1- حديث أبي حميد الساعدي:عن أبي حميد الساعدي أنه قال وهو في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة: “أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما كنت أقدم منا له صحبة، ولا أكثرنا له إتيانا؟ قال بلى، قالوا: فاعرض، فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى يحاذي بها منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع، رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم قال الله أكبر، وركع.

ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع(1)، ووضع يديه على ركبتيه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ورفع يديه واعتدل، حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا.

ثم هوى إلى الأرض ساجدا ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد عليها، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ثم نهض.

ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا أقام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة ثم صنع ذلك، حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته آخر رجله اليسرى، وقعد على شقه متوركا(2) ثم سلم. قالوا صدقت، هكذا صلى صلى الله عليه وسلم(3).

وروى مالك بن الحويرث أن رسول عليه الصلاة والسلام قال: “صلوا كما رأيتموني أصلي”.

2 كيفية الصلاة:بعد أن يحقق المصلي شروط الصلاة يكبر تكبيرة الإحرام وجوبا، قائلا: “الله أكبر” رافعا يديه، مفرجا أصابعه، محاذيا، بإبهاميه حذو منكبيه واضعا كفه اليمنى على اليسرى تحت صدره.

وينظر المصلي إلى موضع سجوده، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح(4)، ويتعوذ، ويسمي ثم يقرأ الفاتحة، ويؤمِّن بعد قراءة “الضالين”، ويقرأ ما تيسر من القرآن.

ثم يكبر للركوع مع ابتداء الانحناء وينهيه بانتهائه رافعا يديه عند الجمهور، آخذا ركبتيه بيديه مطمئنا، مفرجا أصابعه، باسطا ظهره مستقيما غير رافع الرأس ولا خافضه، ناصبا ساقيه، مجافيا مرفقيه عن جنبيه، قائلا ثلاثا أو أكثر: “سبحان ربي العظيم وبحمده”.

ثم يرفع رأسه من الركوع قائلا: “سمع الله لمن حمده” ويقول المأموم سرا ربنا ولك الحمد رافعا يديه مطمئنا حال الاعتدال. ثم يهوي للسجود واضعا ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته، وأنفه، ويقدم يديه عند المالكية، ناصبا قدميه، موجها أصابعهما نحو القبلة، مجافيا بطنه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، واضعا كفيه حذو منكبيه ناشرا أصابعهما مضمومة للقبلة معتمدا عليهما مطمئنا في سجوده قائلا: “سبحان ربي الأعلى وبحمده” ثلاثا فأكثر. ثم يرفع رأسه مكبرا، ويجلس بين السجدتين مطمئنا، مفترشا رجله اليسرى ويجلس عليهما ناصبا رجله اليمنى، واضعا يديه على فخذيه قائلا: “ربي اغفر لي وارحمني واهدني وارقني واجبرني واعف عني وعافني” ثم يكبر للسجود، ويسجد السجدة الثانية كالأولى. ثم يكبر عند النهوض للركعة الثانية معتمدا بيديه على الأرض، فإذا استوى قائما لم يقرأ الاستفتاح بالاتفاق، مبسملا قارئا الفاتحة وما تيسر من القرآن.

ثم يركع ويسجد في الركعة الأولى، وليقنت في صلاة الصبح قبل الركوع عند المالكية، ويجوز بعده وفي الوتر في جميع السنة عند الحنابلة، فإذا أتم السجدة الثانية من الركعة الثانية جلس للتشهد الأول مفترشا عند الجمهور، موجها أصابعه نحو القبلة، واضعا يديه على فخذيه، باسطا اليسرى، قابضا ما عدا السبابة في اليمنى مع تحريكها من أول التشهد عند المالكية أو الإشارة عند “لا إله” ثم وضعها عند “إلا الله “، ثم يقرأ التشهد بأي صيغة أراد من الصيغ المسنونة إلى قوله صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، ويضم في التشهد الأخير الصلاة الإبراهيمية. ويتورك،ويدعو بما شاء، ثم يسلم عن يمينه وشماله في الصلاة الثنائية قائلا: “السلام عليك ورحمة الله وبركاته”.

فإن كانت الصلاة ثلاثية، أتى بركعة ثالثة، ثم يتشهد و يسلم، وإن كانت رباعية، أتى بركعتين، ثم يتشهد ويسلم، ولا يقرأ غير الفاتحة في الفريضة في الركعتين الثالثة والرابعة.

