المحور الثاني: آليات شرعنة احتكار السلطة:

رأينا في المحور الأول من هذا الموضوع، المرجعيات التي يرتكن إليها النظام السياسي ويبرر من خلالها احتكاره للسلطة في المغرب، في هذا المحور نقف عند الآليات التي يصوغ بها هذا الاحتكار.

إذا كانت المرجعيات هي البِنى الفكرية والقواعد النظرية التي تشكل الخلفية التصورية، فإن الآليات لها دلالة الأدوات والقنوات التي يصرف بها وعبرها النظام السياسي هذه البنى والقواعد. فعندما تقوم المرجعيات بالدور “التشريعي” داخل مفهوم الشرعنة، تتصدى الآليات للجانب “التنفيذي” عبر محاكاتها وعلاقتها المباشرة بالوعي الجمعي.

ومن ثم يمكننا القول، إن الآليات أجرأة للمرجعيات.

بتوظيفه لآليات خاصة، يروم صانع القرار السياسي بالمغرب تبرير سلوك السلطة القائم على مركزة التدبير السياسي، هذه الآليات هدفها الإبقاء على واقع الصمت” وانتزاع حال “الرضى” عن واقع الأحادية المفرطة في الحكم واستبداد الدولة بالمجتمع.

ولغاية مقصودة، لا يربط النظام السياسي كل الآليات به ربطا مباشرا، أي ثمة آليات تشتغل من داخل نسق النظام وأخرى من خارجه. وبصيغة أخرى إن استنطاق آليات شرعنة احتكار السلطة يدفعنا منهجيا إلى التمييز بين آليات ترتبط ببنية الدولة وأخرى ببنية المجتمع.

أولا: آليات الشرعنة من داخل بنية الدولة:

للنظام السياسي قنوات وأدوات رسمية يشتغل بها داخل محيطه المجتمعي، آليات تتحدث باسمه، تعبر عن اختياراته، تدافع عن سلوكاته، وتشكل جزءا مهما من ذاتيته وبنيته.

احتكار الملكية وحاشيتها للسلطة في المغرب يرافقه توظيف دائم لآليات شرعنة “رسمية”، هذه الآليات ثابتة معنى وهدفا، متغيرة شكلا ووسيلة، أهمها: الدستور، المؤسسات الدستورية، ونخبة البلاط.

1) الدستور: منحة الحاكم

تشكل الدساتير أعلى تعبير عن إرادة الأمم المحترمة من قبل أنظمتها الحاكمة، ويفترض في هذه الدساتير أن تعكس الهوية وترسم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحدد بوضوح السلطات والمسؤوليات والصلاحيات والواجبات. أما عندما يصبح الدستور منة الحاكم ومنحته، وتجسيدا مطلقا لإرادته، فإنه يصبح في الوقت نفسه مظهرا لاحتكار السلطة وآلية لشرعنة ذلك. المتصفح للدستور المغربي بما هو دستور ممنوح، ينكشف لديه بوضوح حجم التركيز المركز للسلطة بين يدي الملك، وما الفصول 19، 23، 24، 28، 34، 35، 39، 66.. إلا عاكسة لهذه الحقيقة، من أجل ذلك يريد النظام السياسي المغربي الدستور آلية تصويغ وتبرير لهذا التركيز.

الدستور من الناحية المبدئية، هو أسمى قانون يحكم المجتمع والدولة، وهذا ما يستلزم بالتبع التسليم بـ”شرعية” مضامينه، لذالك فعندما يُسائل المسؤول الأول في الدولة عن حجم سلطاته وقدرته التدخلية في كل الشؤون، يستدل على شرعية صلاحياته وسلطاته ما دامت منصوص عليها في صلب الدستور.

إن استنطاق مكنون الفصل 19 من الدستور المغربي يوحي بأن عبارات: أمير، الممثل، رمز، ضامن، حامي، الساهر، له صيانة، الضامن، تشير إلى معقولية ومنطقية ما يتمتع به الملك من سلطات إزاء ما يشكله حضوره من “قيمة” رمزية وفعلية، وما يقدمه من “خدمات للأمة”. هذا ناهيك عن أن كل هذه السلطات تم إقرارها دستوريا، فلا جدوى من “مناقشتها” بعد ذلك. ولعلنا جميعا نستحضر تعيين الملك للتقنوقراطي إدريس جطو وزيرا أولا للحكومة المنبثقة عن انتخابات 27 شتنبر 2002، وما صاحب ذلك من مخالفة للمنهجية الديمقراطية على حد تعبير حزب الاتحاد الاشتراكي، حيث تم تبرير ذلك بممارسة الملك لصلاحياته الدستورية (الفصل 24 من الدستور).

