من هو؟هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التميمي، كنيته: أبو بكر، ولقبه الصِّدِّيق، وكنية أبيه أبو قحافة أمه أم الخير بنت صخر التيمية بنت عم أبيه. له من الأولاد: عبد الله، وأسماء ذات النطاقين، وعبد الرحمن، وعائشة أم المؤمنين، ومحمد، وأم كلثوم رضي الله عنهم أجمعين.

كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يسمَّى أيضًا: عتيقًا، وقيل إن سبب هذه التسمية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: “أنت عتيق من النار”، وقيل: إنه سُمِّي كذلك لحسن وجهه وجماله.

سيدنا أبو بكر: الصديقلقب بالصديق رضي عنه لتصديقه بكل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- وخاصة تصديقه لحديث الإسراء والمعراج. وقد مدحه الحق سبحانه في القرآن الكريم “والذي جاء بالصدق وصدق به” فالذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي صدق به سيدنا أبو بكر.

وأبو بكر الصديق أفضل الأمة مكانة ومنزلة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو أول من أسلم من الرجال، وهو رفيق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هجرته، وخليفته على المسلمين.

قال صلى الله عليه وسلم “ما من أحد عرضت عليه الإسلام إلا وكانت له كبوة إلا أبا بكر رضي الله عنه”.

الصديق والدعوة:إن كمال الصديق، بصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، جعله فارس الدعوة إلى الإسلام فدعا أخيار قريش في الجاهلية إلى الإسلام فأجابوه طواعية واختيارا، وهم من كانوا من كبار الصحابة وخيارهم فيما بعد كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وغيرهم من رجالات الإسلام بمكة.

هجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصحبةلما أذن الله -عز وجل- لنبيه بالهجرة إلى المدينة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يهاجروا، وجعل أبو بكر يستأذنه في الهجرة والنبي -صلى الله عليه وسلم- يمهله ويقول له: (لا تعجل لعلّ الله يجعل لك صاحبًا)، حتى نزل جبريل -عليه السلام- على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره أن قريشًا قد خططت لقتله، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وأن يخرج منها مهاجرًا، فأتى بيت أبي بكر بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فلما رآه أبو بكر قال: (ما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-هذه الساعة إلا لأمر حدث) فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس عند أبي بكر إلا أسماء وعائشة، فقال الرسول: (أخرج عني من عندك) فقال أبو بكر: (يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك؟ فداك أبي وأمي!) فقال: (إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة) فقال أبو بكر: (الصُّحبة يا رسول الله؟) قال: (الصُّحبة) تقول السيدة عائشة: (فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ) ثم خرجا فاختفيا في غار ثور، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار، وقال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:

“ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!”. ولقد سجل له القرآن الكريم شرف الصحبة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء الهجرة إلى المدينة المنورة.

فقال تعالى: “(ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)” ولما اقترب سراقة رآه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا، ودنا سراقة حتى ما كان بينه وبينهما إلا مقدار رمح أو رمحين فكرر أبو بكر مقولته على النبي -صلى الله عليه وسلم- وبكى، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِمَ تبكي؟)، فقال أبو بكر: “يا رسول الله والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك.

منزلته من الرسول صلى الله عليه وسلم:كان -رضي الله عنه- من أقرب الناس إلى قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعظمهم منزلة عنده حتى قال فيه: (إن من أمَن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدّ إلا باب أبي بكر). كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن أبا بكر أرحم الأمة للأمة، وأنه أول من يدخل معه الجنة فقد قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي) وأنه صاحبه على الحوض فقد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم-: (أنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار).

وقد أثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في غير ما مرة، أخرج البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هل أنتم تاركون لي أصحابي؟ إني قلت أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت!!!! وقال أبو بكر: صدقت”.

جهاده بماله:أنفق سيدنا أبو بكر معظم ماله في شراء من أسلم من العبيد ليحررهم من العبودية ويخلصهم من العذاب الذي كان يلحقه بهم ساداتهم من مشركي قريش، فأعتق بلال بن رباح وستة آخرين من بينهم عامر بن فهيرة وأم عبيس فنزل فيه قوله تعالى: “(وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى)”.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال أبي بكر)، فبكى أبو بكر وقال: “وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله” (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه)، وقد أعتق أبو بكر من ماله الخاص سبعة من العبيد أسلموا وكانوا يعذبون بسبب إسلامهم منهم بلال بن رباح وعامر بن فهيرة.

قال سيدنا عمر رضي الله عنه: “أمرنا رسول الله أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر – إن سبقته يوما – فجئت بنصف مالي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أبقيت لأهلك؟” قلت: مثله.

وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟” قال: “أبقيت لهم الله ورسوله”، فقلت: لا أسبقه في شيء أبدا”.

جوده وكرمه:إن الجود والكرم من صفات الكمال في الإنسان، وما زالت البشرية منذ أن كانت تقدس هذين الوصفين في الإنسان وتعتبرهما من مظاهر الكمال النفسي في الإنسان.

بيد أن أصحاب الدعوات والذين يوقفون حياتهم على نصر دعوتهم، لا مناص من أن يتكلفوا الجود والكرم ويوطنوا له النفس على ذلك حتى يصبح الجود والكرم من أخص صفاتهم إذ الجود والسخاء والكرم وهي صفات ثلاث وإن اختلفت لفظا فإنها متحدة معنى وهي بذل المعروف وتقديم الإحسان والمبالغة في ذلك إلى حد الإيثار على الأهل والولد والنفس، وبذلك يملك الداعي النفوس، ويجذبها إلى محيط دعوته.

