بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

وإخوانه وحزبه

لكل وقت عمله

أخي المؤمن، أختي المؤمنة، يقول تعالى في سورة الملك:(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وما بين الحياة والموت مجال زمني لعمل الإنسان، أي للعبادة. فعمرك هو رأس مالك، فينبغي أن تنظم وقتك بين الواجبات والأعمال المختلفة، حتى لا يطغى بعضها على بعض، إذ ليس المهم أن تعمل ما شئت متى شئت، بل المهم أن تعمل العمل المناسب في الوقت المناسب. فعليك أن تعرف ما يتطلبه الوقت من عمل القلب واللسان والجوارح وتتحراه وتجتهد في القيام به حتى يقع موقعه من الموافقة للمقصود، ومن القبول عند الله عز وجل. جاء في وصية أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استخلفه: “اعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار”.

النقلة من زمن العادة إلى زمن العبادة

فكيف السبيل لتؤدي رسالتك في هذه الحياة المحدودة، وتعيش سعادة الدارين؟ قال تعالى في سورة النحل:(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) آية 97. فبالإيمان والعمل الصالح تتحقق السعادة، وللإيمان شعب حصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بضع وسبعين شعبة. ومن أعمال شعب الإيمان ما يلزم المؤمن مرة في العمر كالحج، ومنها ما يلزم مرة في السنة كصوم رمضان، ومنها ما هو موقوت مضبوط كالصلاة والزكاة، ومنها ما يسنح في أوانه وبمناسبته كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، ومنها ما هو فرصة دائمة كإماطة الأذى عن الطريق، ومنها ما هو صفة نفسية مصاحبة كالحياء، ومنها ما ينبغي أن يصبح عادة راسخة كقول: لا إله إلا الله.

لكن المؤمن يجب أن تكون في حياته اليومية معالم لتكون قدمه راسخة في زمن العبادة والجهاد لا في زمن العادة واللهو. قال عارف بالله: “من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه! ” فهناك أوقات المهنة والأسرة والمدرسة والشغل، فيجب ألا يمنعك توقيت زمن الوظائف الدنيوية عن إقامة الصلاة في الجماعة والمسجد ما أمكن، فإن لم تكن جماعة ومسجد فواجبك أن تؤلف حولك المصلين في معملك وإدارتك ومدرستك، وتتخذ لهم مسجدا وأذانا وإماما ودقائق وعظ ودعوة.

فبماذا ستبدأ يومك وبماذا ستختمه ؟ وما هو مفتاح النقلة من زمن العادة إلى زمن العبادة ؟

الوتر النبوي وآدابه

يبدأ المؤمن يومه ساعة، أو سويعة إن تكاسل  ولا ينبغي له- قبل الفجر يصلي الوتر النبوي إحدى عشر ركعة. مثنى مثنى ويتبأس ويتمسكن فالصلاة إقبال العبد على الله، وأفضل صلاة بعد الفريضة جوف الليل كما جاء في الحديث. والطريق القصير والسبيل السوي للدخول على الله عز وجل هو طريق العجز والفقر والشفقة والتفكر، وإظهار ذلك كله أمام الله سبحانه وتعالى وليس أمام الناس. وبين كل ركعتين لابد من التضرع لله والتبأس والتمسكن متوجها بقلبه إلى ربه ضارعا باكيا تجري دموعه على خديه، وأن لا يرى الشخص من نفسه إلا القصور والنقص والعجز والفقر وأن كل محاسنه وكمالاته إحسانٌ من فاطره الجليل، ويتقبلها نعما منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر، ويحمد بدل المباهاة. فتزكية النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية من سورة الشمس: ( قد أفلح من زكاها)، وهي أن تعلم أن كمال النفس في معرفة عدم كمالها، وقدرتها في عجزها أمام الله، وغناها في فقرها إليه روى الإمام أحمد عن المطلب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتبأس وتمسكن وتقنع يديك وتقول اللهم اللهم فمن لم يفعل ذلك فهي خداج”. قال شعبة: فقلت: صلاته خداج؟ قال: نعم. فقلت له: ما الإقناع؟ فبسط يديه كأنه يدعو. وروى ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، فيقول الله جل وعلا لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة في ما عندي وشفقة مما عندي!& ”

ثم يجلس بعد الانتهاء من الصلاة للاستغفار. قال تعالى في شأن الفائزين بالنعيم المقيم في دار الخلود في سورة الذاريات: ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) الآيات 15-18.

