لم تنته العلاقات بين المغرب وإسرائيل يوم 23 أكتوبر 2000 بإغلاق مكتبي الاتصال بكل من الرباط وتل أبيب. فمثلما استمرت الاتصالات السياسية بين الطرفين، تارة بشكل رسمي وتارة عبر الدبلوماسية الموازية والسرية، ظلت المصالح الاقتصادية قائمة بين المغرب وإسرائيل كما تدل على ذلك العديد من المؤشرات.

حسب المعطيات التي ينشرها معهد التصدير الإسرائيلي بشكل دوري، يتبين أن حجم الصادرات الإسرائيلية نحو المغرب بلغ سنة 2003 حوالي 6,7 مليون دولار، في حين بلغ حجم الصادرات المغربية نحو تل أبيب 1,2 مليون دولار. وتشير الأرقام التي نشرها المعهد مؤخرا أن حجم التبادل شهد ارتفاعا لصالح إسرائيل سنة 2004، حيث بلغت حجم الصادرات الإسرائيلية نحو بلادنا ما يناهز 8,4 مليون دولار، في حين لم تتعد الصادرات المغربية اتجاه تل أبيب 1,5 مليون دولار.

عجز تجاري اتجاه إسرائيل

وفقا لمعطيات معهد التصدير الإسرائيلي إلى الدول العربية ارتفعت منذ بداية العام 2003، بنسبة 13%، وبلغت نحو 88 مليون دولار، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها في العامين المنصرمين. كما تشير نفس المعطيات إلى أن الصادرات الإسرائيلية قد ارتفعت إلى المغرب بنسبة 6%، وبلغت نحو أربعة ملايين دولار. وكان حجم هذه الصادرات قد بلغ في النصف الأول من سنة 2002 حوالي 1,3 مليون دولار بعد انخفاض بنسبة 54%، وشملت المنتوجات المصدرة من إسرائيل نحو المغرب المنتوجات الكيماوية (خاصة البذور) والبلاستيك والمطاط. وفي المقابل، ازداد حجم الاستيراد الإسرائيلي من المغرب في نفس الفترة بـ68% وبلغ 850 ألف دولار. وخلال نهاية سنة 2002 سينخفض حجم التصدير إلى المغرب بنسبة 34%، حيث بلغت قيمته 4 ملايين دولار. وارتفع حجم الاستيراد من المغرب بنسبة 66%، حيث بلغت قيمته 1,22 مليون دولار.

وفي تقرير حول الحركة التجارية بين إسرائيل والدول العربية لمعهد التصدير الإسرائيلي، انخفض التصدير في النصف الأول من سنة 2002 من إسرائيل إلى الدول العربية بنسبة 29% مقارنة بالفترة المقابلة من السنة الماضية ووصل إلى 48,4 مليون دولار. ومقابل ذلك، ارتفعت نسبة الاستيراد من الدول العربية بـ11% ليبلغ 36,1 مليون دولار.

ويستدل من تقرير نفس المعهد أنه خلال سنة 2001 كان لارتفاع حجم الصادرات الإسرائيلية إلى الأردن والمغرب، (ارتفعت الصادرات إلى المغرب بنسبة 18% وبلغت قيمتها 9,9 مليون دولار) تأثير إيجابي على مجمل حركة الصادرات الإسرائيلية للدول العربية، وخصوصا مع انتقال مصانع النسيج إلى الأردن، الذي أصبح مصدرا لانطلاق الصادرات الإسرائيلية إلى الدول العربية.

وقد سبق لـ”مؤسسة الدراسات الفلسطينية” أن نشرت تقريرا حول العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل، أكدت فيه أن التبادل التجاري بين المغرب وإسرائيل، أكبر مما هو معلن، وأشارت إلى تصريح كان أدلى به وزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي، يؤكد فيه أن حجم التبادل التجاري مع المغرب يساوي نحو 100 مليون دولار، وأن حجم التصدير مساو تقريبا لحجم الاستيراد.

وترجع بعض المصادر تطبيع العلاقات الاقتصادية بين العرب وإسرائيل إلى الضغوط الأمريكية التي دفعت إلى التخلي عن المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل من الدرجة الثالثة (مقاطعة الشركات المتعاملة مع الشركات المتعاملة مع إسرائيل)، والتخلي أيضا عن المقاطعة من الدرجة الثانية (مقاطعة الشركات المتعاملة مع إسرائيل مباشرة)، لتبقى المقاطعة الاقتصادية من الدرجة الأولى، أي المقاطعة الاقتصاجية العربية المباشرة لإسرائيل وبضائعها وخدماتها وشركاتها من أي نوع. وهذا النوع من المقاطعة عرف هو الآخر عدة اختراقات، ولم تعد الجامعة العربية قادرة على فرض قراراتها على الدول الأعضاء.

