من خلال تبريرات واهية وغير منطقية ومن خلال قمع العربي بواسطة الأجهزة الأمنية التي أثبتت عداء سافرا لكل ما هو عربي.

ثالثا: فتح القادة العرب وإسرائيل باب العلاقات السياسية علنا وأمام الناس جميعا عام 1991, وبذلك كان رؤساء الدول وقادة الشعوب أول السائرين في التطبيع علنا بعدان كان بعضهم قد سار فيه سرا.

على الرغم من ذلك فإنه من المتوقع أن تبقى مسألة دفع الشعوب نحو التطبيع متأرجحة صعودا وهبوطا وذلك تبعا لعوامل عدة منها مدى الحرية التي يتمتع بها العربي في حشد الطاقات ضد التطبيع, ومدى تجاوب إسرائيل في حفظ بعض ماء لوجه للقيادات والزعماء من خلال طاولة المفاوضات, وعلى تطور الأوضاع السياسية على الساحة العربية عامة, وعلى الساحة الفلسطينية بصورة خاصة.

تعريف التطبيع

تأتي كلمة التطبيع المستعملة حاليا ضمن بعد سياسي- اجتماعي مترجمة عن الكلمة الانجليزية ” نورمليزايشين” والتي- إن توخينا دقة اكبر- تعني الاعتياد. وهي باختصار تعني تحويل السلوك الطارئ سواء كان ذهنيا أو نفسيا أو اجتماعيا إلى عادة بحيث يظهر وكأنه جزء لا يتجزأ من الحياة الاعتيادية العامة والخاصة للإنسان. وبهذا المعنى يمكن قبول كلمة تطبيع على اعتبار تحويل السلوك الطارئ والجديد إلى ما يشبه الطبيعي فيصبح جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان. السلوك غير الطبيعي لا يمكن ان يصبح طبيعيا لكنه يمكن أن يصبح اعتياديا وكأنه لا ينفصل عما هو طبيعي. أي في العلاقة مع الصهاينة يعني التطبيع؛ إقامة علاقات تجنح نحو الطبيعي الذي يسود علاقة الناس بحيث تصبح اعتيادية في القبول والتعامل المتبادلين.

أما في التراث العربي, خاصة في ترث أهل الشام, ترد كلمة تطبيع بمعنى الترويض بحيث يصبح السلوك الطارئ أو الجديد مقبولا لدى السيد أو صاحب اليد الطولى. وبهدف البعد عن التجريح أبتعد عن إعطاء تفصيل حول هذا التراث. لكن الافتراض بأن التطبيع عبارة عن وصف لعلاقة سيد بمسود يبقى قائم والتي من خلالها يطوع المسود نفسه ( أو يجبر على تطويع نفسه) للسيد ليتحول إلى أداة تخدم مصالح الآخرين. وغلبا ما يتم استعمال وسائل الترغيب والترهيب من اجل استقامة العلاقة بالطريقة التي يراها الأقوى مناسبة.

إذا تفاعل المعنى الأولى مع الثاني نعرف التطبيع على انه علاقة اعتيادية أو جانحة نحو الطبيعي بين طرفين متفاوتي القوى بحيث يذلل الأضعف لخدمة مصالح الأقوى”.

من خلال استعراض مراحل الصراع العربي الصهيوني نجد أن الكيان الصهيوني هو الذي أصر على تطبيع العلاقات مع العرب, وأن سياسته نحو الحرب أو نحو السلام تركزت أساسا على التطبيع باعتبار أنه الضمان الرئيسي والأساسي لبقاء إسرائيل في المنطقة. لقد أرادت إسرائيل إقامة علاقات اعتيادية مع العرب بحيث يقبلها العربي على أنها جزء من المنطقة ولا يضع وجودها أو حقها فيه موضع تساؤل. فالعلاقات الاعتيادية لها درجات صعود وهبوط لكنها تبقى تدور ضمن منطق الحياة السياسية وليس ضمن منطق عدائي يستهدف فيه طرف وجود الطرف الآخر. التسليم بوجود إسرائيل يكفيها هاجس الزوال ويصب ضمن منطق دفاع الغير عن وجودها واستمرارها ويضمن لها الاطمئنان بان العرب لن يحشدوا التاريخ القديم لصياغة سلوكهم الحالي, حيث يتحول الماضي إلى مجرد ذكريات لا سبيل لها للتدخل في الحاضر او المستقبل.

