مقدمة:تبدأ كتب الفقه عادة بمبحث الطهارة تقديما للأمور الدينية على غيرها واهتماما بأهمها وهي الصلاة. والطهارة شرط من شروطها: قال صلى الله عليه وسلم: “الطهور شطر الايمان”(1).

تعريف الطهارة لغة واصطلاحا:الطهارة في اللغة النظافة والتنزه عن الأقذار، ويجوز أن تكون الطهارة مصدر طَهُرَ اللازم، فتكون للشخص القائم بالفعل، وأن تكون مصدر طهَّر تطهيرا.

أما الطهور فقال جمهور أهل اللغة: إنه بالضم للفعل الذي هو المصدر، وبالفتح للماء الذي يتطهر به(2).

وقيل الطهارة النظافة والخلوص من الأوساخ والأدناس الحسية، فالأنجاس من بول وغيره والمعنوية كالعيوب والمعاصي، والتطهير التنظيف وهو إثبات النظافة في المحل(3).

وفي الاصطلاح الشرعي: تعرف الطهارة بأنها النظافة عن النجاسة حقيقية كانت وهي الخبث، أو حكمية وهي الحدث، فطهارة الحدث تختصر بالبدن، وطهارة الخبث تكون في البدن والثوب والمكان.

وطهارة الحدث ثلاثة: كبرى وهي الغسل وصغرى وهي الوضوء، وبدل منهما عند تعذرهما وهو التيمم.

وطهارة الخبث ثلاث: غسل ومسح ونضح.

هذا ولا تنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الباطنة، وهي الإخلاص لله عز وجل، والنزاهة عن الغل والحسد وتطهير القلب عما سوى الله تعالى لتحقيق معنى العبودية، وبهذا امتدح الله المتطهرين فقال جل شأنه في سورة البقرة: “إن الله يحب الثوابين ويحب المتطهرين” وأثنى سبحانه على مسجد قباء بقوله في سورة التوبة :”فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين”. وإلى هذا ذهب الإمام الغزالي في قوله تعالى في سورة المائدة: “ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم”، قال: “فتفطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر، إذ يبعد أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم “الطهور نصف الإيمان” عبارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه، مع تخريب الباطن وإبقائه مشحونا بالأخباث والأقذار(4). وفي هذا المعنى يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: “لكن النظافة لا تكتسب القيمة الروحية إلا بالنية وطاعة الشرع في الكيفيات والترتيب. وبالنية والاتباع يصبح الغسل عملية تقديسية تطهيرية ذات مغزى روحي، ويصبح الوضوء نورا يتخلل الجسم من الأعضاء الخارجية إلى العضو النفسي القلبي”(5).

شروط وجوب الطهارة: يجب تطهير ما أصابته النجاسة من بدن أو ثوب أو مكان لقوله تعالى في سورة المدثر: “وثيابك فطهر” وقوله سبحانه في سورة البقرة: “أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود”.

وتجب الطهارة على من وجبت عليه الصلاة وذلك بعشرة شروط وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، وانقطاع دم الحيض أو النفاس، ودخول الوقت، وعدم النوم، وعدم النسيان، وعدم الإكراه، ووجود الماء أو الصعيد، والقدرة على الفعل بقدر الإمكان.

1. المياه: أنواعها وأحكامه:لما كانت الطهارة في حقيقتها هي استعمال أحد المطهرين الماء أو التراب على الصفة المشروعة في إزالة النجس والحدث، ولما كان الماء هو المأمور بالتطهر به أصالة، قدمه الفقهاء فتكلموا على أقسامه وأحكامه، وهذه بعض أنواعه:

أ. الماء المطلق:

وحكمه أنه طهور، أي أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره، ومن أنواعه:

” ماء المطر والثلج والبرد، قال تعالى في سورة الأنفال: “وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به” وقال عز من قائل في سورة الفرقان: “وأنزلنا من السماء ماء طهورا”.

” ماء البحر لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: “هو الطهور ماؤه الحل ميتته”(6).

” الماء المتغير بطول المكث أو بسبب مقره أو بمخالطة مالا ينفك عنه غالبا كالطحلب وورق الشجر، فإن اسم الماء المطلق يتناوله باتفاق العلماء.

ب. الماء المستعمل:

وهو المنفصل من أعضاء المتوضئ والمغتسل، وحكمه أنه طهور كالماء المطلق اعتبارا بالأصل حيث كان طهورا ولم يوجد دليل يخرجه عن طهوريته.

ج. الماء الذي خالطه طاهر:

كالصابون والزعفران وغيرها من الأشياء التي لا تنفك عنه غالبا، وحكمه أنه طهور مادام حافظا لإطلاقه.

د.الماء الذي لاقته النجاسة:

وله حالتان:

” الأولى: أن تغير النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه وهو في هذه الحالة لا يجوز التطهر به إجماعا.

” الثانية: أن يبقى الماء على إطلاقه بألا تتغير أحد أوصافه الثلاثة، وحكمه أنه طاهر مطهر قل أو كثر لقوله صلى الله عليه وسلم في بئر بضاعة: “الماء طهور لا ينجسه شيء”(7).