إن سيدنا أبا بكر الصديق وهو أحد نماذج الدعاة الصالحين كان مع عفته وكمال عقله وعظم شجاعته جوادا كريما يبذل في سبيل الله، وينفق على نصرة دينه ورسوله ما لا يبذله غيره، وذلك ثابت في السنن.

وحسبنا من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم المتقدم: “إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا غير ربي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام”. وأصرح من هذا في بذل أبي بكر في سبيل نصرة رسول الله ودين الله تعالى رواية أحمد عن أبي هريرة إذ فيها قوله صلى الله عليه وسلم: “ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر رضي الله عنه” ولما سمع هذا الثناء العطر من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحدر كأنه حب الغمام على قلب ظمآن، بكى رضي الله عنه وقال: “هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله!”.

حلمه وتواضعه:وبما أن الحلم والتواضع من مكارم الأخلاق والداعي الصادق في دعوته لا غنى له عنهما بحال من الأحوال، إذ ضد الحلم السفه والطيش ومقابل التواضع الكبر، والعياذ بالله، فمن هنا نذكر بعض مظاهر هاتين الخصلتين الكريمتين في سيدنا أبي بكر، ذكر السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء الراشدين أن ابن عساكر رحمه الله تعالى أخرج في كتابه أن أنيسة قالت: “نزلت بفناء أبي بكر ثلاث سنين قبل أن يستخلف وسنة بعدما استخلف، فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن فيحلبهن لهن”، هذا هو سيدنا أبو بكر الوزير والصاحب الأول والصديق الأوفى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خليفة المسلمين كافة، يتنازل في تواضع لا نظير له عند أمثاله في دنيا الناس فيحلب لجواري الحي أغنامهن، إنها لمثل في التواضع لا يسامى فيه أبو بكر ولا يدانى.

وأخرج ابن عساكر أيضا عن أبي صالح القفاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعهد عجوزا كبيرة من النساء عمياء في بعض أطراف المدينة يسقي لها ويقوم ببعض أمرها وذلك من الليل، فكان يأتيها أحيانا فيجد غيره قد سبقه إليها فسقى وقضى حاجتها فحاول سيدنا عمر أن يسبقه فوجده أبا بكر الصديق، والعجب في ذلك أنه كان يفعل ذلك أيام خلافته رضي الله عنه فقال عمر لما تبين له أنه سيدنا أبا بكر أنت هو لعمري!.

خلافته:وفي أثناء مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يصلي بالمسلمين، وبعد وفاة الرسول الكريم بويع أبو بكر بالخلافة في سقيفة بني ساعدة، وكان زاهدا فيها ولم يسع إليها، إذ دخل عليه ذات يوم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فوجده يبكي، فسأله عن ذلك فقال له: (يا عمر لا حاجة لي في إمارتكم) فرد عليه عمر: (أين المفر؟ والله لا نقيلك ولا نستقيلك)، هذا هو سلوك الخلفاء وقد أعلنها صريحة حين ولاه المسلمون أمرهم إذ قال:

“أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”.

واجه أبو بكر في بدء خلافته محنة كبرى تمثلت في ردة كثير من قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ امتنعت بعض القبائل عن أداء الزكاة فقرّر سيدنا أبو بكر قتالهم، فذهب عمر إليه وقال له: “كيف تقاتلهم وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله”، فقال أبو بكر: “والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة من حق الله، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعه”، قال سيدنا عمر: “فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أن الحق معه”.

وقد كانت مدة خلافته سنتين وستة أشهر ونصف الشهر.

من أقواله و مواعظه:- كان سيدنا أبو بكر إذا مدحه أحد قال: “اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون”.

– “إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة”.

– “وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول: “هذا الذي أوردني الموارد”.

– “اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه فصدقوا قوله، وانصحوا كتابته، واستضيئوا منه ليوم الظلمة”.

وفاته:توفِّي سيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة قيل: يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى، وقيل: مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة، وصلّى عليه عمر بن الخطاب، وكان أبو بكر قد ولد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين وأشهر، ومات بعده بسنتين وأشهر مستوفيًا ثلاثة وستين عامًا وهو نفس العمر الذي مات عنه النبي -صلى الله عليه وسلم .

وقال عمر في حقه: “رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا”.

رثاه علي بن أبى طالب وهو يبكي بكاء عظيمًا يوم موته بكلام طويل منه: “رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنيسه ومكان راحته، وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانـًا، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتـًا… سمّاك الله في تنزيله صدِّيقـًا فقال: “والذي جاء بالصدق وصدق به…”، فالذي جاء بالصدق محمد -صلى الله عليه وسلم- والذي صدق به أبو بكر، واسيته حين بخل الناس، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم صحبة، وخلفته في دينه أحسن الخلافة، وقمت بالأمر كما لم يقم به خليفة نبي…”.

جزاء الصديق:أخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه بها الله يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر”.

رضي الله عن الصديق وأرضاه عنا، وجعلنا من أحبابه وإخوانه، آمين.