إسرائيل كانت دائما الأقوى وحاولت من خلال قوتها تطويع العرب فألحقت بهم الهزائم المتكررة حتى باتوا غير قادرين على متابعة ما كانوا يدعون إليه. ومع بعض المحفزات الترغيبية تحول العرب تدريجيا مت الرفض المطلق إلى التردد ومن ثم إلى القبول التدريجي حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن من مستويات تطبيعية متنوعة. صحيح ان الاندفاع التطبيعي يتأرجح لكن ليس ضمن منطق الرفض ولكن ضمن منطق القبول.

التطبيع السياسي

تطبيع العلاقات مع إسرائيل لا ينطوي على مجرد إقامة علاقات اعتيادية معها كما هي العلاقات الاعتيادية بين دول عالم غير المتنازعة, وإنما يدخل في عمق الذات العربية والإسلامية وله انعكاسات ذاتية وجماعية ذات صبغة حضارية وتاريخية. أنه ليس تطبيعا بمنى إقامة علاقات لم تكن موجودة أصلا كإقامة علاقة بين مصر ونيبال أو بين دول الجزيرة العربية وبيرو, وإنما بمعنى مراجعة تاريخ طويل وإعادة النظر في إبعاد تاريخية وحضارية ودينية. وهو لا ينطوي على مجرد مصالح متبادلة أو مشتركة تعود بمنافع مادية على طرفين, وإنما يشمل الوعي بالذات والقراءة العربية للتاريخ والهوية والأصول.

التطبيع مع الكيان الصهيوني غير ذي بعد حاضري أي يخلو من الامتدادت النفسية ومقومات الشخصية والهوية, ولا هو مجرد شعار مرحلي بهدف تخطي مرحلة العجز العربي حتى تتفرج الأمور وتتغير الأحوال, وإنما يتغلغل في وعي الإنسان بعجزه لتجذيره كحقيقة لا يمكن تجاوزها أو التغلب عليها. وكأنه يخاطب العقل العربي والنفسية العربية قائلا:” إن العجز قد أحاط بالعرب وهو واقع بل قدر لا مفر منه وأنه لا مجال أمامهم سوى الاستسلام له وتوريثه لأبنائهم ليصبح مكونا تربويا لا تتمرد عليه الأجيال. إنه الترجمة العملية لترسيخ الهزيمة في النفس العربية بما يتضمنه ذلك من شروط القبول غير المتردد بالهزيمة”. بعبارة أخرى, إنه استدخال للهزيمة بحيث لا تشعر النفس بارتياح في أجواء غير أجواء الهزائم والاندحارات.

التطبيع بالنسبة لإسرائيل لا يعني مجرد إقامة علاقات تجارية أو مفوضيات أو سفارات, وإنما من المفروض أن يشمل مراجعة لمفاهيم الصراع ولفهم التاريخ والأسس الدينية, الخ. أي يجب أن يكون عملية قلب جذرية للنظرة العربية والإسلامية تجاه إسرائيل واليهود بحيث ينشأ عربي مسلم جديد بمفاهيم جديدة تنسف كل ما سبق بخلفياته وحيثياته. وان لم يكن التطبيع كذلك فان جذور بروز الصراع من جديد تبقى كامنة حتى يحين وقت انبثاقها. فإذا كان للصراع أن يدفن نهائيا فانه لا بد من نسف الأصول والمنابت وأسس تشكيل الشخصية العربية الإسلامية. وعليه فان التطبيع يجب ان يكون منهاجا حياتيا جديدا ومبرمجا بطريقة مؤثرة تخلق قيما تربوية وأخلاقية جديدة متناسبة مع المرحلة وتشكل أساس المستقبل.