إن “دسترة” شرعنة احتكار الملكية للسلطة تصبح أكثر قوة إزاء الطقوس المحيطة بالدستور، سواء من حيث وضعه أو صياغته أو تعديله، حتى إن المطالبة بمراجعته وتعديله غالبا ما كانت محتشمة وجزئية في الحياة السياسية للمغرب الحديث.

2) المؤسسات الدستورية: صورية السلط

تقيم المؤسسات الدستورية والسياسية بما تملكه من سلطات نوعا من التوازن في صياغة معادلة طبيعة النظم السياسية. إن كان هذا هو التصور الذي يقدمه الفقه الدستوري، فإن واقع الحال داخل الدولة المغربية ينفي عن هذه المؤسسات كل معنى، ويلغي أدوارها الحقيقية سوى دور “الوظيفة” ومهمة “الالتزام” وتبرير سلوك صاحب السلط الحقيقي، وقد عبر عن ذلك الملك الراحل صراحة: “أقول للنواب: إن الوزراء هم أعواني، وأنتم كذلك أعواني .. في البرلمان”(1).

إن وظيفة الأعوان -أو “سوبير مخازنية” على حد تعبير الأستاذ الحبيب الفرقاني (2)- التي كُلّف بها أعضاء هذه المؤسسات تقتضي أول ما تقتضي تنفيذ المهام الموكولة إليهم من جهة واستحداث الصيغ والمصوغات التي تبرر التسلط والاحتكار من جهة ثانية.

وفي هذا المساق نجد تسابقا محموما، بين مكونات هذه المؤسسات الصورية، إلى استجداء عطف صاحب الوظيفة وكسب رضى الملك، عن طريق دعم مركزته للسلطة وشرعنة ذلك.

ويكفي أن نستحضر هنا الضوابط الدستورية التي ترسم طبيعة العلاقة بين الملك والمؤسسات الدستورية (الحكومة، البرلمان، القضاء، المجلس الدستوري..)، ليتضح لنا أن هذه المؤسسات أنشئت أساسا لخدمة الرغبة والتوجه الملكيين وليس لتمثيل الشعب وحل مشاكله.

فمثلا نجد في الباب الخامس الذي ينظم علاقة السلط بعضها ببعض، العلاقة بين الملك والبرلمان، حيث ينص الفصل 67 “للملك أن يطلب من كلا مجلسي البرلمان أن يقرأ قراءة جديدة كل مشروع أو اقتراح قانون” وبالرجوع إلى النظام الداخلي لمجلس النواب في الجزء الثالث الخاص بالتشريع، نقرأ في المادة 120 “عندما يطلب جلالة الملك قراءة جديدة لمشروع أو مقترح قانون أو بعض فصوله طبقا للفصل السابع والستين من الدستور يحيط الرئيس المجلس علما بخطاب جلالة الملك” وفي المادة 122: “يتحتم على اللجنة أن تنظر في النص في أجل لا يتعدى في أي حال من الأحوال خمسة عشر يوما..”. إن قبول البرلمان، الذي يفترض فيه امتلاك سلطة التشريع، بكل إملاءات القصر ليؤكد حرصه على أداء وظيفته الأساسية وهي إضفاء طابع “الشرعية” على السلوك السياسي للملكية في المغرب، بل و يكفي الصمت تصويغا والرضى تبريرا عن النصوص الدستورية الواضحة الفاضحة التي تؤطر عمل البرلمان وباقي المؤسسات، حيث إن الفصل 28 مثلا ينص صراحة” للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش”.

ثمة استغراب معقول يطرحه الباحث في أداء هذه المؤسسات (خاصة البرلمان والحكومة)، وهو رضاها بأن تلحق بها كل قوادح التقصير وغياب التنسيق وعدم إنجاز المهام … إزاء قرارات وخطط لا تملك إمكانية صياغتها وتنفيذها، في الوقت الذي تنسب فيه كل الحسنات إلى مؤسسة القصر ورجالاته المقربين. بل إن المستغرب ليحار عندما يعتصم “موظفو” هذه المؤسسات أثناء المحاسبة السياسية والمساءلة الإعلامية بمظلة، قال وأمر وأشار … “صاحب الجلالة”.

