إذا كانت مثل هزيمة حزيران / يونيو 1967، وتوقيع اتفاقيات كمب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام المصرية مع الكيان الصهيوني عام 1979, د شكلت اتجاها تاريخيا بالغ التعقيد نحو التسوية للصراع العربي  الصهيوني، فإن اتفاقيات أوسلو عام 1993 , ومعاهدة وادي عربة الأردنية  الصهيونية عام 1994, قد دفعت الدول العربية إلى الترويج لمقولة مفادها أن التطبيع والسلام مع الكيان الصهيوني أصبحا وشيكين للغاية وتاليا يتعين على الدول العربية، ولا سيما منها المغاربية، الإسراع في الرهان على “الكعكة الصهيونية” قبل فوات الأوان. ومنذ توقيع اتفاق أوسلو بين الحكومة الصهيونية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، قدمت الحكومات في دول المغرب العربي، ذلك الاتفاق وكأنه النصر الحاسم للقضية الفلسطينية ومفتاح “الدولة الفلسطينية المستقلة” الذي كان مفقودا وتم العثور عليه، وفقا لسياسة “خذ وطالب” التي اعتمدها القادة المغاربيون في عملية الانتقال من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال.

القضية الفلسطينية في وعي الأحزاب المغاربية

قبل تحليل التزام الدول المغاربية تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، علينا أن نبحث في نشاط الحركة الصهيونية العالمية داخل البلدان المغاربية التي تعيش بين ظهرانيها جاليات يهودية، وفي وعي القضية الفلسطينية في العقل الجماعي المغاربي.

على صعيد تونس، انتقل عدد اليهود في هذا البلد العربي من نحو 50 ألف نسمة أواخر القرن الماضي إلى أكثر بقليل من 100 ألف نسمة مطلع الخمسينات من القرن العشرين. وينقسم اليهود في تونس إلى طائفتين: الأولى “الغرانة” ويعود أصلها إلى مدينة “الغرنة” الإيطالية، بحيث يحمل يهود هذه الطائفة الجنسية الإيطالية، أما الثانية فهي طائفة “التوانسة” التي ينتسب أعضاؤها إلى سلالة قديمة سكنت البلاد منذ القدم أو وفدت إليها من بلدان إسلامية أخرى، ويحمل اليهود “التوانسة” الجنسية التونسية.

وكان نشاط الحركة الصهيونية العالمية في تونس ملموسا، ويكشف عن ذلك العدد الكبير للجرائد التي أصدرها القياديون الصهاينة مثل الفرد فالنزي أو فيليكس علوش أو ريني كوهين في الفترة الممتدة من مؤتمر بال 1897 حتى أوائل الخمسينات، وهو عدد يفوق الثلاثين جريدة، ومعظمها ناطقة باللغة الفرنسية. لقد تقلصت ” جماهيرية ” الحركة الصهيونية في تونس أواخر الثلاثينيات. ويرجع ذلك إلى سببين أساسيين: الانتفاضة العربية الكبرى في فلسطين. ووصول “الجبهة الشعبية” إلى السلطة السياسية في فرنسا. وقد انقسم من جراء وصول اليساريين الفرنسيين إلى الحكم عدد كبير من الصهاينة إلى فريقين: فريق ضرب بقناعته الصهيونية عرض الحائط وانتهج سبيل الاشتراكية: وفريق انكفأ عن صهيونيته باليمينية واختار “أهون الشرين” أي “الصهيونية الاشتراكية” ناسجا بذلك على منوال اليهودي الصهيوني ليون بلوم زعيم “الجبهة الشعبية” الفرنسية والعضو في “الوكالة اليهودية العالمية”.

في مواجهة النشاط والتغلغل الصهيونيين، لم يكن للأحزاب الشيوعية المغاربية عامة، والحزب الشيوعي التونسي خاصة، تحليلات نظرية معمقة حول طبيعة الحركة الصهيونية العالمية ومشروعها لإقامة الكيان الصهيوني، وارتباطها العضوي بالمراكز الرأسمالية المتقدمة في الغرب، على الرغم من رفعها شعارات صحيحة مثل عروبة فلسطين اعتبار الصهيونية أداة في أيدي الامبريالية البريطانية، وانتفاء الطابع القومي عن الحركة الصهيونية. ولهذا السبب، وبحكم نشأة الأحزاب الشيوعية المغاربية التي اضطلع فيها اليهود بدور رئيسي، وتبعيتها المطلقة للاتحاد السوفياتي، أيد الشيوعيون في منطقة المغرب العربي قرار تقسيم فلسطين، وبالتالي اعترفوا بشرعية اغتصاب فلسطين من جانب الكيان الصهيوني وتشريد شعبها. وقد اعتبر الحزب الشيوعي التونسي قرار التقسيم ضربة قاصمة للامبريالية البريطانية وحلفائها العرب المنضوين تحت لواء منظمة “الجامعة العربية”. ويقول في تبريره لهذا لموقف: “… إن الامبريالية الانغلو- سكسونية لم تنجح في السيطرة على فلسطين وفي إجهاض انعتاقها التام إلا التفرقة بين العرب واليهود في فلسطين”. إن الحزب الشيوعي، وبعد أن كان ينفي نفيا قاطعا “أمة يهودية” مجاراة لموقف ماركس ولينين في هذه المسألة، أصبح يرى في المجموعات التراكمية من المستوطنين الصهاينة الذين يحملون صفات بلدانهم الأصلية وميزانها، “قومية يهودية في طريق النشوء والتطور”. وهذا الموقف يعكس إلى حد كبير مواقف الحزبين الشيوعيين في كل من الجزائر والمغرب.

وانطلاقا من قاعدة الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية التي أملاها النظام الدولي الثنائي القطبية (الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي سابقا) عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، كان موقف الأحزاب الشيوعية المغاربية من القضية الفلسطينية يتطابق كليا مع موقف القيادة المتنفذة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها المرجعية الفلسطينية المعترف بها في العواصم المغاربية، وإن كانت هذه المرجعية لا تتجاوز حركة ” فتح ” والنهج السياسي الذي يكرسه ياسر عرفات في داخلها وعلى مستوى المنظمة ككل.

وكان مبدأ “القبول بما يقبله الفلسطينيون” هو التبرير الذي تسوقه الأحزاب الشيوعية المغاربية وغيرها من الأحزاب الأخرى الحاكمة وغير الحاكمة في المغرب العربي لمباركتها اتفاق أوسلو الذي ابرم في 13 ايلول / سبتمبر1993 بين الحكومة الصهيونية السابقة برئاسة اسحق رابين وقيادة عرفات، وبالتالي لتأييدها “التطبيع” بين الكيان الصهيوني والأنظمة المغاربية. وقد أصدر الحزب الشيوعي التونسي بيانا مطلع سنة 1996ساند فيه موقف الحكومة التونسية الخاص بإقامة علاقات دبلوماسية بين تونس والكيان الصهيوني.