آلية الوصول إلى التطبيع السياسي

ضمن هذا الإطار العام رأت إسرائيل أن الضمان الأهم لاستمرار وجودها هو أن تكون مقبولة من قبل العرب والمسلمين كجزء لا يتجزأ من المنطقة وأن يتم التعامل معها كدولة لها الحق في الوجود والعيش بسلام وفي علاقات اعتيادية مع الآخرين كأي دولة أخرى في المنطقة. ولهذا عملت إسرائيل منذ قيامها نحو البحث عن وسائل انفراج مع العرب وإقامة علاقات غير عدائية بل واعتيادية معهم. وقد تركز جهدها على الشارع العربي, على الإنسان العربي العادي لأنه هو الباقي وليس الحاكم. رأت إسرائيل أن قبولها كدولة في المنطقة من قبل القادة والحكام والزعماء العرب لا يكفي كضمان لاستمرارها بسبب عدم استقرار الحكم في الوطن العربي وعدم قدرة القيادات على تحقيق استمرارية بدون قوة المخابرات والبنادق والسجون. فالقبول من قبل هؤلاء يتهاوى مع تهاوي زعاماتهم وحكوماتهم, ومن السهل أن يقلب القبول إلى رفض إن لم يكن الشعب قد سار في ركب القبول.

وحتى تكون إسرائيل مقبولة كجزء لا يتجزأ من المنطقة ومعترفا بها هكذا فانه لا بد من توفر القبول الشعبي بها. لم يكن الأمر سهلا ولا بد من تحقيق اختراقات تجعل الاحتكاك بينها وبين مختلف فئات الشعب العربي ممكنا. وفي ظل العداء الواسع لإسرائيل في الوطن العربي لم تكن وسائل الإقناع العادية متوفرة ولم يكن أمامها سوى وسائل العنف والتدمير. وهي بذلك كانت بحاجة إلى أمرين: قادة عرب لا يتمتعون بغيرة على أمتهم وشعوبهم ومن الممكن تسييرهم, وهزائم عسكرية تلحق بالعرب تؤدي إلى إحباطات متراكمة وترسخ فكرة الاستسلام. هذا بالتحديد ما دفع رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بن غوريون في التفكير في دفع رشوة مالية كبيرة لأي زعيم عربي مجاور حتى يشن حربا على إسرائيل فيهزم فتستوعب الجماهير الدرس وتقرر أن لا فائدة من البحث عن أسباب القوة لمحاربة إسرائيل.

لم تكن أمام إسرائيل مشكلة كبيرة في إيجاد الزعماء المناسبين من خلال عدة وسائل تتمثل أولها في أن الاستعمار البريطاني لم يغادر المنطقة دون أن ينصب بعض الموالين للدول الغربية على حساب المصالح العربية. وأما من لم يربطه الاستعمار مباشرة قبل أن يغادر كان من الممكن العمل عليه بوسيلتي المال والنساء واللتين ثبتت فعاليتهما في تحييد العديد من القادة العرب وفي تجنيدهم أيضا. أما من استطاع أن يفلت من زمام المصائد بقي فريسة لحالة التخلف المتميزة بضعف المستوى المهني والأخلاقي وبالتكاسل والعشائرية وغياب العقلية العلمية والاستزلام. فمن لم يكن مصيبة على الأمة عمدا واستقطابا كان كذلك تخلفا. لهذا لم يكن العرب على مستوى الاستعداد لحرب متكافئة وكانت الغالبية الساحقة من معاركهم عبر السنين هزائم مريرة, ولم يتوقف مسلسل الهزيمة إلا بحزب الله الذي حقق انتصارا ساحقا على إسرائيل عام 2000.