3) نخبة البلاط : مخزنة العقل

ارتبطت النخبة في الفكر السياسي الحديث بالقدرة على الدفع بالمجتمعات في اتجاه الأحسن معرفيا وأخلاقيا وسياسيا واقتصاديا. وإدراكا منه لضرورة تطعيم صفه بمجموعة من النخب التي لها مؤهلات الفهم والقيادة والتسيير، عمل النظام السياسي المغربي على تهيئة مجموعة من الأفراد واستقطاب أخرى لتكون دائما في صفه تعبّر عن توجهاته وتمنطق سلوكاته، واختص جزءا منها للحديث الرسمي باسمه. استطاع المخزن استقطاب العديد من النخب المغربية إلى صفه ودمجها في مشروعه وبنيته وغيب عناها دورها الريادي وأفقدها رسالتها الحقيقية، حتى باتت باحثة عن مصالحها الخاصة عبر وسائل الاغتناء، مستفيدة من الارتقاء في السلم الاجتماعي ومتماهية مع الاختيارات الرسمية للنظام السياسي مهما كانت ظالمة. وهي منتشرة اليوم في كل أسلاك الدولة وأجهزتها، بل ومنغرسة حتى داخل المجتمع، ومنها من كان معارضا جذريا بالأمس لاختيارات الدولة اللاشرعية.

إن نواة هذه النخب هي ما يصطلح عليها بنخبة البلاط، أي النخبة المركزية التي تدير البلاد وتتخذ القرارات تحت الإشراف المباشر للملك، ونتحدث هنا عن مستشاري الملك والمتحدثين باسمه في الديوان الملكي وكذا بعض مراكز القرار النافذة، وهي النخبة التي تشكل ما يسميه البعض بالحكومة الحقيقية.

هذه النخبة تخاطب مكونات المجتمع وتستقطب معارضي الخط الرسمي للدولة وتفاوض القوى والشخصيات الوازنة وتبرر وتشرعن هيمنة القصر واحتكار الملك لحقيقة السلطة. من أجل ذلك تحاط هذه النخبة بتركيز خاص إعدادا وولاءا، وفي هذا السياق يتحدث الأستاذ محمد شقير عن مجموعة من قنوات إعداد النخب الرسمية، من أهمها القناة التعليمية إذ يقول: “عمل النظام المخزني على إنشاء مجموعة من المؤسسات التعليمية من بينها المدرسة المولوية التي تعتبر المؤسسة الأساسية لتخريج الطبقة المخزنية وإعادة إنتاجها. فالمعهد المولوي لتربية الأمراء بمن فيهم ولي العهد والنخبة التي تشكل النواة الصلبة للنظام المخزني سواء للقيام بمهام تسيير إداري أو اقتصادي” (3). ويحرص هذا النظام التربوي “على زرع وشائج التلاحم بينها  أي النخب- وتوطيد وترسيخ علاقات الولاء والمتمحورة بالأساس حول شخص ولي العهد الذي سيصبح ملكا” (4).

ومن ثمة يوظف النظام السياسي المغربي نخبة البلاط أساسا ( وباقي النخب المستقطبة)، بما تملكه من قدرة على السفسطة والتبرير، كآلية لشرعنة احتكار السلطة.

ثانيا: آليات الشرعنة من داخل بنية المجتمعتسعى الدولة إلى اختلاق أصوات لها من داخل المجتمع تنادي بشعاراتها، ووكلاء يدافعون بالنيابة عن اختياراتها، حتى تبدو سلوكاتها مشروعة ومجتمعية، أو على الأقل لها قبول وأنصار من طرف أجزاء مهمة من المجتمع.

يرتبط بوضوح هذه الفكرة استحضار أمرين:

– السلوك السياسي للدولة رغم افتقاده للدعم الشعبي، فإنه يمتلك آلية شرعنة إضافية عندما ينخرط الإعلامي والموظف والمدرس .. في تبرير هذا السلوك، وللأمر تأثير لا ينكر.

– الحديث عن اختلاق النظام السياسي لدوائر له تذود عنه من داخل المجتمع، لا ينفي وجود أطراف تدافع عنه بحسن نية إما لبساطة الفهم أو غموض الصورة .. لكن ما دمنا نتحدث عن تبرير وتصويغ وشرعنة لاحتكار واضح وملموس لسلطة مطلقة تدبّر بشكل انفرادي أحادي فإن الأمر غالبا ما يرتبط بتوظيف مقصود لمؤسسات ترسم لها أدوار محددة.