أجر حجة وعمرة

الجلسة بعد صلاة الصبح إلى الشروق سنة. فذاك زمن مبارك يحافظ عليه المؤمن ما أمكن تلاوة وذكرا (مبتدئا بأذكار الصباح المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وتعلما وحفظا، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن: “اللهم بارك لأمتي في بكورها”. وأخرج الترمذي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس كانت له كأجر حجة وعمرة” قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تامة تامة تامة” قال الترمذي حسن غريب.

صلاة الأوابين

صلاة الضحى، صلاة الأوابين (من ركعتين إلى ثمان ركعات حسب المتاح). قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: “ابن آدم، اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره” رواه أحمد وغيره وسنده جيد.

بيت في الجنة

السنن الرواتب ( هي التي تكون قبل الفريضة أو بعدها) والنوافل: ركعتان قبل الفجر، ركعتان بعد الوضوء سنة سيدنا بلال. أربع ركعات قبل صلاة الظهر تفتح لها أبواب السماء وركعتان بعدها، ركعتان قبل العصر، ركعتان قبل المغرب وست ركعات بعدها، ركعتان قبل العشاء وأربع ركعات بعدها. والمحافظ على الرواتب يبنى له في كل يوم صلاها بيت في الجنة كما روى الإمام مسلم وغيره. وليوتر قبل النوم من لا يقوى على القيام قبل الفجر، أو يخاف فوات الوقت، ووتر السحر أمثل.

التجارة الرابحة

جلستان صباحا ومساء لقراءة وردك من القرآن في المصحف بخشوع وتدبر وتفهم لمعانيه فتلك تجارة رابحة لن تبور. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه”. حزبان على الأقل وهي رخصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتكون ختمة للقرآن في كل ثلاثين يوما. من لا يحفل برسالة ربه، من يهجر كتاب مولاه إليه فهو همَل. وبقدر صفاء النفس وطهارة القلب تكون الاستفادة من القرآن، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: “لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من تلاوة كتاب ربكم”. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء همنا.

سور وآيات فاضلة

نظرا لما لبعض السور والآيات القرآنية من فضائل وفوائد عاجلة وآجلة كالتحصين والحفظ والنجاة من أنواع الأذى، وتفريج الكربات والمغفرة ورفع الدرجات وغيرها، فقد وردت في فضل قراءتها أحاديث نبوية شريفة، فعلى المؤمن المداومة على تلاوتها وجعلها وردا يوميا وهي: *سورة الفاتحة بعد الاستعاذة والبسملة. ثم*”ألم” البقرة إلى ” المفلحون” و*آية الكرسي إلى “خالدون” و*”آمن الرسول” إلى آخر السورة. و*آل عمران من البدء إلى “الميعاد” ثم من *”شهد الله” حتى “سريع الحساب” ثم من *”قل اللهم مالك الملك” إلى”بغير حساب” ثم من *”إن في خلق السماوات والأرض” إلى آخر السورة. ثم *خواتم سورة التوبة من “لقد جاءكم رسول” إلى آخر السورة 7 مرات. و*خواتم سورة الكهف من “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا” إلى آخر السورة. ثم*سورة السجدة كلها. ثم*سورة يس كلها، ثم*خواتم حم غافر من بدء السورة إلى”إليه المصير”. ثم *حم الدخان كلها. ثم*خواتم سورة الفتح من”محمد رسول الله” إلى آخر السورة. ثم *الواقعة. ثم *المسبحات (الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن). ثم *سورة تبارك الملك. ثم *سورة الأعلى. ثم *سورة الضحى. ثم *سورة الشرح. ثم*العلق. ثم *القدر. ثم *الزلزلة 4 مرات. ثم *التكاثر. ثم *العصر مرتان. ثم*قريش. ثم *الماعون. ثم* الكوثر 3 مرات. ثم *الكافرون 4 مرات. ثم *النصر 4 مرات. ثم *الإخلاص 3 مرات. ثم *الفلق والناس. ثم الختم بالفاتحة وأول البقرة إلى “المفلحون”.

ما يتجدد به الإيمان

ثلاث جلسات من ربع ساعة على الأقل لذكر الكلمة الطيبة، أعلى شعب الإيمان “لا إله إلا الله” فبها يتجدد الإيمان، مع حضور القلب مع الله عز وجل. روى الإمام أحمد بإسناد حسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:”جددوا إيمانكم قيل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول: لا إله إلا الله”. لهذا ينبغي أن تكون هذه الكلمة الطيبة عادة راسخة في حياتك لا يفتر عنها لسانك، أخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون”.