من المفروض, حسب المنطق التاريخي العام, إن التحدي يولد التحدي وان يبحث المهزوم عن أخطائه ليتلافها ويراكم أسباب القوة حتى يدحر عدوه. لكن الهزائم على المستوى العربي كانت ذات مفعول آخر وهو رفع وتيرة الإحباط أو زيادة حدة مشاعر اليأس تمهيدا للتسليم بالأمر الواقع وقبوله على علاته. السبب في ذلك أن الزعماء العرب الذين لم تسقطهم الهزائم ولم تتحرك ضدهم الشعوب اتبعوا سياسات داخلية حرمت الشعوب من العمل نحو تنفيذ رغباتها وإعادة ترتيب صفوفها بهدف الدفاع عن الذات ودحر المعتدين. سخر قادة العرب أجهزتهم الأمنية وقوى الأمن لقمع الإنسان العربي, واستعملوا الأموال لشراء الضمائر واستعباد الناس وأقاموا إدارات ينخرها الفساد الذي فتت الكثير من الروابط المجتمعية والسياسية. لقد عاثوا في الأرض العربية فسادا ودمارا وأحالوا العربي إلى حطام يصعب تجميعه. وبذلك دحروه إلى زاوية لا يقوى فيها على قول “لا” وأصبحت معها الموافقة على كل المحرمات أمرا واردا. وإذا تبقى هناك من يمكن أن يعارض فالسجن بانتظاره أو القتل دون أن يأسف على وضعه أناس كثيرون.

أوصلنا القادة والحكام والزعماء إلى تلك النقطة التي وصلوا إليها منذ زمن بعيد ولم يكونوا قادرين على البوح بها وتبنيها علنا وهي نقطة الصلح مع إسرائيل او قبولها. قال هؤلاء القادة نعم للتفاوض وللاعتراف المتبادل وخرج الناس خاصة في فلسطين المحتلة/67 إلى الشوارع يهتفون ويرقصون احتفالا بالانتصار الذي حققوه في مدريد وبعد ذلك في أوسلو. لقد عمل اليأس معوله في نفوس وعقول الناس إلى درجة أنهم رقصوا لما وصفوه عبر سنين على انه خيانة ومحرمات لا يمكن الإقدام عليها.

المعنى: أن إسرائيل اعتمدت على آليتين في بث اليأس والإحباط وهما صنع عيادات عربية قابلة للهزيمة إذ اعتمدوا آلية عسكرية خاصة به تهيمن بها على المنطقة. وبدورهم  القادة العرب- اعتمدوا على آليتين وهما التماشي اللفظي مع تطلعات الجماهير وتأهيلها للتفتت والهزائم من خلال سياساتهم الداخلية والخارجية. وقد تكامل الدور الإسرائيلي مع الدور القيادي العربي  وانتهت الأوضاع إلى حيث أرادت إسرائيل- وهو الجلوس على طاولة المفاوضات لصنع سلام معها يقوم على الاعتراف المتبادل وفتح الأبواب أمام العلاقات الاعتيادية.

المناهج التربوية

حتى تكتمل الحلقة ويصبح التطبيع مقنعا لإسرائيل فانه لا بد من ترسيخ القيم الجديدة لدى الأطفال. فالمقصود في التطبيع وقبول إسرائيل كصاحب حق في البلاد فقط مجرد تجاهل الكبار لقناعاتهم أو الدوس عليها بل خلق جيل جديد مفصول عن تاريخه وحضارته وانتصارات أجداده. التطبيع ليس مجرد استدخال الهزيمة في عقول المعاصرين, وإنما صنع جيل مهزوم تماما بدون سند تاريخي أو ديني أو حضاري. التطبيع بالنسبة لإسرائيل هو اتباع سياسة مشابهة لسياستها حيال المواطنين في فلسطين المحتلة عام 1948. سياستها هي تجريد العربي من هويته وعنوانه وماضيه ومساهماته الحضارية وطموحاته نحو البناء وقهر لتحديات ومواجهة الأعداء والتخلي عن أسس امتلاك الذات والتسليم للقوى المحيطة به ووضع مقدراته وطاقاته في خدمتها.