آليات الشرعنة التي تعتمدها الملكية من داخل المجتمع متعددة نذكر منها: الأحزاب السياسية والفقهاء والإعلام.

1- الأحزاب السياسية: إيديولوجية المصلحة

استطاع النظام السياسي المغربي إدماج جل الأحزاب السياسية المغربية في اختياراته المعزولة عن المدد الشعبي والمفتقدة للسند الشرعي، وذلك بعد صراع دموي مع بعض الأحزاب -خاصة ما عرف بالأحزاب الوطنية وتنظيمات اليسار الجذري- حيث ما لبثت هذه الأحزاب أن انشقت وتصدعت واهترأت إيديولوجيتها بل وتنازلت عن كل المبادئ وباعت معطف “القيم” لتنتقل من النظرة الطوباوية إلى النضج السياسي الواقعي والبرغماتي. وما تجربة حزب الاتحاد الاشتراكي خلال تسعينيات القرن الماضي إلا نموذج لانتصار الاستراتيجية الاحتوائية على حد تعبير الأستاذ محمد ضريف.

نكست الأحزاب السياسية أعلام: القوة السياسية والتصور الإيدلويوجي والبنية التنظيمية والبرنامج السياسي والوصول إلى السلطة ومساءلة مشروعية النظام … لترفع لافتات: الثوابت الوطنية والمقدسات الدستورية والتغيير من الداخل وملكية المجتمع والمصلحة الوطنية ونبذ العدمية السياسية .. و لتتحول بذلك الأحزاب السياسية  ولكل قاعدة استثناء- إلى أبواق للدعاية الرسمية ودكاكين لتدجين إرادة الأعضاء وتعطيل إمكانيات الوعي بحقائق الأشياء وعرقلة عجلة النهوض للتغيير والبناء، وأصبح المغربي لا يميز بين خطاب زعيم حزبي وبلاغ “حسن أوريد” الناطق باسم القصر الملكي.

وقد ذهب الدكتور يونس برادة إلى القول بالتسييج الدستوري للوظيفة الحزبية عندما “لجأ المشرع الدستوري وهو الملك أولا وأخيرا منذ 1970، وهو الواقع نفسه بالنسبة للدساتير الثلاثة الأخرى المراجعة لسنوات 1972 و1992 و1996 إلى تسييج وظيفة الحزب في النسق السياسي المغربي، وبذلك أصبح الحزب السياسي مجرد طرف في تنظيم المواطنين وتمثيلهم ترتيبا على منطوق البند الأول من الفصل الثالث من الدستور الذي ينص على أن الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم”(5).

لقد واكب هذا الحرص من طرف المشرع الدستوري / الملك على إفراغ الأحزاب السياسية من جوهر وجودها وتحويلها إلى ديكور لتزيين الواجهة السياسية للمغرب، قابلية الأحزاب السياسية وإسلاسها التام من أجل تقمص الأدوار الجديدة، وهذا ما أقرته مسودة قانون الأحزاب السياسية الحالية، في مادتها الثالثة “تساهم الأحزاب السياسية في تنظيم المواطنين وتمثيلهم. وبهذه الصفة، فهي تساهم في نشر الثقافة السياسية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة وتكوين نخب قادرة على تحمل المسؤوليات العمومية وتنشيط الحقل السياسي”(6).

إن هذا الارتداد عن أداء الأدوار الحقيقية المرسومة للحزب السياسي، وفي ظل الصراع على المواقع والمصالح والكراسي، استتبعه تصدي الأحزاب لوظيفة التبرير ودور التصويغ لسلوك الملكية المرتكز على الاستفراد بتدبير الشأن العام .

2- الفقهاء : تأويلات النص

أكدنا أثناء الحديث عن مرجعية “الدين” على التوظيف الرسمي للرموز والدلالات الدينية لإكساب الحاكم الشرعية “الإسلامية” التي تخول له حكم الشعب المغربي المسلم.

يسعى النظام السياسي إلى الصياغة والتأثير في الفهم الشرعي لطبيعة العلاقة التي ينبغي أن ترتسم داخل المجتمع المسلم بين الراع والرعية، وهو من أجل ذلك يوظف مؤسسة “العلماء” نظرا لتأثير العالم وعلاقته التوجيهية التي تربطه بعموم الشعب. وإذا كانت الرابطة المحمدية لعلماء المغرب وجمعية علماء خريجي دار الحديث الحسنية … ترتبط بشكل مباشر بالدولة وتعبر عن وجهة نظرها، فإن الملكية تسعى إلى استغلال فهوم تقليدية لنصوص شرعية تؤبد الطاعة غير المشروطة وتصبغ عليها طابع الفريضة الدينية، وإلا فخلع ربقة البيعة يعني الميتة الجاهلية.

