قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها (…). وأما الثاني (أي التمكن من الاستنباط) فهو كالخادم للأول”.

كانت عدالة العلماء وتقواهم وإيمانهم بالله رب العالمين واعتصامهم بشريعته أمرا مسلما. لذلك لم يتحدث الشيخ إلا عن فهم المقاصد وعن التمكن من الاستنباط، وهما كفاءتان عقليتان. في زماننا كثر المنافقون عليمو اللسان، لذلك نسبق شرط أن يكون المجتهدون الشوريون المتشاورون من أهل الإيمان والإحسان. لا نأخذ إيمانهم أمرا مسلما حتى نعرف ذلك عنهم ببرهان الصدق نقتضيه منهم على محك الأيام والأحداث والصبر على الجهاد.

لكيلا ننزلق إلى متاهات “الإسلام السياسي” يلزم أن نحقق مناط التكليف بتنفيذ مقاصد الشريعة، ذمة الفرد المسلم كانت مناط التكليف زمان التفتت والإسلام الفردي كما نظر لذلك علماء ذلك العصر. قال أستاذنا: “والمقاصد التي ينظر فيها قسمان: أحدهما يرجع إلى قصد الشارع، والآخر يرجع إلى قصد المكلف”.

نعم مسؤولية الفرد في آخر المطاف هي المعتبرة لأنه يأتي ربه يوم القيامة فردا، ويحاسب على أعماله هل طابقت مقاصد الشرع نية وتنفيذا، لاتزر وازرة وزر أخرى. لكن أين جماعة المسلمين المخاطبة في القرآن بيأيها الذين آمنوا، المكلفة بحمل رسالة الولاية الجهادية بين المهاجرين والأنصار؟ أين ذهبت بنايتها مع الأجيال وكيف تفتتت، و”الجنايات” الفردية استجابة لحاجات إسلام فردي؟

إن مسؤولية الاجتهاد واستنباط أحكام شرعية لهذا الزمان، ولمصالح الأمة في هذا الزمان وهذه الظروف، لا يمكن أن يتحملها إلا جماعة المسلمين. لا تزال هذه الجماعة مشروعا في ضمير الأمة يسعى لتحقيقه رجال الدعوة وفقهم الله. المكلف الفرد مهدد إن عاش في مجتمع مفتون في دينه ونفسه وعقله ونسله وماله. لا يستطيع حفظ شيء من ذلك لا من “جانب الوجود” ولا من “جانب العدم”.

فيكون بناء جماعة المسلمين لبنة لبنة حتى وحدة المسلمين كافة عبر حدود الأقطار الموروثة عن فتنة القرون وعن الاستعمار هو المطلب الأساسي في تصنيفنا للمطالب الشرعية. “قصد الشارع وقصد المكلف” تعبير تجريدي فرداني. الجماعة الداعية إلى الله الساعية لبناء مجتمع إسلامي موحد وحكم شوري وعدل وإحسان بها يناط الجهاد لتحقيق المقاصد الشرعية، تؤمن بها الجماعة وتحملها وتقاتل من أجلها وتطلب بالمال والنفس تحقيقها. ويأتي الاجتهاد حيا مواكبا لحركة حية، ممهدا في المجال الفقهي لتقدم الركب الإيماني الذي رباه الإحسان، وحركه الغضب لله، وربط على قلبه حب الله ورسوله، وأطربه نحو الأهداف والغاية موعود الله الذي لا يتخلف بالخلافة على منهاج النبوة وبالسعادة في دار البقاء.

العضوية في جماعة من جماعات الدعوة، ثم جماعة المسلمين الموحدة العالمية، جاد الله لنابها بكرمه، شرط في المجتهدين أهل الشوري والعدل والإحسان.

إن من سبقونا بإيمان، غفر الله لنا ولهم وألحقنا بهم على سرر متقابلين، رتبوا المقاصد العليا وحصروها في خمسة مقاصد اتفقوا على وجوب الحفاظ عليها: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل حفظ النسل حفظ المال. زاد بعض المتأخرين حفظ العرض. لا نفتات على اتفاقهم رحمهم الله ولا ننازع. لكن نرجع إلى تأصيلاتهم ناظرين إليها من إزاء القرآن والسنة، ناظرين إليها أيضا من زاوية واقعنا وظروفنا وما يتاح لنا من طلب كانت أبوابه موصدة في عصور الابتلاء القدري بالعض والجبر والنصيحة النبوية بلزوم السمع والطاعة حفاظا على بيضة الإسلام أن تشدخ فيموت الرأس، وعلى شوكة الإسلام أو تخضد فيرعى الحمى.