ولهذا لا مفر أمام العرب, وحتى تكون إسرائيل مقتنعة بنواياهم, إلا زرع مقومات الهزيمة في ذهن العربي لتكون هي الحياة الاعتيادية. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تبني البرامج التي تؤدي إلى النتيجة. أولى هذه البرامج تتعلق بالمناهج المدرسية خاصة في مادتي الدين والتاريخ لأنهما مادتان أساسيتان في خلق الوعي العربي بإسلامه وتراثه وسيرة أجداده. فبالنسبة للدين سيكون هناك تركيز اكبر على أسس كهنوتية تركز على عبادات شعائرية دون العمل العام, وسيتم تجاوز الآيات التي تتحدث عن بني إسرائيل وسيء صنيعهم وغضب الرب عليهم. وستدخل إلى المناهج قيم جديدة من التسامح الديني والمحبة التي تضع اليهود في قائمة الإخوة والمؤمنين الموحدين المحبين للسلام والوئام والتعايش مع الشعوب الأخرى.

أما بالنسبة للتاريخ فلا بد من إحداث تعديلات على المناهج, وسيصبح لإسرائيل مكان في المناهج مخصص للحديث عن قيامها ومحاولات اليهود للم الشمل والعودة إلى الأرض المقدسة. وسيتوقف الحديث عن اغتصاب فلسطين وطرد الفلسطينيين وتشريدهم وستتحول مشكلتهم إلى قضية إنسانية يؤسف لحدوثها. وكذلك بالنسبة للجغرافيا التي ستجعل جبل يونس الطحولي أعلى جبال فلسطين ومن حيف عروس البحر الإسرائيلية.

أما البحث عن سبل العودة فسيختفي لصالح الحديث عن جهود تعويض اللاجئين وتحسين ظروفهم المعيشية. وسيختفي اسم فلسطين عن الخرائط العربية التطبيعية لتحل محلها إسرائيل. رما لن تضغط إسرائيل ليتم هذا دفعة واحدة وبسرعة, وإنما ستقبل بخطوات تدريجية تؤدي إلى ما تريد وما تعتقد انه السياسة السليمة.

سيمتد المنهاج التربوي إلى وسائل الإعلام والندوات والمحاضرات العامة والأشخاص والجمعيات مطلوب من وسائل الإعلام أن تدعم خطوات السلام والتعايش والعهد الجديد, وان تمتنع عن التحريض وتتحلى بروح التسامح والتأثير في عقول الناس. من المتوقع أن يساهم التلفاز العربي في خلق عربي جديد لا يستجيب للتحديات بل يخضع لها, ولا يثأر لهزائمه بل يعتبرها إنتاج أخطاء وعناد أحمق. وكذلك على الصحف والمجلات أن تفعل. أما صيغ التحريض ضد إسرائيل والغرب واستنزاف الطاقات العربية فيجب أن تحظر, وسيطلب من العرب اتباع السياسات الكفيلة بمنع ذلك وسن القوانين التي تعاقب المحرضين هذا ليس وهما ولا خيالا. فقد عملت اسرائيل على لجم الصحافة المصرية ومختلف وسائل اعلام مصر. ومع كل محاولة تحريضية كانت حكومة مصر تتعرض لضغوطات إسرائيلية وأمريكية من اجل الالتزام بنصوص كامب ديفيد وروحها. حتى أن إسرائيل احتجت لدى مصر لأن الأزهر اعتبر الشهيد الجوهر الذي نفذ عملية استشهادية في القدس شهيدا. أما الملك حسين فقد اخذ يتحدث عما أسماه الإرهاب الإسلامي والإرهابيين الذي يقوضون عملية السلام برعونة واستهتار. ناهيك عن المسؤولين الفلسطينيين الذي يتنكرون لتاريخ الشعوب ونضالاته ويسمون النضال والجهاد إرهابا, وبعضهم قام بإطلاق النار على الشعب تحت الضغوط الإسرائيلية وتنفيذا للاتفاق مع إسرائيل. والعمل الأبرز هو الاستمرار في اعتقال المناضلين من مختلف الفصائل الفلسطينية بخاصة من التيار الإسلامي. هكذا نصت الاتفاقيات وهكذا هي متطلبات إسرائيل الأمنية.