كيف تحظى بالقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم

الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الأقل 300 مرة في اليوم، وتخصيص ليلة الجمعة ويومها للصلاة عليه، فبها يخرجنا الله من الظلمات إلى النور، ويستنير قلبنا. أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة”. وروى أبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من سره أن يكال له بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل:”اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد”.

آداب النوم

قبل النوم توجه لله عز وجل، وحاسب نفسك كيف قضيت يومك. فالتقي أشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح، كما قال التابعي الجليل ميمون بن مهران. وجدد التوبة، ونَم على طهارة وعلى ذكر الله (وخصوصا أذكار النوم)، وعلى أفضل العزائم، وليكونَ آخر عهدك باليقظة مناجاة ربك أن يفتح لك أبواب الجهاد والوصول إليه. فمن لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية. كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولا يحسن بك أن تطيل السهر فتضيع حق الغد، فمن لم يكن غده خيرا من يومه فهو مغبون.

واجب طالب العلم

إن كنت طالبا فابذل الجهد الكافي والوقت الكافي للمذاكرة. فأول واجباتك بعد الصلاة والتلاوة والذكر تحصيل الحد الأدنى من علوم الدين، ثم تبذل جهدك للنجاح في دراستك، فذلك جهاد مرحلتك. ويحسن بك أن تختار ما ينفعك قراءته من الكتب لدنياك وآخرتك فقد قال حكيم: أخبرني ماذا تقرأ أخبرك من أنت.

مجالس الإيمان والزيارات الدعوية والدراسية

خصص ساعة لجلستك الإيمانية مع إخوتك لتكون من الراتعين في رياض الجنة كما أخبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فمجالس الذكر تملق العبيد لله ومرتع في رياض الله، أو لزيارة دعوة ودراسة ، فلأن يهدي الله على يدك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس.

لا عمل بلا علم

خصص سويعة من يومك تلزم نفسك فيها التفقه في الدين وذلك عن طريق المدارسة والرجوع إلى كتب الفقه الميسرة والواضحة، سعيا لإتقان شروط الطهارة والصلاة وسائر العبادات، فإن الله عز وجل لا يقبل العمل المخلص حتى يكون صوابا والصواب ما وافق السنة.

قيمة الوقت في حياة المسلم

قال الحسن البصري رحمه الله: ” يا ابن آدم، إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك” فليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحا أن تصرفه في الغفلة وتضيعه فيما لا يعني، واعلم أن الوقت الذي تندم عليه ولات ساعة ندم هو وقت لم تذكر فيه الله تعالى باللسان والقلب والجهاد لنصرة دينه. اقتصد في وقت نفسك ولا تضيع وقت إخوتك بالزيارات الطويلة وبقلة ضبط المواعد.

دعاء الرابطة:

مكانة الدعاء من الدين

الدعاء مخ العبادة، ويتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة. ودعاء المسألة هو ما تضمن سؤالا أو طلبا، ودعاء العبادة هو الذي يشمل جميع القربات الظاهرة والباطنة. وبهذا تكون جميع العبادات مندرجة في الدعاء. فيا أخي، لو لم يكن للدعاء من الفوائد إلا قربك من مولاك تعالى لكفى، فكيف وللدعاء من الفوائد والبركات الشيء الكثير. قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة: ” ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء “.

دعاء حملة العرش للمؤمنين

وما دام الإنسان قاصرا عن أن يعرف مصالحه، فإن الله عز وجل أرشده إلى أدعية في القرآن وأخرى في السنة النبوية، ومن الأدعية القرآنية دعاء الملائكة عليهم السلام للمؤمنين الصالحين، وهو تعليم لنا جاءنا من الله تعالى على لسان حملة العرش، لندعو للمؤمنين، قال تعالى في سورة غافر: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) الآيات 7-9.

بما ندعو؟ ولمن ندعو ؟

ومن رحمة الله تعالى بخلقه أنه علمهم كيف يدعونه كما علمهم كيف يعبدونه، وخير الدعاء هو ما كان بكلماته سبحانه، فهو خير دعاء نتجه به إلى الله عز وجل لأنه من الله إلى الله.