أما موقف الحزب الحاكم في تونس من القضية الفلسطينية، فيمكن النظر إليه من زاوية الأيديولوجيا التي حكمت مسيرة هذا الحزب منذ تأسيسه عام 1934 إثر الانشقاق الذي حصل في الدستوري (القديم)، وحتى قيادته للحركة الوطنية التونسية من الثلاثينات وحتى حصول تونس على الاستقلال السياسي (1955-1956). فالحزب الحر الدستوري الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة كان يدافع عن فكرة ” الأمة التونسية “نظرا لعدائه الشديد لفكرة الأمة العربية، ولم يكن ينطلق في تعامله مع ما يجري في فلسطين من القانون العام الذي يقرر أن مصير تونس ارتبط منذ القرن السابع للميلاد بمصير الأمة العربية ككل، وانطلاقا من إيمانه أن ما تتميز به تونس من خصوصية في الإطار العربي هو دليل على وجود ” أمة تونسية ” قائمة بذاتها، فإنه يعتبر القضية الفلسطينية وقضايا العروبة إجمالا قضايا غير رئيسية، ولذلك فإن مساندة الحزب للقضية الفلسطينية كانت من باب التضامن وليس من باب الانتماء إلى أمة عربية واحدة. وهو يعتبر ان القضية الفلسطينية هي قضية الشعب الفلسطيني أساسا، وبصفة ثانوية قضية بقية العرب. وهو يرى أن عرب المشرق، أي عرب دول المواجهة مع الكيان الصهيوني، مطالبون أكثر من غيرهم من العرب بالوقوف إلى جانب الفلسطينيين.

وبنت الدولة التونسية موقفها من القضية الفلسطينية على أساس قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة والمعروف بالقرار الرقم 181. وانتهج الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة سياسة خارجية معادية للقومية العربية والعروبة، بحكم الخلاف المستحكم بينه وبين الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، حتى أن الرئيس التونسي أعلن في خطاب له في أريحا عام 1965 اعترافه بقرار التقسيم ن وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بالأمر الواقع والقبول بـ”دولة فلسطينية” في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن سياسة “خذ وطالب”.

وقد اتهم بورقيبة في حينه من قبل الأنظمة الوطنية والتقدمية والأحزاب اليسارية والقومية العربية بـ”خيانة” قضايا الأمة العربية، خصوصا عندما أكد مقولته الشهيرة “إننا مع ما يختاره الفلسطينيون لأنفسهم” في إشارة واضحة إلى رفع وصاية الأنظمة العربية على الفلسطينيين، وهي المقولة التي طورتها قيادة عرفات لاحقا في إطار استغلال التناقضات العربية الرسمية، وأطلقت عليها مصطلح “القرار الفلسطيني المستقل”.

ويمكن أن نجد في مؤتمر المغرب العربي الذي انعقد في القاهرة في شباط/ فبراير 1947، وفي الوثائق التي أعدتها الأحزاب المغاربية لمؤتمر الاشتراكيين العرب في الجزائر عام 1967، وفي مواقف العاهل المغربي الملك محمد الخامس ومن بعده الملك الحسن الثاني، توجهات سياسية بشأن الاعتراف بالقرار الرقم 181، وبالتالي إيجاد تسوية للصراع العربي-الصهيوني وفق قرارات الشرعية الدولية.

المغرب والتطبيع مع الكيان الصهيوني

منذ أن بدأ العمل على إسقاط الحاجز النفسي والسياسي بين العرب والكيان الصهيوني، أدى العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني كعادته دورا فاعلا في المبادرة باتجاه “إسرائيل” على الصعيد العربي. ونظرا للعلاقات التاريخية المتميزة، علاقات ” لحماية والولاء” المتبادلة بين العرش المغربي واليهود، والتي ظلت قائمة منذ سقوط الأندلس وحتى اليوم، إذ يوجد 700 ألف “إسرائيلي” من أصل مغربي ويحتفظون بجنسيتهم المغربية ويكنون للملك الحسن الثاني المحبة والاحترام، فإن العرش المغربي يشكل ربما مباشرة بعد الخزانة الأميركية، اللوبي الانتخابي الأكثر تأثيرا داخل الكيان الصهيوني.

وقد استغل الحسن الثاني هذا “المخزون التاريخي” المشترك بين العرش المغربي واليهود، لإقامة علاقات وثيقة بين المغرب و”إسرائيل” منذ الستينات , وهو كلف جهاز الاستخبارات “الإسرائيلية” “الموساد” بإعادة بناء جهاز الاستخبارات المغربية. كما اضطلع “الموساد” بدور مهم في عملية اختطاف المهدي بن بركة من باريس عام 1965.

وكان الملك المغربي من أكثر الحكام العرب إلحاحا على التطبيع العربي-الصهيوني، ولذلك عمل النظام المغربي على إقناع قيادة منظمة التحرير بلعب الورقة الفلسطينية منفردة، وسهل تنظيم لقاءات أميركية-فلسطينية، وفلسطينية  صهيونية، بحيث استخدمت قيادة عرفات “السنترال” المغربي في اتصالاتها بالقيادات “الإسرائيلية”.

كذلك كان ملك المغرب وسيط الاتصالات التي سبقت زيارة الرئيس أنور السادات، وكان في صلب اتفاقيتي كامب ديفيد مهيئا ومتصلا ومؤيدا. وحفل تاريخ الملك الحسن الثاني باللقاءات مع زعماء الصهيونية العالمية والكيان الصهيوني، ألم يستقبل رئيس الوزراء الصهيوني اسحق رابين في المغرب (1986)، ووزير الخارجية السابق موشي دايان (1968) وزعيم حزب العمل شمعون بيريز في 1979 و1981 ؟ ألم يستضف المؤتمر اليهودي الذي حضره الكثير من الصهاينة “الإسرائيليين” عام 1984 ؟

واستفاد حزب العمل “الإسرائيلي” من علاقاته الوطيدة بالملك الحسن الثاني لاستخدام الورقة المغربية للتخفيف من تأثير الناخبين اليهود من أصل مغربي الذين يصوتون لمصلحة تكتل “ليكود”.

وقد أعلن في الأول من أيلول / سبتمبر 1994 عن فتح مكتب اتصال في تل أبيب وغزة (سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية) وفي الرباط, في محاولة مدروسة ومتفق عليها بين الحسن الثاني وسلطة عرفات لجر المزيد من الأنظمة العربية إلى انتهاج سياسة “التطبيع”ع الكيان الصهيوني.