وعلينا ألا نتسرع في الحكم على أن هذه استنتاجات تطبيعية متسرعة وبعيدة الخيال. لدينا مثال على ذلك في فلسطين عام 1948. من كان يصدق قبل ثلاثين سنة ان قادة العرب هناك سيتسابقون على وصف إسرائيل بأنها دولتهم وأنهم يؤيدون إقامة السلام مع العرب, أو يتهافتون على إدانة المجاهدين والمناضلين الفلسطينيين, أو يكونوا وسطاء بين إسرائيل والعرب, الخ. لكن هذا كله وغيره يتم لان في وضح النهار وبدون تردد وبدون تساؤل من قبل كثير من الناس. لقد أفلحت سياسة غسيل الدماغ الإسرائيلية وأفلحت برامجها في خلق عقل عربي جديد مليء بالهزيمة لا يقوى على الخروج من نطاقها, ومزقت العربي بحيث انه يتحدث عن هويته الإسرائيلية ببساطة وجرأة ودون خجل او وجل. كان هذا نتيجة البرمجة المتعمدة والمدروسة من قبل الإسرائيليين.

الوعود الاقتصادية

كي تكتمل حلقات طمس الحقائق وخلق أوضاع مناسبة لأمن إسرائيل وتوسعها وبسط هيمنتها على المنطقة, تقوم حملة واسعة من الوعود بالثراء والرفاه والبحبوحة الاقتصادية. فلا يكفي إجبار الناس على التنكر لأنفسهم وإلغاء ذاتهم وإنما من المهم تقديم الحوافز لذلك. يقف الحديث عن التطوير الاقتصادي على رأس هذه الحوافز لما فيه من قدرة على لفت الأنظار وإثارة الاهتمام. وقد جرب بريق تحسين ظروف المعيشة في مصر لتزيين اتفاقات كامب ديفيد وأتى أكله في حينه إلى حد كبير. وعد رئيس مصر شعبه بالنعيم والخروج من مأزق الفقر, وعاونته في ذلك الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة, حتى ظن شعب مصر أن الصلح مع إسرائيل عبارة عن مفتاح لحل كل مشاكله.

المقولة السائدة حول الاقتصاد تضع اللوم على العرب لأنهم استنزفوا طاقاتهم في بناء الجيوش وشراء الأسلحة دون أن يجنوا غير الهزائم. وكان من الممكن استخدام هذه الطاقات للبناء ورفاهية الشعوب. فالمشكلة الاقتصادية في الوطن العربي ليست ناجمة ن العدوان الصهيوني الغربي على البلاد, ولا عن سيطرة الولايات المتحدة على الثروات العربية وإنما من غباء العرب. أما الآن وقد عاد العرب إلى جادة صوابهم فإنهم سيحققون مكاسب اقتصادية بطرق مختلفة منها توفير الأموال التي كانت تهدر على السلاح, الحصول على مساعدات مالية من الدول الأوروبية والأمريكية, والحصول على مساندة تقنية وعلمية من إسرائيل والغرب.

القادة العرب هم من اشد المتحمسين لفكرة الدعم الاقتصادي, ويجعلونها محول حديثهم في تجميل الحلول السلمية. وهم يحذرون باستمرار من انقطاع الدعم او عدم كفايته لان في ذلك تقوية للمعارضة وهزيمة لدعاة السلام. وهم بذلك إنما يخاطبون جيوب الناس وبطونهم لا عقولهم وضمائرهم.