3- مبطلات الصلاة: 1- ترك النية.

2- ترك ركن أو شرط من شروط الصلاة عمدا.

3- ترك ركن سهوا حتى سلم وطال تركه عرفا.

4- زيادة ركن فعلي عمدا كركوع أو سجود بخلا ف زيادة ركن قولي كالقراءة.

5- زيادة التشهد بعد الركعة الأولى عمدا في حالة الجلوس.

6- القهقهة عمدا أو سهوا.

7- تعمد أكل ولو لقمة بمضغها أو شرب ولو قل.

8- الكلام عمدا لغير إصلاح الصلاة.

9- التصويت عمدا.

10- النفخ بالفم عمدا.

11- القيء عمدا ولو كان قليلا.

12- السلام عمدا حال الشك في تمام الصلاة.

13- طروء ناقض للوضوء أو تذكره.

14- كشف العورة المغلظة أو شيء منها.

15- طروء نجاسة على المصلي أو علمه بها أثناء الصلاة.

16- الفعل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة عمدا أو سهوا.

17- طروء شاغل عن إتمام فرض كاحتباس بول أو غثيان.

18- تذكره أولى الصلاتين المشتركتين في الوقت في الصلاة الثانية كالظهر والعصر. فإذا كان يصلي العصر فتذكر أنه لم يصلي الظهر، بطلت صلاته.

19- الردة.

20- ترك ثلاث سنن من سنن الصلاة سهوا مع ترك السجود لها حتى سلم وطال الأمر عرفا.

21- تذكر المتيمم الماء في صلاته.

22- صلاة الفريضة في جوف الكعبة أو على ظهرها.

وهناك مبطلات أخرى أوصلها المالكية إلى ثلاثين، وبعضها كالمتداخل.

4- بعض المعاني الباطنية التي يتحقق بها روح الصلاة:يقول أبو محمد عبد الجليل الأندلسي القصري السبتي في كتابه شعب الإيمان في شعبة الصلاة الخامسة: “وتأدية الصلاة وإقامة ركوعها وسجودها وتلاوتها ظاهر الإسلام، ما روح الصلاة وفهم معانيها، ففي مقامي الإيمان والإحسان فإن أولها بعد التطهير والنظافة والدخول على الملك، الانتهاض إلى موضوع الصلاة، وهي البقعة المقدسة من مسجد مبني وغير مبني، فالمراد بالانتهاض والمشي انتهاض القلب والباطن ودخوله إلى عالم الملكوت وخروجه، عن عالم الدنيا حتى يدخل إلى معبد الملائكة الذي وجب الإيمان بهم في العالم المقدس الذي ليس فيه ما يشغل عن الصلاة.

ثم القيام إلى الصلاة والمراد قيام القلب إلى أعلى عليين بين يدي الله تعالى، ثم رفع اليدين، والمراد به التخلي عن جميع الأشياء مع الفقر والفاقة إلى الله تعالى، ثم إحضار النية، والمراد بها التقرب إلى الله بالصلاة، و إخراج ما في القلب سوى من أقبل عليه، وذلك إشراف على من توجه إليه وغيبه عن غيره. فإذا أشرف على المطلوب يرفع الحجب الشاغلة عن القلب، فيقول: الله أكبر من أن يقبل على غيره أو يلتفت له، من أجل ما عرف من جلالة القدر أخذ في الثناء على الله بالفاتحة فيقول: “الحمد لله” الذي هو على ما هو عليه” رب العالمين ” أي سيد العالمين، فتتجلى له صفة السيادة لله & ، ويناجيه بكلامه فيفهم من كلامه ومحادثته مع الله بفاتحة الكتاب والسورة، ما يوجب له الخضوع بين يديه فيركع لزيادة التعظيم & ، فيقول: “الله أكبر” منحطا للركوع، أي أكبر مما وقع في نفسه من تعظيمه.

والمراد من ركوع الجسد خضوع النفس والروح في مقام الإيمان والإحسان بين يدي كبرياء الجليل العظيم.. ولذلك أمر أن يقول في ركوعه: “سبحان ربي العظيم ، لما شاهد من معنى التعظيم الذي خضع له فيرفعه الله تعالى بكرمه إلى حالته الأولى التي هرب منها إلى الركوع لأنه لما تواضع لله& ، رفعه الله إليه، فإذا رفعه إليه شاهد العبد نعمة الله عليه في رفعه فيبتدئ بالحمد والثناء فيقول: “سمع الله لمن حمده. ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه”، فيجد في وقوفه طمأنينة وحلاوة المزيد والنعمة التي رفعه الله بها، وهي استدعاؤه إلى القيام، فخر ساجدا شاكرا لما أولاه، فيضع وجهه على الأرض ظاهرا، و نفسه وروحه تحت الثرى الذي ليس وراءه في السفل منتهى إلا نفوس العارفين والأولياء.