وعلى الرغم أن المغرب أغلق مكتب الاتصال “الإسرائيلي” في الرباط في 23 تشرين الأول /أكتوبر عام 2000, والمكتب المغربي في تل أبيب عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية , تطبيقا لأحد قرارات القمة العربية التي عقدت في القاهرة , إلا أن الاتصالات لم تنقطع بين البلدين. فقد التقى وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم في الدار البيضاء في 2 أيلول /سبتمب 2003 نظيره المغربي محمد بن عيسى , إذ قال شالوم للصحافيين: “إ ن المغرب يمكن أن يشكل جسرا بين الإسرائيليين والفلسطينيين… وإنني على ثقة بأن المغرب على استعداد للقيام بدور مركزي في عملية السلام وأن الجانبين سيقبلان ذلك”. واعتبر شالوم أن “الوقت قد حان لأن يقيم المغرب وإسرائيل علاقات أوثق”.

وكانت أطراف سياسية مغربية ربطت بين التقارب الأخير بين المغرب الكيان الصهيوني، وبين المأزق السياسي، الذي وضعت فيه الولايات المتحدة الأمريكية المملكة المغربية في مجلس الأمن الدولي، فيما يخص قضية الصحراء الغربية؛ حيث تزامن ضغط الولايات المتحدة من داخل المجلس، للدفع باتجاه إرغام المغرب على قبول مخطط التسوية، الذي اقترحه جيمس بيكر، والذي يرفضه المغرب، لأنه يبذر بذور انفصال الأقاليم الصحراوية، وبين الإغراءات بتطوير العلاقات المغربية “الإسرائيلية”، مقابل تليين الموقف الأمريكي من موضوع الصحراء. ويرى مراقبون وناشطون سياسيون مغاربة أن التزامن بين التوتر المغربي الأمريكي، على خلفية موقف واشنطن في مجلس الأمن الدولي من قضية الصحراء، والحركة الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب، في الفترة الأخيرة، ليس تزامنا عرضيا، وأنه يأتي في سياق استغلال الطرفين المغربي و”الإسرائيلي “لما حدث كل بما يخدم مصالحه الخاصة.

وفي هذا الظرف السياسي العصيب، التقى وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى، بنظيره “الإسرائيلي” سيلفان شالوم، في لندن في بداية آب 2004، في إقامة سفير المغرب بالمملكة المتحدة. وفي حين لم تسلط وسائل الإعلام والمواقف الرسمية المغربية الكثير من الضوء على هذا اللقاء, إلا أنه يعكس في حد ذاته وجود ضغوط تمارس على المغرب، للدفع بعلاقته أكثر في اتجاه الدولة العبرية. وقد تجلى ذلك من خلال استقبال العاهل المغربي محمد السادس للحاخام الأكبر لليهود الشرقيين ذي الأصول المغربية على هامش احتفالات عيد العرش.

وأشار الحاخام “الإسرائيلي” في تصريح له للقناة المغربية الأولى إلى أن عنوان لقائه بالعاهل المغربي كان تقوية العلاقات بين المغرب و”إسرائيل”. وأمام الصمت المغربي الرسمي يترقب الرأي العام خطوات عملية، تدعم هذه المؤشرات في الشهور المقبلة؛ وما سيكون لها من تأثير على ملف الصحراء الغربية، وعلى المواقف الأمريكية المستقبلية؛ خصوصا وأن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك مفاتيح الصحراء، وتبدي تقاربا كبيرا مع الجار الجزائري، الذي يعتبر الخصم الحقيقي للمغرب في هذه القضية الشائكة، التي رهنت المنطقة طيلة العقود الماضية، وقوضت حلم إنشاء وتفعيل وتقوية مشروع المغرب العربي الموحد.

المعلوماتية طريق تونس للتطبيع مع الكيان الصهيوني

تقبل العالم العربي إعلان الزيارة الذي كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” الصهيونية، والذي مفاده أن رئيس الوزراء الصهيوني سيلبي الدعوة الشخصية التي تلقاها من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي للمشاركة في مؤتمر “المعلوماتية والتعاون الدولي” الذي تنظمه تونس في نوفمبر 2005، بمزيد من الذهول والدهشة والاستنكار..

وتستضيف تونس أوساط شهر تشرين الثاني/نوفمبر مؤتمرًا يعنى بالمعلوماتية والتعاون الدولي في قضايا مختلفة بينها إدارة الإنترنت، حقوق الإنسان، الأمن، حماية المعلومات وغير ذلك. ووجهت دعوات إلى قادة من جميع أنحاء العالم للمشاركة في أعمال المؤتمر. وقرر

ولا تأتي توجيه دعوة لشارون من قبل الرئيس التونسي في أعقاب المستجدات الأخيرة على الحلبة الشرق أوسطية من العدم. فقد كان وزير الخارجية الصهيوني يدير في الأشهر الأخيرة اتصالات سرية مع نظيره التونسي عبد الباقي هرماسي بهدف تجديد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والتي انقطعت مع اندلاع انتفاضة الأقصى. واجتمع الوزيران قبل ثلاثة أشهر في لاهاي وناقشوا هذا الموضوع.و في سياق الإشارات العربية لتدفئة العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني التي لم تعد مقتصرة على القيادة المصرية,أجرت تونس اتصالات في الفترة الأخيرة لدعوة وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم لتونس لزيارتها. وقد أعد التونسيون له جولة في مسقط رأسه قابس على البحر الأبيض المتوسط. وكان شالوم قد أبدى مرارا رغبة في زيارة هذه المدينة. ويأمل شالوم من خلال الاتصالات إعادة فتح الممثلية “الإسرائيلية “في تونس واستئناف العلاقات بين الدولتين.

وكانت صحيفة “هآرتس” “الإسرائيلية “ذكرت في عددها الصادر يوم 28 كانون الأول/ديسمبر 2004، أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أمر بتسهيل إجراءات دخول “الإسرائيليين” الراغبين بزيارة بلاده إلى الأراضي التونسية. وقالت أن هذا القرار اتخذ بناء على طلب من الحاخام الأكبر لفرنسا يوسف سيتروك ورجل الأعمال اليهودي الفرنسي بيير بيسنانو. وأشارت “هآرتس” إلى أن الرجلين زارا تونس مؤخرا واجتمعا إلى الرئيس بن علي. ونقلت الصحيفة عن بيسنانو قوله أن الرئيس بن علي استجاب لطلبهما وأبلغهما أنه منذ الآن لن يطلب من حملة جوازات السفر “الإسرائيلية” إيداع جوازاتهم عند دخول البلاد، كما كان معهودا حتى اليوم، وإنما الدخول كباقي المواطنين الأجانب.