الخطورة الكبيرة في الحملة الدعائية التراثية تكمن في غرس قيم الاستهلاك ووضع القيم المادية في أعلى سلم أولويات الإنسان. إنها تهدف إلى تقزيم الطاقة العقلية للإنسان وتقليص قيم الانتماء والولاء لصالح الاهتمامات المادية الشخصية. إنها تخاطب الجزء الحيواني ليتغذى على حساب الجزء الإنساني العقلاني الذي يجعل للإنسان معنى ومحتوى, وذلك من اجل تحويله إلى مجرد أداة يمكن استخدامها والسيطرة عليها. الإنسان المفكر خطر على العدوان والاستغلال والظلم لأنه متمرد من اجل الخير والحرية والعطاء. أما الإنسان المستهلك لا يختلف كثيرا عن الحيوان إلا في تفننه في أساليب الاستهلاك. الإنسان المستهلك خطر فقط إذا جاع وربما يكون خطر إذا شبع كثيرا. لا توجد لديه قيم سوى الإشباع المادي وما دام يرتع في همومه المادية التي لا حل لها فإذا سيبقى متلهيا بها وغير عابئ بزة أو كرامة أو حرية وطنية, الخ.

فضلا عن عملية تفريغ الإنسان من محتواه يستعمل القادة العرب والفلسطينيون أسلوب الرشوة أو لإلهاء المادي لنيل موافقة الناس على سياساتهم والصلح مع إسرائيل. فالقادة العرب, وعلى رأسهم القادة الفلسطينيون, يكررون باستمرار استجداءاتهم المالية من الدول الغربية حتى يشعر الشعب ان السلام قد أتى عليه بفائدة. يريد الفرد, حسب رأيهم أن يشعر انه قد جنى شيئا مقابل السياسية التي تم اتخاذها, اي انه قد دفع ثمنا سياسيا يريد مقابله مكافأة مادية.

وفي المقابل, يحذر القادة العرب من أن قلة الدعم المالي ستؤدي إلى انهيار العملية السلمية حيث ان الشعب سيشعر بأن ما قدمه لم يأت له بشيء, عندئذ يفقد القادة تأييدهم وتفقد المسيرة السلمية رونقها وشعبيتها. ولهذا يستمر القادة العرب في ضغوطاتهم الإعلامية على الدول الغربية من اجل تقديم المال الكافي لدعم المسيرة وجعل الصلح مع إسرائيل صلحا حقيقيا تستفيد منه كل شعوب المنطقة. هذا أسلوب غير إنساني ويتعامل مع العنصر المادي في الإنسان من اجل السيطرة على قواه العقلية ومشاعره الانتمائية. إنها محاولة تعود إلى عصور الظلام والقهر لأنها تعمل على قمع القوة الذهنية والانتمائية لدى الإنسان من خلال الشراء المالي أو الرشوة. الرشوة محرمة في كل الأنظمة والقوانين ويعاقب عليها القانون, إلا أن قادة العرب يمارسونها في وضح النهار وأمام وسائل الإعلام وبصورة جماعية ضد شعوب بأكملها.

والهدف يبقى تحويل الإنسان العرب والفلسطيني عن ذاته وجعله سلعة يمكن الاتجار بحقوقها ومشاعرها وعواطفها. تربية الإنسان على الإخلاص والشجاعة والإصرار على الحق تلحق الضرر بالمشروع الصهيوني. الاستعماري لان في ذلك دعما للإنسان وامتلاكه لذاته وإدراكه لحقوقه وطاقاته على تحصيل هذه الحقوق. أما الإلهاء المادي والوعود البراقة في الرخاء والرفاه فتحول الإنسان عن أهدافه وتجعله أداة بيد الغير الذي يملك المال. وعليه فان الوعود الاقتصادية تلعب دور الدعامة لوسائل نزع الذات العربية. فبالإضافة إلى تغييب التاريخ والعمل على قتل القناعات الحضارية والدينية لدى العربي, فان المال يشكل عاملا مساعدا لإكمال حلقة الخناق على الذات والشخصية العربية الإسلامية.