من إزاء القرآن العظيم ومن زاوية ظروفنا وضروراتنا نرى إنشاء جماعة منظمة تكون دعوة وتؤسس دولة الخلافة هو أبو المقاصد والشرط الأول لتنفيذها. ابحث عن منفذ قوي أمين قبل أن تدخل في نقاش عملية التنفيذ.

التربية والتنظيم وذكر الله والصدق والتزود بالعلم النافع، علم الحق المنزل الموحى به وعلم الواقع وعلم الكون، مقومات ضرورية منها تستمد الجماعة الإيمان والقوة والأمانة على شرع الله ومقاصده.

الإحسان والإيمان، يتحلى بهما الفرد المجاهد الطالب ربه، هو الغاية. في أعلى سلم المطالب (مقاصد الشريعة) الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه.

في الدرج المؤدي إلى الغاية نجد مرتبة لأهداف هي من الدنيا، لكن تكسب الاعتبار الشرعي من كونها وسائل للغاية الدينية الأخروية. تكسب الاعتبار من كون الدنيا مطية المومن وزاده للآخرة. روى الترمذي وابن ماجه والبخاري في الأدب عن عبيد الله بن محصن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها” إسناده حسن كما أشار السيوطي رحمه الله في الجامع الصغير.

أرأيت كيف انزرعت الحياة اليومية في المقاصد الشرعية لما سمعنا عنها من لسان الوحي؟ خوطب المكلف بعافيته، خوطب بأمنه، بقوته، بدنياه وهمومها ليتفرغ لآخرته وإلى الجهاد من أجلها في سبيل الله.

ما قننه علماؤنا الأبرار في صيغة التجريد في باب “العادات” و”المعاملات”، أي في مقاصد حفظ النفس والعقل والنسل والمال، نجده في الحديث النبوي مشخصا في الزمان (من أصبح … قوت يومه) والمكان والجماعة (في سربه) والبدن.

هذه المطالب والأهداف الدنيوية، المؤدية إذا حيزت إلى الغاية، لا تتحقق إلا في مجتمع يأخذ فيه الكم والإحصاء والإنتاج والتوزيع والعدل في كل ذلك المكان الشرعي.

ينقلب سلم القيم في يد بعضهم فإذا عنده نظرية تقول بأن الإسلام أقصر طريق إلى التنمية والازدهار الاقتصادي. وإذا الدين وسيلة والاقتصاد غاية. وإذا الدنيا تنسى الآخرة.

رحم الله علماءنا، إن تأسينا بهم في الاعتصام بالإيمان والإحسان فلن يبعدونا عن القرآن الذي لا يفهمه بعضهم إلا مدونة حضارية ومرجعا فكريا. يسيل من هذا الفكر الخائب على بعض الأدمغة المتحدثة باسم الإسلام سائل الغفلة عن الله وعن الدار الآخرة. لا حول ولا قوة إلا بالله.

لابد للتنمية والاقتصاد والإنتاج والتوزيع والكم والإحصاء أن تأخذ مكانها الشرعي، في مقدمة المطالب، في مرتبة الأهداف الدنيوية المسهلة لرحلة المؤمن والمؤمنة إلى ربهما.

والعدل كلمة جامعة ومطلب أساسي في عصر أصبحت فيه قسمة الأرزاق وإنتاجها وتمويل عملية التنمية وتنظيم ذلك تحديا قاتلا في وجه الأمة. إن كان الإحسان رائدا فلا مخافة من الزيغ، لكن يلح السؤال على المجتهدين الأصوليين وعلى المفكرين لمعرفة النظام الأقرب إلى الإسلام: الرأسمالية أو الاشتراكية. إسلام رأسمالي ؟ اشتراكي؟ تسكت عن العدل في القسمة كما سكت الأولون فتيار الرأسمالية يجرفك. تتحدث عن العدل والظلم الطبقي فتوصم بأنك شيوعي يختبئ في عباءة الإسلام.