وأوضحت “هآرتس” أنه ليست هناك الآن علاقات دبلوماسية بين “إسرائيل” وتونس كما ليست هناك رحلات جوية مباشرة. ويمكن ل”لإسرائيليين” الراغبين في زيارة تونس طلب تأشيرات دخول من السفارات التونسية في أرجاء العالم. وقالت الصحيفة أنه بعد لقاء بن علي بكل من سيتروك وبيسنانو أصدر أوامره بترميم المقبرة اليهودية العتيقة في تونس العاصمة. وبحسب “يديعوت أحرونوت” فإنه سيسبق زيارة شارون إلى تونس حدث تاريخي آخر، إذ ستقلع في 24 مايو 2005 أول رحلة جوية من مطار “بن جوريون” الدولي في تل أبيب إلى مطار جزيرة جربة التونسية. وسوف يكون على متن الرحلة التابعة لشركة “كرتجو” التونسية حجاج يهود سيزورون الكنيس الشهير في الجزيرة وسيعودون إلى إسرائيل بعد أسبوع. ولن يحتاج المسافرون إلى تأشيرات دخول إلى تونس.

وقال جوزيف سيتروك كبير حاخامات فرنسا في كلمته في الملتقى الدولي الذي عقد بتونس بشأن حوار الأديان التوحيدية الرئيسية يومي 8و9 كانون الأول / ديسمبر 2004, أنه يأمل في إحلال سلام حقيقي بين الحضارات والأديان من خلال حوار فعلي لأنه السبيل الوحيد لوقف هذا الاختلال السياسي والحضاري الذي يشهدة العالم.وأضاف أن الانفتاح يبدأ بالتعرف على الآخر واحترام عقيدته وقبوله بخصوصياته الثقافية دون تعصب.

وأشاد بالحكومة التونسية قائلا:” نعلم أن الحكومة التونسية عملت الكثير للمساهمة في إيجاد حل للخلاف الإسرائيلي- الفلسطيني” وأضاف “أن الوقت قد حان للخروج بموقف علني واتخاذ مبادرات جريئة” ونسب لمخاطبيه من التونسيين ترحيبهم بهذه الدعوة وتأكيدهم له بأن” برنامجا في هذا المضمار قد وضع بعد”.

لا شك أن مثل هذه المواقف للرئيس زين العابدين بن علي تستفز مشاعر الشعب التونسي الذي كان ولا يزال متمسكا بهويته العربية الإسلامية , وبمواقفه الوطنية والقومية المناهضة لخط التطبيع مع الكيان الصهيوني.. فهذه الزيارة  إن تأكدت  تتعارض والمواقف المبدئية الثابتة لجميع التونسيين من منظمات وأحزاب وحكومة ومختلف الهيئات الوطنية والشعبية دون استثناء والتي ترفض أي شكل من أشكال التطبيع ولم تتوان يوما عن دعم نضال شعبنا الفلسطيني من أجل إنهاء احتلال أراضيه وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.كما تعتبر هذه الزيارة مسا بمشاعر شعبنا الذي يذكر العدوان الهمجي على حمام الشط سنة 1985 والجرائم التي ارتكبها شارون في حق شعب وعمال فلسطين من اغتيالات وقصف للمدنيين وتهديم للبيوت واعتقال لآلاف من الفلسطينيين.

وإذا كانت الدبلوماسية التونسية نشيطة جدا على صعيد قبولها وتعاطيها مع سياسة التطبيع مستغلة الضعف الرسمي العربي , والضعف الراهن للحركة الشعبية العربية, فإن السياسة الخارجية للحكومة التونسية كان من الأجدر بها أن تعبر والحال هذه عن المواقف الوطنية والقومية للشعب التونسي من القضية الفلسطينية وقضايا التحرر العربي عامة , لا أن تكرس سياسة الانشقاق في “الجسم العربي” إلى شظايا غير متآخية, أي تكريس سياسة افتراق العرب عن العرب المتناقضة كليا مع سياسة التضامن العربي التي كانت تراعي الحد الأدنى من صون الحق العربي.

ومن الجدير بالذكر أن الميثاق الوطني التونسي الذي التزم به النظام إزاء الشعب نص على أن السياسة الخارجية لتونس يجب أن تكون محل وفاق وطني وإن تعبر عن هوية الشعب ومصالحه. بيد أن هذه الدعوة تعد دوسا جديدا لهذا الميثاق وخروجا عن الوفاق الوطني الذي قام في المجتمع التونسي منذ إنشاء دولة “إسرائيل” والمتمثل في نصرة كفاح الشعب الفلسطيني العادل من أجل التحرر والانعتاق ورفض كل علاقة مع الكيان الصهيوني.

وهكذا انفرد نظام الرئيس بن علي باتخاذ قرار مصيري مرة أخرى في قضية لم تتحصل في شأنها على تفويض من الشعب التونسي،ولم تكن محل تشاور أو حوار داخل المجتمع، بل إن الرأي العام فوجئ بها عن طريق وسائل الإعلام الأجنبية. ويعتبر هذا التصرف مظهرا آخر من مظاهر الاستبداد والتسلط اللذين أضرا أيما ضرر بالحريات وبالمال العام وهاهو يطال اليوم ثابتا من الثوابت الوطنية والقومية لتونس.

كما أن النظام التونسي قد أقدم بهذه الدعوة الانفرادية على قطع كل القواسم المشتركة التي كانت تربطه بالمجتمع في ميدان حساس كميدان العلاقة بالكيان الصهيوني، وأنه تنكر بهذه الخطوة لتضحيات الشهداء من أجل استقلال تونس وتمسكها بانتمائها العربي والإسلامي. فالنظام فضل بهذه الدعوة الاستنجاد باللوبيات الصهيونية بوصفها قلب رضا الإمبراطور الأمريكي امتصاص الضغط الداخلي والخارجي المتزايد من أجل الإصلاح عن الانفتاح على قوى المعارضة في الداخل، وشراء بقائه في السلطة مقابل التنازل عن القضايا الوطنية والقومية.و تسقط هذه الخيانة الوطنية والقومية المكشوفة من جانب نظام الرئيس بن علي الدعوة نهائيا اتهاماته للمعارضة بالخيانة والتبعية للخارج فهو يفتح أبواب تونس لرمز الجريمة في حق الإنسانية، الذي هدم آلاف البيوت على رأس أصحابها وعصف بأرواح الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، في وقت أوصد فيه أبواب الوطن في وجه أبناء تونس من المعارضين الإسلاميين والقوميين والديمقراطيين الذين يناضلون من أجل بناء دولة وطنية ديمقراطية بالتلازم مع مجتمع مدني حديث، ويدافعون عن القضايا القومية وفي القلب منها قضية فلسطين التي تتعرض لحالة من التصفية نتاج هيمنة نهج التسوية الاستسلامية على مجمل سياسة النظام الرسمي العربي، منذ عقد ونيف.