ولعله ينجلي بوضوح الدور الذي رسم للفقهاء، عندما أصدر الأستاذ عبد السلام ياسين مذكرة إلى من يهمه الأمر داعيا الملك إلى إعادة بناء الحكم على المداخل السليمة للمشروعية، حيث انبرى أقلام ومنابر “الطاعة” للذود عن “حرمة” “أمير المؤمنين”، إذ النصيحة في الملإ فضيحة والإجماع منعقد لا مبرر لخرقه ؟؟

ثمة آيات وأحاديث تنص على الطاعة “للأمير” وأخرى تحث على العصيان والخروج على “الصبيان” ، اجتهد العلماء الأسلاف لزمانهم ووفق ظروفهم دفعا لفتنة أشد وحفاظا على بويضة الإسلام.

أما اليوم فالظرف والزمن مختلفين يستدعيان إعادة تحديد الموقف السليم الذي ينسجم مع شرع الله العادل ويتناغم مع رحى الإسلام الدائرة في صف القرآن خلافة ثانية على منهاج النبوة.

تأويلات الفقهاء للكثير من النصوص، تدعو إلى الطاعة للأمير ما دام يقيم الصلاة (ولإقامة الصلاة معنى غير قائم)، هذا الفهم يصب في نهاية المطاف في خانة عدم مناقشة حدود الاختصاصات وإطلاقية السلطة التي يتمتع بها الملك.

وحتى لا تدخل في دائرة “العصيان” أمم النظام السياسي المغربي المساجد وجعلها تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بل وتحكم في مصادر أرزاق العلماء وحدّ من مستواهم المعيشي، كل ذلك بهدف الحفاظ على التبعية التي تستحيل معها القدرة على الاستقلال بالاجتهاد الذي يصدع بالحق، ودفعا بالعلماء والفقهاء، من خلال خطب الأعياد والطاعة والدعوات وحتى السكوت، إلى تبرير غير مباشر لاحتكار السلطة ومركزة التسيير بشكل استبدادي ينافي جوهر الشرع الحكيم.

3- الإعلام: “حرية” التعليق

الإعلام سلطة، سلطة بما يملكه من قدرة على صناعة الرأي العام وتوجيه العقول وحشد التأييد عبر تأثير الكلمة ورنة الصوت وسحر الصورة.

تملك الدولة المغربية آلة الترخيص والمنع والدعم التي بها تتحكم في المشهد الإعلامي، إذ توجهه لخدمة سياستها العامة، و في المقابل تخرس وتضيق على كل إعلام لا يساير هذا الخط. وفي هذا الإطار ينص ظهير 1958 بمثابة قانون الصحافة  تم تعديله سنوات 1971 و1973 و2002- في البند الأول من الفصل 41: “يعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات وبغرامة يتراوح قدرها بين 10.000 و100.000 درهم كل من أخل بالاحترام الواجب للملك وأصحاب السمو الملكي والأمراء والأميرات بإحدى الوسائل المنصوص عليها في الفصل 38” وفي الفصل 38 نجد من بين الوسائل “المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع في الأماكن أو الاجتماعات العمومية” وكذا “مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية والإلكترونية”.

إن هذا التضييق على العمل الإعلامي نابع من ذهنية احتكارية تروم إدماج كل صوت وكلمة لتسبح بحمد النظام السياسي وتعقلن سلوكه مهما كان مشتطا أو مناقضا لمبادئ الشرع والعقل. ولدفعه في هذا الاتجاه يتدخل الملك في الحقل الإعلامي بشكل مباشر ودائم “فقد قررنا أن نمنح كل عام “الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة”… ولهذه الغاية نطلب من حكومة جلالتنا أن تعد مشروع نص تنظيمي لهذه الجائزة الكبرى بتشاور مع الجمعيات المهنية الإعلامية”(7) ، والأمر نفسه يسري على قانون رقم 77.03 المتعلق بتحرير القطاع السمعي البصري “يشكل هذا المشروع ترجمة للإرادة السياسية للحكومة “ويهدف” إلى ترسيخ النهج الديمقراطي الذي رسمه صاحب الجلالة الملك محمد السادس” (8). ناهيك عن إحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بنص ظهير وتعيين أعضائها(9) بعيدا عن كل انتخاب يجريه العاملون في المجال.