مصادر مغربية مهتمة بالتبادل التجاري أكدت أن إسرائيل عملت دائما على ترويج منتوجاتها داخل المغرب عبر تغيير العلامة التجارية واستخدام دولة ثالثة، عادة ما تكون أوربية، كما أن العديد من السلع الآتية من الأردن تعود في الأصل إلى شركات إسرائيلية تتواجد بالمنطقة الصناعية الحرة.

الفلاحة أهم قطاع لتغلغل إسرائيل

التبادل التجاري بين المغرب وإسرائيل يتم في الغالب عن طريق وسيط ثالث، بعلم الطرفين، حيث تلج المنتوجات والسلع الإسرائيلية إلى الأسواق المغربية وهي تحمل علامات تجارية لا تشير إلى بلد المنشأ. وفي هذا الإطار، تقول مصادر اقتصادية، يعتبر المجال الفلاحي من أكبر القطاعات التي تستهلك المنتوجات الإسرائيلية، خاصة في مجال تقنيات السقي والبذور. ويتابع نفس المصدر أن العديد من المساعدات التقنية التي يمنحها الاتحاد الأوربي للمغرب في المجال الفلاحي عبارة عن منتوجات وآليات إسرائيلية وبصفة خاصة بذور الفواكه والخضر وتقنيات الري.

كما تشير مصادر أخرى إلى أن العديد من الضيعات الفلاحية في الغرب وسوس وبن سليمان سهر على إنشائها خبراء من إسرائيل.

وأكد عضو في إحدى الغرف الفلاحية أن البذور الفلاحية الإسرائيلية تسوق بكثرة بالمغرب منذ سنوات. ويضيف أن بذور الطماطم والخضروات منتشرة على نطاق واسع بالجنوب المغربي، كما أن بذور وشتائل التفاح القادمة من إسرائيل تستعمل في ضيعات مكناس والحاجب والحوز، فيما يتم استعمال بذور وشتائل الموز بالجديدة وأكادير.

إضافة إلى العلاقات التجارية، التي ينفيها الخطاب الرسمي، تربط المغرب وإسرائيل عدة علاقات على مستوى المنتديات الاقتصادية الإقليمية والدولية، حيث يتم تبادل الخبرات والتجارب. وقد ذكرت بعض المصادر الصحافية أن وفودا تجارية مغربية وبعض رجال الأعمال قاموا بزيارة إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

وكانت جمعيات مدنية مغربية قد احتجت خلال صيف سنة 2000 على إرسال عدة وفود إلى إسرائيل بدعوى التكوين في مجال التعاونيات الفلاحية. كما عبرت عدة فعاليات مدنية عن احتجاجها خلال نفس الفترة ضد زيارة مسؤولين فلاحيين إسرائيليين للمغرب. وقد رد وزير الفلاحة المغربي آنذاك إسماعيل العلوي، بأن الحكومة ليست لها علاقة بزيارة الوفد الإسرائيلي، رغم أنه أقر أن الزيارة ذات طبيعة تجارية. الوفد الإسرائيلي كان قد زار آنذاك عدة مدن مغربية من بينها أكادير ومراكش والتقى بمسؤولين بالغرف الفلاحية.

وحول هذه الزيارة، تشير بيانات “معهد التصدير الإسرائيلي” أن الوفد الفلاحي الإسرائيلي حمل معه دليلا وزعه على الذين حضروا اللقاء، ويتضمن معلومات عن الشركات الإسرائيلية في قطاع الفلاحة، مثل السقي والأسمدة والزراعة المغطاة وتربية الدواجن. وحسب معطيات نفس المعهد، فإن تلك الزيارة لم تكن الأولى، بل سبقتها وأعقبتها عدة زيارات بعضها لم يتم الإعلان عنه.

رهانات إسرائيل العربية

يراهن الإسرائيليون على التطبيع الاقتصادي مع العرب بالدرجة الأولى. ويرى المخططون الاستراتيجيون بتل أبيب أن التعاون الاقتصادي مع الدول العربية يشكل رهانا أساسيا للمصالح الإسرائيلية بالنظر لعدة معطيات، أولها الجانب الجغرافي حيث القرب من الدول العربية، ثانيا الإمكانيات المالية الضخمة للدول العربية خاصة الخليجية وقدرتها على امتصاص السلع الإسرائيلية.