موريتانيا والتطبيع مع الكيان الصهيوني

أقامت موريتانيا علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الصهيوني في عام 1999.وشكلت زيارة وزير خارجية موريتانيا ولد عبدي إلى الكيان الصهيوني منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الباسلة أول استجابة عربية للحرب العدوانية التي يخوضها شارون ضد الشعب الفلسطيني، وأول خرق عربي لقرار وقف الاتصالات السياسية مع تل أبيب الذي اتخذته لجنة المتابعة العربية في اجتماع عملها في القاهرة. كما أن تلك الزيارة تعكس في حد ذاتها عمق التغلغل الصهيوني في قلب موريتانيا، وتكشف عن خطأ الحكم في موريتانيا الذي بلغ استفزازه لمشاعر الأمة العربية ذروة التحدي، لكنه لم يكن إلا كذلك دائماً.

وقد صدرت انتقادات شديدة لتلك الزيارة من قبل معارضين في نواكشوط، فوصفها الناشط الإسلامي محمد جميل ولد منصور بأنه “تشريع للأعمال الهمجية وأعمال الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون”. كما أثارت زيارة ولد عبدي ردود فعل سلبية في صفوف المعارضين خصوصاً “اللجان الشعبية” مثل “اللجنة الموريتانية ضد التسلل الصهيوني في موريتانيا” و”اللجنة الشعبية المعارضة لتطبيع العلاقات بإسرائيل”، واعتبرت “اللجان” أن زيارة الوزير الموريتاني تشكل “خيانة للقضية العربية المسلمة” وقرارات القمم والمنظمات العربية.

ورغم أن عدة أوساط عربية انتقدت زيارة وزير خارجية موريتانيا “لإسرائيل”، باعتبارها حسب مصدر مسؤول في الجامعة العربية “جاءت في توقيت غير مناسب على الإطلاق وغير مرغوب فيها عربياً”، إلا أن الذين سكتوا عن خطأ الحكم في موريتانيا في بداياته يصعب عليهم أن يعترضوا على تفاقمه الآن.

فبالرغم من نأيها جغرافياً، وابتعادها سياسياً، وصمتها إعلامياً، وتجاهلها قومياً، إلا أن موريتانيا أرادت أن تتهافت مع المتهافتين على مائدة العدو فتثبت جدارتها، لا في انضمامها الفعال إلى الأمة العربية ولا وقوفها الصلب  ولو إعلامياً مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للمذابح والتشريد والاقتلاع ومحو الهوية والتآمر على قضينه بهدف تصفيتها كلياً، ولا في تطوير صناعتها أو تحسين زراعتها أو تنمية خدماتها، أو انتهاج سياستها على آفاق الحرية، الخ، ليس في كل ذلك، بل في تهافتها على التطبيع مع الكيان الصهيوني حصراً.

وباركت الحكومة الموريتانية اتفاق أوسلو، مثلها في ذلك مثل باقي الدولة المغاربية الأخرى، التي أصبحت تروج لفكرة مفادها أن خط التطبيع مع العدو الصهيوني هو الخط السالك الوحيد بالنسبة للعرب. وجاءت الاتصالات الموريتانية  الصهيونية ضمن هذا السياق السياسي حيث جرى أول اتصال رسمي بين وزير الخارجية الموريتاني السابق محمد سالم ولد لكحل ونظيره الصهيوني آنذاك شمعون بيريز في 18 حزيران 1995 في مدريد، برعاية وزير الخارجية الإسباني السابق خافيير سولانا. كما التقى الوزير الموريتاني نفسه مع نائب وزير الخارجية الصهيوني السابق موسى بيلين في عمان، في الاتصال الثاني من نوعه بعد ثلاثة أسابيع من لقاء مدريد، وشارك وزير الخارجية الأردني السابق عبد الكريم الكباريتي في اللقاء الذي تم بناء على طلب الوزير الموريتاني ولد لكحل.

الجزائر والتطبيع مع الكيان الصهيوني

شكلت المصافحة التاريخية بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك على هامش جنازة الملك الراحل الحسن الثاني في تموز/يوليو 1999, انطلاقة قوية لمسار التطبيع بين الجزائر و”إسرائيل”. ففي ربيع عام 2002 تأسست “جمعية جزائرية للصداقة مع إسرائيل”, وأعرب السيد محمد برطالي رئيس “الجمعية الوطنية للصداقة الجزائرية  الإسرائيلية” عن الأمل أن توافق الحكومة على طلب الاعتماد الذي أرسل إلى وزارة الداخلية. و أضاف: “إننا نعتقد بأن للرئيس بوتفليقة مواقف إيجابية من إسرائيل. ولمسنا هذا في تثمينه للدور الثقافي الذي لعبه اليهو د في قسنطينة واستقباله لوفود يهودية خلال زيارته لكل من أوروبا وأمريكا ودعوته للفنان (المغني الفرنسي اليهودي الجزائري الأصل) “أنريكو ماسياس” إلى زيارة الجزائر.

ويعتقد مراقبون أن ظهور أشخاص يدعون إلى إقامة علاقات صادقة مع الكيان الصهيوني قد يكون محاولة “إسرائيلية” جديدة لاختراق المشهد السياسي الجزائري, علما أن عددا من كبار المسؤولين في الدولة الجزائرية سبق لهم أن زاروا الكيان الصهيوني, كوزيرة الاتصال والثقافة خليدة تومي في 1995 و1996, ووفد الإعلاميين في عام 2000.

وفي هذا السياق عينه شكل حضور الجزائر في الندوة الأولى لرؤساء أركان الدفاع بلدان حلف شمال الأطلسي ورؤساء أركان بلدان الحوار المتوسطي التي انعقدت في شهر نوفمبر 2004 في بروكسيل في بلجيكيا بمشاركة ست دول عربية هي إلى جانب الجزائر كل من مصر والأردن والمغرب وتونس وموريتانيا, فضلا عن الكيان الصهيوني, خروجا عن تعهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في حملته الرئاسية بعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني.و الندوة التي حضرها رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح, هي الثانية التي تشارك فيها الجزائر على الرغم من الوجود الصهيوني, حيث كان رئيس الأركان السابق محمد العماري شارك في لقاء مماثل ضم “إسرائيل” أيضا.

وفي أعقاب انتهاء الحرب الباردة بدأ حلف الأطلسي السعي لتعزيز وجوده في الشرق الأوسط لكن هذه المساعي لم تلق نجاحا يذكر لاسيما أن كثيرين في العالم العربي يرون الحلف منظمة تهيمن عليها الولايات المتحدة وتريد التدخل في شؤونهم. وكانت المحادثات على العشاء جزءا من حملة جديدة للحلف المكون من 26 دولة للتغلب على هذه الشكوك وتزامن مع تحركات أوسع تقودها واشنطن لتعزيز الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الشرق الأوسط وإفريقيا.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ياب دي هوب شيفر للصحفيين بعد المأدبة التي استمرت ساعتين في وسط بروكسل “هذا طريق له حارتان. إنه ليس فرض موقف على الآخرين”.

وأضاف قوله “انه عن السبل السياسية للعمل معا وتبادل معلومات الاستخبارات والأهم هو بناء الثقة… ولا شك أننا يجب أن نعمل لتحسين صورة حلف الأطلسي في المنطقة”.