التطبيع الإعلامي

تزداد وتيرة استضافة صهاينة في وسائل الإعلام العربية وخاصة الخليجية منها, وبالتحديد في الفضائيات. وتكاثفت الاتصالات الإعلامية مع صهاينة من سياسيين اختصاصيين حتى أصبح من المألوف أن يرى المشاهد العربي معلقا أو محللا سياسيا صهيونيا على الشاشة العربية أو صانع قرار صهيوني أو متحزب, الخ. لقد تم كسر تلك الحواجز التي أبقت الصهاينة بعيدين عن وسائل إعلامنا, وتطورت عند بعضنا اتجاهات جعلت من المحرمات سابقا حلالا ومرغوبا فيها حاليا ودفعت نحو إزالة كل العوائق والتبريرات. وبعد أن كان الظهور الإعلامي باتجاه واحد, أي استضافة وسائل الإعلام الصهيونية لعرب وفلسطينيين, أضحى الآن باتجاهين.

تواجه وسائل الإعلام العربي المضيافة انتقادات من قبل الرافضين للتطبيع سواء على مستوى الأشخاص أو لجان مقاومة التطبيع. ويستند الانتقاد إلى أن هذه الوسائل أدخلت الصهاينة المعتدين إلى البيت العربي وأعطتهم فرص مخاطبة الناس وإقناعهم بما يطرحون وبكيفية تحليلهم للأوضاع والتطورات وبنظرتهم نحو المستقبل والعلاقات مع العرب كأمة وكحكومات. لقد صنع الصهاينة من خلال عدوانهم المستمر على الأمة العربية وإطماعهم الجغرافية والاقتصادية صورة قاتمة لأنفسهم حتى باتوا متساوين مع الشياطين التي لا تكف عن إلحاق الأذى بالآخرين والتضليل, وتأتي وسائل الإعلام لتظهرهم على أنهم بشر كما العرب وان لهم متطلبات أمنية ومعيشية كباقي الأمم والشعوب مؤثرة بذلك بدرجة كبيرة على الصورة التي صنعها الصهاينة لأنفسهم وبأيديهم. فلماذا هذا التطوع الذي لا مبرر له في تقديم الصهاينة لأبناء الأمة بثوب من الكلام الجميل وبصورة الإنسان المتحضر الذي يتحدث بالعقل والمنطق ويراعي متطلباته الإنسانية.

أما وسائل الإعلام فتبرر ما تقوم به على انه خطوة متطورة نحو تثقيف العرب حول منطق الصهاينة وطرقهم في فهم الأمور وتبريرها. إنها, حسب قولها, تأتي بالصهيوني إلى العربي كي يخاطبه مما يجعل العربي أكثر قدرة على استيعاب الأوضاع وفهم العقلية الصهيونية وأساليبها في الدعاية والإقناع. لقد استمع العربي عبر السنوات إلى ما يقوله العرب وارتسمت في ذهنه صورة من خلال وسائل الإعلام العربية ممزوجة بواقع ودعاية سياسية قد لا تكون دقيقة, ولماذا لا تتاح له فرصة تكوين صورة من خلال ما يلمسه مباشرة من الصهاينة؟ أي أنها تقول إنها لا تقوم بدور تطبيعي وإنما بدور إعلامي مهني وتثقيفي مع الالتزام بحاجة العربي إلى معرفة عدوه بصورة مباشرة.

فأين المنطق العلمي بين جدليتي الطرفين؟

الخلاصة

التطبيع يعني القبول بالهزيمة قبولا عن طيب خاطر ونية حسنة, وفتح الباب أمام العدو والقاتل ليقطف ثمار العدوان وكأنه البريء الودود, وإقامة العلاقات الحسنة والمتنامية بالعرب وإسرائيل. وحتى يكون التطبيع شاملا ودائما ومتصاعدا فلا بد من صنع العربي الجديد المتحلل من قيمه والمتخلي عن قناعاته, والسائر حسب المصالح الإسرائيلية والغربية والمعادية لأمة العرب والمسلمين. نزع العربي من نفسه هي السياسة التي تلي متطلبات التطبيع. يجب نزع العربي من جلده وتلبيسه جلدا آخر بدون هوية وبلا عنوان ولا تاريخ. وحتى لا يكون اللباس الجديد منفرا فان طباعة بعض الدولارات عليه قد تكون مفيدة هذه هي المهمة التي على القيادات السياسية تنفيذها من خلال التطبيع السياسي.