وتعتبر بعض المصادر الفلسطينية أن إسرائيل كانت المستفيد الأول من المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا المعروف باسم مؤتمر (MENA)، الذي انعقد بكل من الدار البيضاء، وعمان والقاهرة، والدوحة، حيث كثفت من محاولات اختراق الاقتصاديات العربية وتكسير المقاطعة العربية بضغط من الإدارة الأمريكية. ومن مؤشرات هذا النجاح أن آخر اجتماع لمكتب المقاطعة العربية لم ينعقد منذ أبريل من سنة 1993، إضافة إلى قيام بعض الدول العربية بتصفية مكاتب المقاطعة لديها تصفية تامة، فيما استمر الاجتماع الوزاري لجامعة الدول العربية نصف السنوي في مناقشة بعض قضايا المقاطعة دون تطبيقها.

وقد سبق لمكتب التجارة الأمريكي أن أكد في تقريره السنوي لسنة 2000 نجاح الولايات المتحدة في تفكيك المقاطعة، وذكر التقرير أن مصر لم تطبق أي وجه من أوجه المقاطعة الرسمية منذ 1980، وأنهى الأردن رسميا التزامه بجميع أوجه المقاطعة منذ 16 غشت 1998. كما أعلنت دول مجالس التعاون الخليجي (البحرين، الكويت، عُمان، قطر، السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة) في شتنبر 1994 عدم التزامها بالمقاطعة من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة (وهو قرار كانت قد أعلنته الكويت من قبل).

وأضاف تقرير مكتب التجارة الأمريكي أن سلطنة عمان وقطر أنهت سنة 1996، تطبيق المقاطعة، ومن الدول العربية الأخرى الأعضاء في الجامعة العربية التي توقفت عن تنفيذ المقاطعة توجد موريتانيا والمغرب وتونس واليمن التي تخلت عن تطبيق المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة في سنة 1995، والجزائر التي ما زالت تلتزم بالمقاطعة من حيث المبدأ، لا من خلال الممارسة. وفي لبنان، يتم تنفيذ المقاطعة الأساسية عامة، ولكن المسؤولين اللبنانيين ينفذون المقاطعة من الدرجة الثانية والثالثة بطريقة انتقائية، حسب التقرير. ويذكر أن الآثار الاقتصادية للمقاطعة على الاقتصاد الإسرائيلي تصنف كخسائر سنوية قدرت على مدار 45 سنة بنحو 53 مليار دولار.

وإذا كانت إسرائيل قد نجحت في تكسير المقاطعة الرسمية، فإنها عملت جاهدة على اختراق الأسواق العربية عبر طرف ثالث لتجنب الإشارة إلى مصدر تلك السلع. وعادة ما تتولى هذه المهمة شركات تصدير بإسبانيا وفرنسا بالنسبة للمغرب العربي، وشركات تصدير من قبرص ومصر والأردن بالنسبة لدول الخليج.

وتبعا لذلك، فالرابح الأول من تطبيع العلاقات الاقتصادية هو تل أبيب. فحجم السوق الإسرائيلية لا تستطيع استيعاب المنتوجات العربية، في حين تعتبر السوق العربية مجالا حيويا للسلع الإسرائيلية، حسب “مؤسسة الدراسات الفلسطينية”.

وحسب “معهد الصادرات الإسرائيلي” يقدر حجم هذه الصادرات نحو الأردن بحوالي 150 مليون دولار أمريكي على الأقل، وهي مرشحة للتوسع بفضل تمركز الشركات الإسرائيلية بالمنطقة الاقتصادية المشتركة شمال الأردن. في حين يتوقع الإسرائيليون زيادة صادراتهم إلى مصر لتتجاوز 200 مليون دولار على الأقل، خاصة بعد توقيع اتفاق إنشاء منطقة اقتصادية حرة خلال الشهر الأخير.

ويرى “معهد الصادرات الإسرائيلي” أن هناك إمكانيات كبيرة للتصدير إلى أسواق الإمارات العربية، يمكن أن تصل إلى حوالي 400 مليون دولار، خاصة أن واردات هذه الأخيرة تصل إلى حوالي 30 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع مستوى المعيشة بها وزيادة القدرة الشرائية لسكانها. وتراهن إسرائيل على الإمارات كمعبر إلى الأسواق الخليجية وإلى باقي الدول العربية والهندية وإيران.

وحسب نفس المعهد، يركز الإسرائيليون على الاستثمار في المغرب، بصفة خاصة، في مجال إنشاء المصانع المشتركة، ويراهنون على القطاع الفلاحي، خاصة بعد إنشاء عدد من المزارع في المغرب. ويتوقع أن يصل حجم صادراتهم إلى المغرب إلى 200 مليون دولار.