ولم يتفق على صفقات معينة لكن دي هوب شيفر قال إن السبعة سيكون لهم الحرية للمساعدة في البعثات القائمة لحلف الأطلسي مثل عملية مكافحة الإرهاب التي تراقب السفن في شرق البحر المتوسط.

وتمخض عن تلك الندوة اعتزام قوات أربعة بلدان مغاربية إجراء مناورات في مطلع العام الحالي مع قوات من الحلف الأطلسي وقوات “إسرائيلية” والتي تردّد أنها كانت السبب الرئيسي وراء غضب القذافي وتنازله عن رئاسة الاتحاد المغاربي. وهذا الأمر ليس جديداً تماما.ً فالبلدان المعنية وهي الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا تقوم بمناورات عسكرية دورية مع جيوش بلدان أعضاء في الحلف منذ زمن بعيد. لكن الجديد هو أن تتم هذه المناورات تحت خيمة “الأطلسي” تنفيذاً للشراكة التي بنيت في قمة اسطنبول الأخيرة وأتت تتويجاً لما سمي بـ”الحوار المتوسطي” الذي انطلق قبل عشر سنوات وشمل، إلى جانب البلدان المغاربية، كلاً من “إسرائيل” ومصر والأردن.

لكن الجديد في المناورات المغاربية – الأطلسية المقبلة هو إدخال “إسرائيل” على خط “الشراكة” بوصفها أحد أركان “الحوار المتوسطي” مع الحلف منذ انطلاقه، وكانت مشاركتها في اجتماعي وزراء الخارجية ورؤساء الأركان الأخيرين إلى جانب ممثلي البلدان المغاربية ظاهرة أمام عدسات المصورين بل كادت تعتبر أمراً مألوفاً. إلا أن ذلك الانعطاف يشكل بلا ريب نقلة في العلاقات المغاربية  “الإسرائيلية” التي لم تصل بعد إلى مستوى إجراء مناورات مشتركة على رغم كل أنواع التطبيع التي كرست على الصعد السياسية والاقتصادية والرياضية والثقافية. وتبدو البلدان المغاربية كما لو أنها تتنافس على التقارب مع الدولة العبرية للتقرّب من واشنطن ونيل حظوة لديها مع أننا بعيدون جداً عن التسوية العادلة والشاملة للملف الفلسطيني التي كانت تقدّم على أنها شرط مسبق للتطبيع.

إن الهاجس الأول من وراء هذه “الشراكة” أمني بالدرجة الأولى , أي يصب في خدمة الأمن الأمريكي بالتلازم مع الأمن الصهيوني. فالشراكة التي تريدها الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك الإتحاد الأوروبي مع البلدان المغاربية, سواء تعلق الأمر بالمشاريع الأمريكية التي كان آخرها “الشرق الأوسط الكبير” أو لدى الإتحاد الأوروبي أيضاً الذي أحلّ “سياسة الجوار ” محل مسار برشلونة الأورومتوسطي منذ قمته السنوية العام الماضي في بروكسيل, تحتوي على كلمة سرواحدة هي الأمن: أي مكافحة الإرهاب والهجرة غير المشروعة في علاقات الأميركيين والأوروبيين على السواء مع الضفة الجنوبية للمتوسط.

ليبيا والتطبيع مع الكيان الصهيوني

على الرغم أن ليبيا اعترضت رسمياً على المناورات المشتركة مع الصهاينة, إلا أن المؤشرات تشير إلى حدوث تقارب بين ليبيا والكيان الصهيوني, بعد تعهد الزعيم الليبي معمر القذافي في نهاية العام 2003, التخلي عن الأسلحة غير التقليدية في خطورة رحبت بها الولايات المتحدة الأمريكية. وكان وفد من اليهود الإيطاليين من أصل ليبي زار طرابليس في أكتوبر الماضي, والتقى مسؤولين ليبيين. وكانت صحيفة “معاريف” `ذكرت في عددها الصادر يوم 12 أكتوبر 2003, أن الرئيس الليبي استقبل مجموعة من اليهود الإيطاليين. وفي السياق عينه , قال نجل الرئيس الليبي سيف الإسلام, إن طرابلس ” ماضية في التغيير والإصلاح ولا رجعة إلى الوراء من أجل الاندماج في المجتمع الدولي” مؤكدا أن “ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس”. وكان سيف الإسلام معمر القذافي وعد “الإسرائيليين” الذين هاجروا من ليبيا بمنحهم تعويضات على العقارات والأموال التي تركوها في ليبيا.

ومنذ تجسيد السياسة الخارجية الليبية القطيعة مع ماضيها الثوري الملتزم بقضايا الأمة العربية , وقضايا التحرر الوطني في العالم الثالث , تسارعت وتيرة التطبيع بينها وبين الكيان الصهيوني سريعا. ومن المؤشرات على هذه السياسة الجديدة: بعد زيارة وفد اليهود من أصول، سربت أوساط إعلامية حصول لقاء في وقت سابق من هذا العام بين العقيد القذافي ورافايلو فلاح رئيس “جمعية يهود ليبيا”، وبداية الاتصال بين وزير خارجية “إسرائيل” سيلفان شالوم و”مسؤولين ليبيين”، وتصريح سيف الإسلام القذافي إلى جريدة “الأهرام” المصرية حول “عودة اليهود الليبيين المرحّب بهم في بلدهم”، ودعوة نائب رئيس الكنيست موشي كحلون من حزب الليكود للقيام بزيارة طرابلس يرافقه وفد من اليهود الليبيين، بعد اللقاء العام الذي يعقده يهود ليبيا في روما قبل نهاية العام المنصرم، ولو أن نائب أمين الخارجية الليبي حسونة الشاوش أوضح أن كحلون “إذا وجهت الدعوة إليه فإن ذلك قد يكون باعتباره من أصل ليبي أو من ممثلي اليهود الليبيين، وليس بصفته الرسمية”… هذه كلها مؤشرات توحي بأن طرابلس عاقدة العزم على المضي قدما في ركبها قطار التطبيع كي لا يفوتها.. ومن المعروف أن رافايلو فلاح هو الذي استقبل “الحجاج” الليبيين الذين زاروا القدس قبل سنوات. ويبلغ عدد اليهود الليبيين نحو 140 ألفاً، بينهم 130 ألفاً في الكيان الصهيوني، والباقي موزّع على دول أوروبية، وفي إيطاليا بشكل خاص. وكان نحو 38 ألفاً من بينهم قد غادروا البلاد بعد حرب 1967. وصدر قانون ليبي بتاريخ 27 تموز 1970 يقضي بتعويض ليبيين من يهود وغيرهم صودرت أملاكهم.