يضاف إلى التدخل المباشر للملك ما يمتلكه النظام السياسي من آليتي الدعم المالي والمنع المخزني إزاء المشهد الإعلامي.

فرغم أن الدولة كانت تعتبر “الحزبية” معيارا لمنح الدعم المالي للصحف (أي حصر التمويل على الجرائد الحزبية)، فإنها عرفت بتقديم أموال الشعب للإعلام الذي يتفنن في إخراج صورة “عقلانية” عن سلوك النظام السياسي المغربي (مجموعة ماروك سوار مثلا) أو يتصدى لحرب “المناوئين” (الأحداث المغربية مثلا)، مما دفع المهتمين إلى التساؤل حول المعيار الحقيقي الذي يعتمده النظام المغربي في تحديد مستحقي التمويل.

وفي مقابل الدعم المالي يستخدم المخزن آلية المنع إزاء المنابر الإعلامية المستعصية على الترويض، سواء عبر تبني المسلك القضائي أو من خلال انتهاج الوسائل القهرية لوزارة الداخلية، ويكفي أن نذكر هنا بالمنع المخزني الجائر واللاقانوني في حق جريدتي “رسالة الفتوة” و”العدل والإحسان”، وأيضا التوقيف الذي تعرضت له كل من الأيام والصحيفة ولوجورنال إبان حكومة عبد الرحمان اليوسفي وكذا محاكمة علي المرابط ومصطفى العلوي ومحمد الهرد في ظل “العهد الجديد”.

يقال بأن الخطوط الحمراء التي تم إقرارها دستوريا وسياسيا يصعب تجاوزها إعلاميا، ومن تم تنخرط أجزاء مهمة من داخل المشهد الإعلامي في تبرير وشرعنة احتكار الملكية للسلطة في المغرب. مستغلة ما تملكه من إمكانيات فن التمويه إزاء ما تملكه الدولة من إمكانيات المنع المخزني والدعم المالي.

يسعى النظام السياسي، من خلال آليات شرعنة رسمية ترتبط ببنية الدولة  منها: الدستور، المؤسسات الدستورية ونخبة البلاط- وأخرى غير رسمية ترتبط ببنية المجتمع  منها: الأحزاب السياسية، الفقهاء والإعلام- ، إلى تبرير احتكار الملكية للسلطة المطلقة بالمغرب.

إلا أنه ورغم ارتكازه على مرجعيات معينة وآليات خاصة، لم يستطع النظام السياسي المغربي إخفاء المظاهر المفضوحة لاحتكار السلطة (المحور الثالث).

الهوامش:

(1) Le Maroc en marche discours d S.M. Hassan II depuis son avènement au trône. P.205.

نقلا عن كتاب “المغرب في مفترق الطرق: قراءة في المشهد السياسي، لمحمد ضريف.

(2) محمد الحبيب الفرقاني، المغرب في أزماته الثلاث، ص. 34.

(3) محمد شقير، مخزنة النخب السياسية العصرية بالمغرب: مكونات المخزنة وتقنياتها، موجود على موقع aljamaa.net .

(4) نفس المرجع.

(5) يونس برادة: الفعل الحزبي وسؤال الديمقراطية في المغرب: قراءة في طبيعة النظام السياسي المغربي وجوهر الممارسة الحزبية. موقع التجديد العربي.

(6) للمزيد من الاطلاع على مسودة قانون الأحزاب السياسي وإدراك بعض خباياها، انظر ملف الأحزاب السياسية في نافذة ملفات على موقع aljamaa.net.

(7) رسالة الملك إلى أسرة الصحافة والإعلام في 15 نونبر 2002 بمناسبة اليوم الوطني للإعلام.

(8) مشروع القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، عن المركز الوطني للتوثيق.

(9) وفق البلاغ الصادر عن الديوان الملكي في 13/11/2003 وبناءا على الفقرة الأولى من المادة السادسة من الظهير رقم 1-212-02 بتاريخ 31 غشت 2002 المتعلق بإحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، فقد عين الملك رئيس الهيئة (أحمد غزال) وأربعة أعضاء آخرين وعين الوزير الأول ورئيسي مجلسي النواب والمستشارين الأربعة أعضاء المتبقين.