فإذا وضع في السجود نفسه أسفل من كل سفل بالمعنى الذي هو الذل، شاهد من سفله عُلى ربه فقال: “سبحان ربي الأعلى”. فاستدعاه ربه للرفع والقرب من البعد.

ومعنى التسبيح في الركوع والسجود تنزيه المركوع له والمسجود له من حالة الركوع و السجود، أي سبحان من هو بخلاف حالة الركوع والسجود، فلما استدعاه للرفع بين السجدتين، قعد بالعجز بين يديه، لأنه لم يطق القيام لما شاهد في السجود من الإجلال والإعظام فقعد بين يديه بالسكينة والعجز & وأقر بالعجز له، يقول في قعوده بين السجدتين: “رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم ” فيجد رحمة الله قد غشيته، والمغفرة قد غمرته، لأنه تجلى له بالوصف الزائد على الوصف الأول من أجل أن الرحمة مقرونة بالضعف ومسرعة إلى الاستكانة، فزاد سجودا آخر بحكم وصف آخر، فعاد بالتواضع الذي هو المراد من السجود، حتى لو وجد أن يضع نفسه في أسفل سافل مما وضعها فيه لوضعها، وقد وجد الله مع كل رفع وخفض&

ثم يدعو ربه إلى الاقتراب منه وهو معنى القيام إلى الركعة الثانية فيجري له ما جرى له في الأول لكن بحكم الزيادة.

فإذا فرغ من الإقرار والشهادة بكل ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الإيمان بالغيوب، والدعاء والسؤال، فعند ذلك تمت له النعم بتمام الصلاة وكمالها، ووجب التحلل منها بتمامها فأمر بالخروج إلى عالم الحس والملك فعند ذلك قال: “السلام عليكم”، لأنه كان في الحضرة العلية خارجا عن عالم الحس مودعا له كما قال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صل صلاة مودع”.

أي لأنه خارج على هذا العالم إلى الحضرة العلية فإذا قام على هذا العالم وشاهد من حوله من الأملاك والإنس قال: “السلام عليكم”.

فيسلم على من بيمينه وشماله، وحل له ما حرم عليه قبل ذلك، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: “تحريمها التكبير وتحليلها التسليم”.

وقد أجمل الإمام الغزالي هذه المعاني في الإحياء في ستة أمور:(5)

الأول: حضور القلب، وهو أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له و متكلم به.

الثاني: التفهم، وهو معنى وراء حضور القلب، فقد يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو المراد بالتفهم، وهو مقام يتفاوت الناس فيه.

الثالث: التعظيم، استحضار عظمة من يقف بين يديه.

الرابع: الهيبة، وهي زائدة على التعظيم، بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم، فالهيبة خوف مصدره الإجلال.

الخامس: الرجاء فهو أمر زائد أيضا على ما سبق فكم من ملك يعظمه الناس ويهابونه ولكن لا يرجون مثوبته، فالعبد يرجو بصلاته ثواب الله ويخاف بتقصيره عقابه.

السادس: الحياء، وهو أمر زائد أيضا لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب.أما الرجاء فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم فضله وإحسانه ولطائفه وباستشعار التقصير في العبادة وعلم بالعجز تقوى المعرفة بعيوب النفس وآفاتها.

ولحضور هذه المعاني أسباب فحضور القلب سببه الهمة، فلا علاج لحضور القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة كلية.

والتفهم يكون بإدمان الفكر وصرف الذهن عما سوى الصلاة. أما التعظيم فيتولد عن معرفتين. أولا معرفة جلال الله وعظمته، ثانيا معرفة حقارة النفس وخستها.

الهوامش:

(1) لم يبالغ في خفضه أو رفعه.

(2) التورك القعود على الورك الأيسر، والوركان فوق الفخذين.

(3) رواه الخمسة إلا النسائي.

(4) دعاء الاستفتاح: “سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك” رواه مسلم.

(5) إحياء علوم الدين 1/191.