2. الوضوء:أ. تعريفه وحكمه وفضله

الوضوء في اللغة بضم الواو هو: اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء مخصوصة. وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة وهي الحسن والنظافة، يقال وَضُؤَ الرجل أي صار وضيئا، وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به.

و الوضوء شرعا: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (الوجه واليدين والرجلين والرأس) على صفة مخصوصة في الشرع.

وهو من أعظم شروط الصلاة، بل هو شرط في صحتها وقد ثبت عند الشيخين من حديث أبي هريرة مرفوعا: “إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ “(8).

وقد ورد في الوضوء فضائل كثيرة منها:

“إذا توضأ العبد فتمضمض خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة”(9).

ب. فرائض الوضوء:

نص القرآن الكريم على أن هناك أركان أو فرائض أربعة للوضوء وهي غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس في قوله تعالى في سورة المائدة: “يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين”. وأضاف جمهور الفقهاء -من السنة فرائض- أخرى هي النية، والموالاة، والترتيب، والدلك.

أولا: النية: استدل من جعل النية من الفرائض بقوله تعالى: “إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم”، فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلاة من أجل هذه العبادة، فالمطلوب بغسل الأعضاء لأجل الصلاة وهو معنى النية، كما استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات”.

ثانيا: غسل الوجه لقوله تعالى: “فاغسلوا وجوهكم” أي غسل ظاهر وجميع الوجه مرة، والغسل إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، والوجه ما يواجه به الإنسان، طولا ما بين منابت الشعر المعتاد إلى منتهى الذقن، وحده عرضا ما بين شحمتي الأذنين.

ثالثا: غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة لقوله تعالى: “وأيديكم إلى المرافق” وللإجماع. والمرفق ملتقى عظم العضد والذراع.

رابعا: مسح الرأس لقوله تعالى: “وامسحوا برؤوسكم” والمسح هو إمرار اليد المبتلة على العضو، والرأس منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا.

خامسا: غسل الرجلين إلى الكعبين لقوله تعالى: “وأرجلكم إلى الكعبين” ولحديث عمرو بن عبسة عن أحمد: “… ثم يمسح رأسه كما أمره الله، ثم يغسل قدمه إلى الكعبين والساق كما أمره الله تعالى” والكعبان هما العظمان الناشئان من الجانبين عند مفصل القدم والساق، ولإجماع العلماء. ويلزم عند الجمهور غسلهما لقوله صلى الله عليه وسلم:”ويل للأعقاب من النار”(10) ولا يجزئ المسح.

سادسا: الترتيب: هو تطهير أعضاء الوضوء واحدة بعد الأخرى.

سابعا: الموالاة: وهي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلا في العرف، أو هي المتابعة بغسل العضو اللاحق قبل جفاف السابق.

ثامنا: الدلك الخفيف باليد وهو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه.

ج. سنن الوضوء:

1. غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء.

2. التسمية في بدء الوضوء.

3. المضمضة، وهي إدخال الماء في الفم وخضخضته وطرحه.

4. الاستنشاق وهو إدخال الماء في الأنف وجدبه بنفسه إلى داخل أنفه.

5. الاستنثار وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه على أنفه.

6. السواك.

7. تخليل اللحية الكثة والأصابع.

8. تثليث الغسل في جميع الأعضاء إلا مسح الرأس فلا يسن تكراره عند الجمهور.

9. التيامن: أي البدء بغسل اليمين قبل غسل اليسار من اليدين والرجلين.

10. رد مسح الرأس.

11. مسح الأذنين: والسنة مسح باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين بماء الرأس لأنهما منه.

12. إطالة الغرة والتحجيل: أما إطالة الغرة فبأن يغسل جزءا من مقدم الرأس زائدا عن المفروض في غسل الوجه، وأما إطالة التحجيل فبأن يغسل فوق المرفقين والكعبين.

13. الاقتصاد في الماء وإن كان الاغتراف من البحر.

14. الدعاء أثناءه خاصة الدعاء المأثور: “اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي”(11).

15. الدعاء بعده بقوله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله(12).

16. صلاة ركعتين بعده لحديث بلال المشهور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام إني سمعت دق (صوت النعل حال المشي) نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي”(13).

د. مكروهات الوضوء:

يكره للمتوضئ أن يترك سنة من السنن المذكورة حتى لا يُحرم ثوابها، لأن فعل المكروه يوجب حرمان الثواب وتتحقق الكراهة بترك السنة.

هـ. نوا قض الوضوء:

للوضوء نواقض تبطله وتخرجه عن إفادة المقصود منه، هي:

1. خروج شيء من أحد السبيلين (القبل والدبر) ويشمل ذلك ما يأتي:

 البول والغائط.

 ريح الدبر.

 المني والمذي والودي لقول ابن عباس: “المني فهو الذي منه الغسل. وأما المذي والودي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسل ذكرك أو مذاكيرك وتوضأ وضوءك للصلاة(14)، والمذي هو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير في الجماع أو عند الملاعبة. وقد لا يشعر الإنسان بخروجه. أما الودي فهو ماء أبيض خاثر ثخين يخرج بعد البول.

2. النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك مع عدم تمكن المقعدة من الأرض.

3. زوال العقل سواء كان بالجنون أو بالإغماء، أو بالسكر أو بدواء، وسواء قل أو كثر، وسواء كانت المقعدة ممكنة من الأرض أم لا، لأن الذهول عن هذه الأسباب أبلغ من النوم.

4. مس الفرج بدون حائل لقوله صلى الله عليه وسلم:” من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ(15).

و. ما لا ينقض الوضوء:

1. لمس المرأة بدون حائل لقوله صلى الله عليه وسلم: “القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم”(16).

2. خروج الدم من غير المخرج المعتاد سواء كان بجرح أو بحجامة أو رعاف، وسواء كان قليلا أو كثيرا.

3. القيء.

4. أكل لحم الإبل.

5ـ. شك المتوضيء في الحدث: لا يضره الشك ولا ينتقض وضوءه سواء كان في الصلاة أو خارجها حتى يتيقن أنه أحدث.

3. الغســل:أ. تعريفه ومشروعيته:

الغسل بضم الغين اسم للاغتسال، وقيل: إذا أريد به الاغتسال فتح. وأما المصدر فيجوز الضم والفتح، وقيل: إنه بالفتح فعل المغتسل، وبالضم الذي يغتسل به وهو تعميم البدن بالماء، وعرفه المالكية: بأنه إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلاة مع الدلك(17).

الأصل في مشروعيته قوله تعالى في سورة المائدة:”و إن كنتم جنبا فاطهروا “وقوله عز من قائل في سورة البقرة: “ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن”.

ب. موجباته:

يجب الغسل لأمور خمسة:

1. خروج المني بشهوة في النوم أو اليقظة، فإن لم يخرج بلذة معتادة لمرض أو ضربة أو سلس أو لدغة عقرب فلا غسل، وعليه الوضوء فقط ومن انتبه من نومه فوجد بللا في ثوبه أو بدنه فشك أنه مني أو مذي وجب عليه الغسل، لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة.

2. التقاء الختانين ولو من غير إنزال: أي تغييب الحشفة في الفرج يوجب الغسل لأن لفظ الجماع يعمه.

3. انقطاع دم الحيض والنفاس.

4. موت المسلم غير الشهيد.

5. إسلام الكافر ولو كان مسلم ثم ارتد.

ج. فرائض الغسل:

1. النية عند غسل أول جزء من البدن: أي نية فرض الغسل، أو رفع الجنابة أو الحدث الأكبر، أو استباحة ممنوع مفتقر إليه، كأن ينوي استباحة الصلاة أو الطواف، أو كل عمل يتوقف على غسل. فإن نوى ما لا يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد لم يصح، ومحل النية القلب.

2. تعميم الجسد  شعره وبشره بالماء الطهور:فـيجب تعميم الشعر والبشرة بالماء مرة واحدة حتى لو بقيت بقعة يسيرة لم يصبها الماء يجب غسلها، ويجب تعهد مواطن التجاعيد من البدن كالشقوق التي في البدن والسرة والإبطين وكل ما غار من البدن بصب الماء عليه.

د. سنن الغسل:

يسن للمغتسل مراعاة لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في غسله أن يبدأ(18) بغسل يديه ثلاثا، ثم يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءا كاملا كالوضوء للصلاة، وله تأخير غسل رجليه إلى أن يتم غسله إذا كان يغتسل في طست أو نحوه، ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثا مع تخليل الشعر ليصل إلى أصوله، ثم يفيض الماء على سائر البدن بادئا بالشق الأيمن ثم الأيسر مع تعاهد الإبطين، وداخل الأذنين، والسرة، وأصابع الرجلين، ودلك ما يمكن دلكه من البدن.

الهوامش:

(1) رواه مسلم.

(2) نيل الأوطار ج 1 ص 27.

(3) الفقه الاسلامي وأدلته ج 1 ص 88-89.

(4) الإحياء ج 1 ص 15.

(5) محنة العقل المسلم ص 39-40.

(6) رواه الخمسة وقال الترمذي حسن صحيح.

(7) رواه أبو داود.

(8) رواه الشيخان وأبو داوود والترمذي.

(9) رواه مالك والنسائي وابن ماجة والحاكم.

(10) متفق عليه.

(11) رواه النسائي بإسناد صحيح في باب ما يقول بعد الفراغ من الوضوء ورواه ابن السني بإسناد صحيح في ما يقول بين ظهراني وضوءه.

(12) رواه مسلم عن عمر بن الخطاب.

(13) متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(14) رواه البيهقي في السنن.

(15) رواه الخمسة وصححه الترمذي وقال البخاري وهو أصح شيء في هذا الباب.

(16) أخرجه البزار بسند صحيح.

(17) الفقه الاسلامي وأدلته ج 1 ص 358.

(18) المعتمد في هذا ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها وهي تصف غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم.