تحرك الإخوان المسلمون في الشارع المصري للمطالبة بالإصلاحات السياسية، وتجذر حزب الله في الجمهور اللبناني، وتصدر العدل والإحسان لائحة القوى السياسية الوازنة في المغرب… كلها علامات دالة على قوة المشروع الإسلامي بين حاضر ومستقبل هذه المنطقة من العالم، بما يربك حسابات القوى المهيمنة، ويضاعف من مجهوداتها الجبارة لاستدامة السيطرة على الموارد الاقتصادية والقرارات السياسية.

يطل المشروع الإسلامي هنا وهناك ليعلن انخراطه في جدلية الصراع السياسي المحلي والإقليمي، بدرجات متفاوتة وأشكال متباينة. ويسعفنا التأمل الهادئ في أوضاع الأمة الإسلامية، على تقدير حجم الأخطار التي باتت تهدد الكيان المعنوي الحامل للقيم المرجعية والمعتقدات والنظم الأخلاقية والثقافية، بعد أن أشرفت الأقطاب الاستعمارية على تدمير الكيان السياسي الموحد، واستنبات كيانات عاجزة عن تدبير شؤونها الداخلية، بله تدبير الشأن الدولي وما يحتاجه من وجود معنوي ووزن اقتصادي ورؤية سياسية واستراتيجية واضحة.

في كل دولة من دولنا العاجزة، يتحرك الإسلاميون والفضلاء لمجابهة التخاذل المحلي والهجوم الاستكباري العالمي، بإمكانات تنظيمية قد تكون ضعيفة، وبهامش للفعل السياسي قد يكون ضيقا. لكن اعتماد عناصر القوة والطاقة الذاتية كفيل بمضاعفة نسبة النجاح في تدبير معركة التغيير والنهوض والمقاومة. ولعل أكبر الثغرات التي ينفذ منها الفعل المدمر للعدو المتربص، هي إغفال عناصر القوة الذاتية وعدم الانتباه إلى فعاليتها القصوى، خاصة في زمن القطبية الواحدة.

1- الدعوة: رسالة الأخلاق الإحسانية

يتقدم المشروع السياسي الإسلامي بخطى حثيثة لحيازة منزلة قيادة الأمة هنا وهناك. ينجح ويفشل. يكسب جولة ويخسر أخرى. يشارك في الحكم أو يمتنع. بيد أن الخطر الأعظم الذي يتهدد مصير هذه الحركات، ليس هو الوقوع في خداع لعبة هنا أو فخ هناك. وإنما الخطر هو افتقاد العمق الدعوي الذي يمثل الرسالة الأولى والأكثر حساسية. افتقاد الرسالة الدعوية، وأية رسالة! إنها البشارة والنذارة والسراج المنير الهادي للناس فرادى وجماعات في طريق السير إلى الله عز وجل.”يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه”.

إنها رسالة عظمى نجد تفاصيلها في قوله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: “إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا”.

ولأننا نخشى على المنتصبين للشأن السياسي مغبة نسيان رسالة الأخلاق الإحسانية، فإن التذكير يصير واجبا ثابتا ونصيحة متبادلة. “وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين”.

2- العدل: المطالب الاجتماعية الملحة

تختلف مواقع الإسلاميين في خريطة الفعل السياسي من بلد إلى آخر، كما تتباين خطاباتهم السياسية وأدوات اشتغالهم بحكم تباين الأوضاع السياسية العربية وطبيعة النخب الحاكمة والمرجعيات الدستورية والقانونية. وبمقدار التباين الشكلي بين الأنظمة العربية، يتأكد التماثل في خصائص جوهرية أبرزها الاستبداد السياسي ومصادرة الحريات وقمع المعارضين والاحتيال على الثروات الوطنية ورعاية التجزئة الاستعمارية. ههنا يتعين على قادة المشروع الإسلامي وأنصاره أن يجعلوا نداء الله عز وجل بإقامة العدل والدفاع عن المظلومين والمقهورين محور تصورهم وأساس حركتهم و مرمى نظرهم. ويمكن للمتتبع أن يشهد مدى الحيرة التي تتملك الإدارة الأمريكية من المحافظين الجدد، وهي تعاين تبني الحركات الإسلامية لمطالب الإصلاح السياسي والدستوري، وكذا انخراطها في تنافسية تملك آليات الاحتجاج الاجتماعي مثل الجمعيات والنقابات. حيرة عظيمة للإدارة الأمريكية وسائر القوى الغربية حينما تراقب الوقفات الثمان لأنصار جماعة العدل والإحسان في مدن مغربية بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان سنة 2000، ومسيرات الإسلاميين دفاعا عن المرأة أو دعما للمقاومة العراقية والفلسطينية. حيرة عظيمة حينما ترى قاعدة جماهيرية واسعة تلبي نداء حزب الله في لبنان لإسقاط مؤامرة التدخل الأجنبي، أو تتابع تصدي الإخوان المسلمون لمعركة الإصلاح السياسي والدستوري في مصر.

3- الإرث السياسي للقائمين: منازلة الاستبداد

لا تكفي المناداة بتطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية في البلدان العربية، وإن كان جو الحرية مكسبا كبيرا للمشروع الإسلامي الذي يكتب له النجاح والدعم الجماهيري في كل منعطف أو تجربة عابرة.

لا تكفي، لأن المستبدين ماضون في الدفاع عن مصالحهم غير المشروعة ومصالح ولاة أمرهم من الدوائر الاستكبارية الجاهلية. هم متشبثون بمسلك النعامة التي تدفن رأسها في رمال أوهام الحاضر وأساطير الماضي البائد. وهم، لاشك، عقبة اليوم والغد أمام إنجاز إصلاحات حقيقية وشاملة. ومثال صدام العراق ناطق مفصح.

إن المشروع الإسلامي يملك من عناصر القوة قدرا وافيا. وعليه أن يستثمر الإرث السياسي للقائمين من آل البيت وعلماء الأمة، ليكون قادرا على تعبئة جمهور المسلمين وتربيتهم على الصمود الطويل أمام كيد الاستبداد المحلي والهيمنة الظالمة للإدارة الأمريكية والشركات العملاقة.

تعلمنا سيرة القائمين أهمية وضرورة ترك مسافة فاصلة بين الدعاة والظالمين من بني جلدتنا. هي المسافة نفسها التي تسمح بالثبات على كلمة الحق والصدق، وبدوام اليقظة إزاء دين الاستبداد.

سيرة القائمين رصيد تاريخي يتعين على الحركة الإسلامية وسائر فضلاء هذه الأمة أن يتأملوها بقلب تائب رحيم وعقل ذكي حكيم وإرادة متوثب مجاهد. والله القوي القاهر.