و كان الزعيم الليبي معمر القذافي فاجأ العرب واليهود عندما أعلن استعداده، في خطاب ألقاه بمناسبة الذكري الخامسة والثلاثين لثورة الفاتح، دفع تعويضات لليهود الليبيين الذين اجبروا علي ترك منازلهم. وإذا كان صحيحا ان دخل ليبيا السنوي من النفط بات يقترب من العشرين مليار دولار بعد ارتفاع أسعار النفط، إلا أن هذا لا يعني توزيع هذا الدخل في مسلسل للتعويضات بدأ بصندوق ضحايا لوكربي ويوتا ولابيل (الملهي الألماني) وصولا إلي اليهود الليبيين وأملاكهم. فالليبيون أولي بهذه الأموال، وأحق بالتعويضات عن سنوات الحرمان الأخيرة.

الأرجح أن الزعيم الليبي يريد شيئا ما، لعله تحييد اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وأوروبا واستمالة الغرب، مما يعني انتصار الجناح الليبي الذي يطالب بالاتجاه شمالا، والاندماج في الاقتصاد الأوروبي وإدارة الظهر للعرب والأفارقة معا، باعتبار الطرفين مستودعا للتخلف والأمراض السياسية والاجتماعية.

“التطبيع” للاندماج في الاقتصاد الدولي

يشهد المغرب العربي تهافت الحكام المغاربيين على إسماع زوارهم ووزرائهم أنه لا بد من التوصل إلى اتفاقات ثنائية مع “إسرائيل”، وأن “التبادل الحر” معها صار شرطا أساسيا لتكريس العلاقات مع أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية , والتنعم بحسنات “التبادل الحر” مع أوروبا التي تستأثر بالأساس بمعظم تجارة دول المغرب العربي، والالتحاق جزئيا بالقطار الأمريكي كانت دول المغرب العربي تنظر إلى النظام الشرق أوسطي الجديد كفرصة للتطبيع مع الكيان الصهيوني وانتزاع بعض المكاسب والاستثمارات الاقتصادية من الدول الصناعية الغربية والغنية باسم عملية السلام وفي سياقها.

وكانت نتيجة الحرب الباردة بين القوتين العظمتين قد حسمت بانتقال العالم من القطبية الثنائية إلى نظام القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة، وتوجت بانتقال حالة الصراع من المنافسة السياسية والعسكرية إلى الاقتصاد، مما عزز التوجه نحو إنشاء التكتلات الاقتصادية العملاقة. وبادرت الولايات المتحدة إلى إنشاء منطقة تجارة حرة مع المكسيك وكندا ” نافتا “، وتوجهت الدول الأوروبية الغربية لتطوير منطقة تجارة حرة بينها للارتقاء بمستوى الاتحاد الأوروبي طبقا لاتفاقية “ماستريخت” للوحدة السياسية والاقتصادية. وكمحصلة لانتهاء الحرب الباردة، انتهت فعليا مرحلة منح المساعدات السهلة لدول الجنوب. ومنها دول المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا)، إذ أنفقت مليارات الدولارات خلال الأربعين عاما الماضية بهدف استقطاب الأطراف لأحد القطبين، وقد انتهت الحاجة إلى ذلك، وأصبح الاستمرار بالاعتماد على المصادر المالية الخارجية الرسمية والحصول عليها واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وزيادة القدرة على كسب العملات الأجنبية، مرتبطة ارتباطا وثيقا بإقامة العلاقات الديبلوماسية مع الكيان الصهيوني، باعتباره يقوم بدور الوسيط المالي بين المنطقة العربية والعالم الرأسمالي. وتصر الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد الدولي) على أن الشرط الرئيسي لحصول الدول المغاربية على المساعدات والاستثمارات يتطلب منها “التطبيع” مع الكيان الصهيوني. ويعتبر “البعد الاقتصادي” للتسوية مداعبة لحلم صهيوني قديم تحدث عنه تيدور هرتزل في روايته السياسية اليوتوبية، إذ أشار إلى أهمية قيام ” كومنولث ” عربي-يهودي بين “إسرائيل” والاقتصاديات العربية، بحيث يجري خلق مصالح اقتصادية متبادلة تسمح بدخول “إسرائيل” في النسيج الاقتصادي العربي لتصبح “إسرائيل” مثابة “سنغافورة الشرق الأوسط”. وتأتي خطط أوروبا القديمة-الجديدة لمنطقة المغرب العربي في هذا السياق، إذ تطمح إسبانيا لأن تضطلع بالدور القيادي في المنطقة بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي. وأصبح الاتحاد الأوروبي أقسى بكثير خلال السنوات الأخيرة على صعيد الشروط التي يضعها للتعاون الاقتصادي، مشددا الربط بين شروطه، وهي التطبيع مع الكيان الصهيوني، وشروط صندوق النقد الدولي.

ويأتي تطبيع علاقات تونس والمغرب وموريتانيا مع الكيان الصهيوني وإقامة العلاقات الديبلوماسية معه في إطار انخراط هذه الأطراف، كل من جانبه، في علاقات دونية مع “إسرائيل”، وتكريس الاتجاه التنافري القائم بين الدول العربية، وما ولده من رد فعل معاد لفكرة القومية العربية وللقضية الفلسطينية، خصوصا أن سياسة “التطبيع” هذه التي تصدرها كل من تونس والمغرب، تعمل على التأسيس لتداعيات سياسية وثقافية تسرع تآكل فكرة الهوية العربية/ الإسلامية، وتروج لفكرة الانخراط في النظام الشرق أوسطي قيد التشكيل، إذ إن دخول الدول العربية فرادى فيه يساهم في بلورة هذا النظام الشرق أوسطي على الأقل في مجال “التطبيع” الاقتصادي والسياسي.

ويبرر المسؤولون التونسيون والمغربيون والموريتانيون إفساحهم في المجال أمام الكيان الصهيوني لكي يخترق ويغزو الأسواق المغاربية، بأنهم يعلقون آمالا كبيرة على الوفود السياحية الصهيونية لزيارة المناطق السياحية التونسية والمغربية. وعلى الصهاينة الأثرياء من أصل مغاربي لجلب أموالهم الوفيرة واستثمارها في بلدهم الأم والاستفادة من خبرتهم والتجارية، وكذلك توفير إمكانات لتدفق الاستثمارات “الإسرائيلية” إلى كل من تونس المغرب، وعلى الانخراط في الاستقطاب الاقتصادي الصهيوني الذي يسعى إلى قيام “السوق الشرق أوسطية” باعتبار قيامها احتمالا تاريخيا قائما في ظل غياب البديل القوي المؤسسي لقيام سوق عربية مشتركة.

