1- التعريف بالفقه لغة واصطلاحا:الفقه في اللغة الفهم والإدراك، ومنه قوله تعالى في سورة الإسراء: “وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم”، وقوله تعالى في سورة النساء: “فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا” وقوله تعالى في سورة هود: “ما نفقه كثيرا مما تقول”. فمعنى الآية الأولى: لا تفهمون تسبيحهم، والثانية: لا يفهمون حديثا.

وأما في الاصطلاح فهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

فـالعلم: المقصود في التعريف هو الإدراك الذي يتناول العلم والظن. العلم بمعنى الإدراك الجازم على سبيل اليقين والجزم، والظن بمعنى إدراك الحكم من دليله على سبيل الرجحان.

والأحـكام: جمع حكم وهو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءا أو تخييرا أو وضعا.

والشرعية: أي المأخوذة من الشرع وفي ذلك إخراج للأحكام العقلية واللغوية و الوصفية.

والعمليــة: احتراز من الأحكام الاعتقادية والعلمية.

والمكتسب: احتراز عن علم الله وملائكته وعلم رسول الله الحاصل من غير اجتهاد.

التفصيــلية: يخرج بهذا القيد علم المقلدين للأئمة المذاهب في هذه الأحكام.

2- الفقه الجامع:أطلق الفقه في الصدر الأول على علم الآخرة وطلبها والسعي الدؤوب لتحقيق حسن العاقبة في الدنيا والآخرة. وهذا ما جاء ببيانه القرآن في قوله تعالى في سورة التوبة: “ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليه لعلهم يحذرون”، ومعلوم أن الإنذار والتخويف لا يحصل بما يدرس في الفقه بالمعنى الاصطلاحي السابق من فروع الطهارة والزكاة والطلاق والمعاملات. ولقد كان مفهوم الفقه واضحا عند الأئمة الأوائل.

ولعل هذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”(1) ولقد أجاب الحسن البصري من سأله (فرقد السبخي): إن الفقهاء يخالفونك قائلا: “ثكلتك أمك فريقد، وهل رأيت فقيها بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه. الكافُّ نفسه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم(2).

وهذا ما أوضحه أبو حنيفة بقوله: “الفقه معرفة النفس مالها وما عليها” كما روي عنه أن الفقه فقهان؛ فقه أكبر وفقه أصغر، جامعا بذلك فقه الفروع الفقهية بالمعنى الخاص، وفقه الأخلاق والزهد والرضا والصبر وحضور القلب مع الله تعالى في سائر الأعمال. وعلى هذا سار العلماء أمثال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وغيرهم كثير رحمهم الله جميعا. روي عن الشافعي قوله: إذا أنت خفت على علمك من العجب فانظر رضا من تطلب؟ وفي أي ثواب ترغب؟ ومن أي عقاب تهرب؟ وأي عافية تشكر؟ وأي بلاء تذكر؟ فإنك إذا تفكرت في واحد من هذه الخصال صغر في عينيك عملك. وكان يقول:” من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه”(3).

وقد روي عن الإمام مالك أنه قال: “العلم نور يجعله الله حيث يشاء وليس بكثرة الرواية”. وروي عن ابن المبارك قوله: “كان أبو حنيفة رحمه الله له مروءة وكثرة صلاة”. وقال حماد بن أبي سليمان: “كان أبو حنيفة يحي الليل كله”.

وسئل سعد بن إبراهيم الزهري أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم لله تعالى.

وهكذا يتضح أن علم الفقه في أصله هو علم طريق الآخرة، وقد تصرف فيه العلماء بعد السلف الصالح من التابعين والأئمة المعتبرين بالتخصيص، فحصر بمعرفة فروع المسائل والفتاوى الفقهية.

وقد حذر الأئمة الكبار من التجرد على الدوام لعلم الفقه بالمعنى الأخص لأنه يقسي القلب وينزع الخشية منه، والعياذ بالله.

3- خصائص الفقه الذي نريد:إذا كنا سندرس الفقه بالمعنى الخاص فيما يأتي من دروس كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاملات من طلاق وزواج ولعان وإجارة وسلم وغيرها من الفروع الفقهية، فينبغي ألا يخفى علينا مفهوم الفقه عند الصحابة والتابعين والأئمة المأخوذ عنهم الفقه الفروعي.

وعليه يجب أن يكون فقهنا جامعا مميزا بخصائص معينة نذكر منها:

1- توخي اليسر والبساطة.

2- الابتعاد عن الشاذ من الآراء.

3- تبني الراجح من الآراء الفقهية المرتبطة بواقع الأمة وظروفها.

4- الابتعاد عن التلفيق وتتبع الرخص.

5- الجمع والتوفيق بين النص وغايته المقاصدية ما أمكن، ومع مراعاة الحاجات والمصالح.

6- الابتعاد عن الاجتهادات الفقهية التي لا ينبني عليها عمل.

7- توخي الارتباط بالنص الشرعي مباشرة ما أمكن بعيدا عن تأويل المتأولين.

8- ربط الفقه الفروعي بفقه القلوب لأن الفصل بينهما جناية عليهما معا.

4- أدلة الفقه الشرعية:نجد في الاجتهادات الفقهية حديثا عن الكتاب والسنة، ويظن البعض من أصحاب الذهنيات التبسيطية والذرية أن الدليل ما انحصر في الكتاب والسنة، ولو كان الأمر كذلك ما توسعت دائرة الخلافات الفقهية. فينبغي أن نعرف أن الأدلة متعددة وتختلف أحيانا من مجتهد لآخر وهذا ينعكس على اجتهاد كل مجتهد في الفروع.

والمتفق عليه بين الفقهاء على الجملة هو:

1- الكتاب.

2- السنة.

3- الإجماع.

4- القياس إلا شذوذ لا يعتد به.

وهناك أدلة مختلف فيها نذكر منها:

1- الاستحسان.

2- سد الذرائع.

3- المصالح المرسلة.

4- العرف.

5- عمل أهل المدينة.

6- عمل الصحابي.

7- شرع من قبلنا.

8- الاستصحاب.

5- أقسام الفقه:ينبغي أن نشير بداية أن هذه التقسيمات هي تقسيمات إجرائية لا أقل ولا أكثر وقد تتداخل وقد تختلف من مصنف لآخر.

وأشهر هذه التقسيمات تقسيم الفقه إلى:

” أحكام العبادات.

” وأحكام المعاملات، وتحتها:

– أحكام الأحوال الشخصية.

– الأحكام المدنية والأحكام الجنائية.

– الأحكام الدستورية والدولية.

– الأحكام الاقتصادية والمالية.

الهوامش:

(1) متفق عليه.

(2) إحياء علوم الدين للغزالي 1 / ص44.

(3) إحياء علوم الدين 1 / 37 ـ 38.