واكتشفت دول المغرب العربي، ولا سيما تونس والمغرب، شراسة المنافسة الصهيونية التي لا حدود لها. فقد بادر الكيان الصهيوني إلى ترتيب علاقاته التجارية والاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي الذي استجاب لكل مطالب “إسرائيل”، في حين لا تزال أقطار المغرب في وضع تفاوضي غير متكافئ مع الأوروبيين وهي مفاوضات ستفضي في أفضل الحالات إلى اتفاقات مجحفة بحق البلدان المغاربية. كما أن دول المغرب العربي أصبحت تعاني من تداعيات المنافسة “الإسرائيلية” المدمرة على اقتصادياتها في مجالات السياحة والزراعة والخدمات التجارية والمالية وغيرها، والتي بدأت تلحق أضرارا بالغة بالمجالات الاقتصادية في أقطار المغرب العربي.

وهكذا فإن الازدهار الاقتصادي الذي بشر به الحكام المغاربيون وخبراء صندوق النقد الدولي، لجلب أموال الصهاينة الأثرياء لاستثمارها في أقطار المغرب العربي، قد تبخر في فضاء الرهانات الخاسرة بسبب “التطبيع” مع “إسرائيل”. وأصبح خط التطبيع من وجهة نظر الدول المغاربية المتناقضة جذريا مع مفهوم الدولة الوطنية ن هو الخط الذي يشرع تكثيف العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني، باعتباره “الخط الواقعي” المنسجم مع السياسة الأميركية / الصهيونية التي تريد فرض السلام الأميركي-الصهيوني على الأمة العربية، لتكون إسرائيل نواة النظام الشرق أوسطي الذي لا يزال في بداية تشكله والذي يبنى حاليا بالاستناد إلى المعادلات الدولية والإقليمية التالية:

أولا: القبول بالهيمنة الأميركية على وظيفة القيادة في ” النظام الدولي الجديد ” وفي مختلف المجالات، من السياسة إلى الاقتصاد مرورا بالثقافة والعلوم والتكنولوجيا.

ثانيا: القبول بالدور القائد “لإسرائيل” للنظام الشرق أوسطي، باعتباره دورا ضروريا لتطوير ” تجارة حرة ” إقليمية تكون محركتها “إسرائيل” نفسها، لدفع صادراتها إلى المنطقة العربية، واقتحام أسواق الخليج وأسواق المغرب العربي ن وتحولها قبلة اقتصادية لعموم النشاط الاقتصادي الإقليمي بالنظر إلى حجم اقتصادها الكبير وحجم صادراتها ومستوى “التكنولوجيا المتقدمة فيها” وتفوقها النووي والمعلوماتي، وشراكتها الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والحضارية مع المراكز الرأسمالية المغربية عامة، والولايات المتحدة الأميركية خاصة.

ثالثا: إعادة هيكلة الاقتصادات العربية وإعادة قولبتها في إطار جديد للتقسيم الامبريالي للعمل، إذ أن عمليات الخلخلة ن وكذلك عملية الخضوع للتقسيم الإقليمي والدولي للعمل، تشكل مدخلا ضروريا لإقامة السوق الشرق أوسطية في ظل ضعف البنية الصناعية والتنظيمية للرأسمالية العربية التابعة والهامشية، وتطور الرأسمالية الصناعية والمالية الإسرائيلية والرأسمالية الصهيونية العالمية، الأمر الذي يجعل ” الرأسمالية العربية مرشحة في أحسن الأحوال لدور (junior partner) في إطار السوق الشرق أوسطية والترتيبات الاقتصادية الشرق أوسطية الجديدة، على حد قول الدكتور محمود عبد الفضيل.

من هنا، وعلى الرغم من الضجيج الذي يثيره إعلام الدول المغاربية حول المشاريع الكثيرة المزمع تنفيذها بفضل التطبيع مع “إسرائيل”، فإن هذه الأخيرة لن تحمل أي أمل في التقدم الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية، بل إنها معدة لتامين وجود “إسرائيل” قوية ومتفوقة، لأن الإبقاء على “إسرائيل” قوية وقادرة على التدخل والتأثير يمثل في نظر الولايات المتحدة أعظم ضمانة ضد الانقلابات والتغيرات غير المرغوب فيها، والتي يمكن أن تطرأ وتهدد الأوضاع السياسية والاجتماعية في دول المغرب العربي والمشرق العربي على حد سواء.

الخاتمة

يخطئ من يعتقد أن التطبيع مع الكيان الصهيوني كفيل بتحسين أوضاع الحكومات المغاربية داخليا وخارجيا بل أن المبادرات التي تقوم بها الدبلوماسيات المغاربية في قضية الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون سوى دور ظرفي سرعان ما يفقد جذوته بمجرد أن تفتح أبواب منطقة الخليج والمغرب العربيين في وجه الوجود الصهيوني..

لذلك لا يمكن أن يكون التطبيع مع الكيان الصهيوني بديلا عن الإصلاح السياسي في منطقة المغرب العربي , بل أن الصلح مع الداخل هو ملاذ الأنظمة العربية الوحيد في وجه أخطار التهاوي والسقوط بعد أن أضحى إصلاحها على رأس أجندة الولايات المتحدة الأمريكية.

والحال هذه, فإن الهرولة المغاربية باتجاه الكيان الصهيوني تصبح غير مبررة, ولن تجني منها البلدان المعنية شيئاً لأن الصهاينة لا يقدمون هدايا لأحد.

وتدل هذه العلاقات المغاربية  الصهيونية النشطة إلى أن الكلام الذي يقال في القمم العربية والاجتماعات الوزارية في وادٍ والسياسات الفعلية في وادٍ آخر. وهي سياسات خفية تصاغ وتنفذ في ظل التكتم والتستّر الشديدين لأنها مقطوعة عن الداخل ولا تعكس سوى الاستجابة للضغوط الأميركية والابتزازالصهيوني. واستطراداً فالدول المغاربية لم تعد ترى أن أي من درجات الخلاف يفصل بينها وبين الكيان الصهيوني , ماداما يعملان كليهما لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية, ومادامت أهدافهما موحدة على صعيد مكافحة ما يسمى الإرهاب, لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية.- الصهيونية الشرق أوسطية, التي تنص على تفتيت الدول العربية القائمة إلى دويلات طائفية وعرقية وإثنية الخ…و استهلاك قواها في حروب داخلية وتدمير قواها المنتجة, وإنهاكها في صراعات أٌليمة تحول دون الدفاع عن حقوقها ووجودها, وتجعلها تنشد الأمان في أحضان السياسة الأمريكية  الصهيونية.

وفي مثل هذا التطبيع يصبح الكيان الصهيوني حكما في النزاعات المغاربية, وبذلك لا يكون طرفا مقبولا من العرب فحسب, بل يصبح أيضا طرفا مرغوبا بالصداقة معه والتحالف بحيث يتم الاستقواء به ضد أي طرف عربي آخر من خلال إدماجه الضمني أو المعلن في صلب الخلافات العربية, وضمن ميزان القوى الداخلي في المنظومة العربية.