ومما أرشدنا إليه القرآن الكريم أن ندعو لأولئك الذين سبقونا بالإيمان بدءا من أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، ثم الذين أوصلوا إلينا هذا الدين القويم لأننا قد علمنا ديننا منهم وأخذنا من سيرهم القدوة. لقد كانوا أمناء في البلاغ، أمناء في العمل، أمثلة بارزة وهادية في العمل الخالص من أجل الدعوة. لذلك يعلمنا الحق عز وجل كيف ندعو لهم بقوله سبحانه من سورة الحشر: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) الآية 10.

دعاء الرابطة والصحبة والجماعة

ما سماه الشيخ البنا رحمه الله ورد الرابطة إنما هو تجسيم وتطبيق عملي لعقد الأخوة بين المؤمنين. ونرى دعاء الرابطة ضروريا لربط المؤمنين في جماعة. فإذا سرى معنى الربط بتكرار المجالسة، وتكرار الوقوف بين يدي الله في الصلاة، والعمل المشترك، والدعاء الرابط، التقت الصحبة بالجماعة ولم تكن الجماعة شكلا ولا الصحبة صحبة انفرادية.

ثمرة دعاء الرابطة

وبهذا الدعاء يشعر المؤمن بانتمائه إلى الموكب النوراني- موكب الإيمان والجهاد- من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، فيدخل الداعي في بركة أمة الخير التي تولاها الله عز وجل، ويزداد صلة إيمانية ومحبة بمن يدعو لهم عن ظهر غيب من إخوته. وفي التشهد تعليم كذلك للمؤمنين دعاء الرابطة، إذ ندعو لكل الصالحين فنقول: “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”، والذي يقول فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :” فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض ” أخرجه الإمام مسلم.

الدعاء لإخوتك من حسن الخلق

وعلى نهج القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة صار الصحابة رضوان الله عليهم، فكان بعضهم يدعو لبعض عن ظهر الغيب بل في جوف الليل، واعتبروا ذلك من حسن الخلق لأنه دليل على صفاء القلب من الغل لإخوانه ومحبته لهم، روى البيهقي في شعب الإيمان أن أم الدرداء قالت: “بات أبو الدرداء ليلة يصلي فجعل يبكي وهو يقول : ” اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي” حتى أصبح، فقلت : ” يا أبا الدرداء ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق”، فقال : “يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن الخلق الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، وإن العبد المسلم ليغفر له وهو نائم”. قال: فقلت: ” يا أبا الدرداء!” قال: “يقوم أخوه في الليل فيتهجد فيدعو الله عز وجل فيستجيب له ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه”.

الدعاء للمؤمن عن ظهر الغيب مستجاب

وكان الواحد منهم إذا لقي صاحبه سأله الدعاء وخصوصا إذا كان مسافرا إلى أقدس بقعة مكة المكرمة. أخرج مسلم وأبو داود عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف وكانت تحته الدرداء قال: ” قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء إلى منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام ؟ فقلت: نعم. قالت: فادع لي بخير فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:” دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل “. قال:” فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ذلك يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

وأخرج الترمذي وابن ماجة وأبو داود واللفظ للترمذي وقال: حسن صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فقال:” أي أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا “.

وأخرج ابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ” لما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس قلت يا رسول الله: ادع الله لي”. قال:” اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر وما أسررت وما أعلنت”. فضحكت عائشة حتى سقط رأسها إلى حجرها من الضحك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أيسرك دعائي؟ ” فقالت: ومالي لا يسرني دعاؤك. فقال صلى الله عليه وسلم:” إنه لدعائي لأمتي في كل صلاة”.

الدعاء على أي أساس؟

إلا أن الدعاء لا يكون مستجابا إلا بالعمل الصالح مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران: ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب).

وإلى هذه الحقيقة تشير سورة الفاتحة، فالمؤمن عندما يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم تأتي الآية الموالية لتؤكد أن هذا الصراط قد سلكه قوم من قبل وهم المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

فبالمحافظة على يوم المؤمن وليلته، ووصل ما أمر الله به أن يوصل، يكون المؤمن قد سلك الطريق الذي سلكه المنعم عليهم وبذلك ينتفع بدعاء الرابطة ويقدمه خطوة لكي يستيقظ فيه الطلب. فدعاء الرابطة في فراغ من الحب في الله، والخلق الحسن، والعمل الصالح، لا معنى له.

من آداب الدعاء

وللدعاء آداب، فقد قال ابن عطاء الله السكندري: “إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه نجح. فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم”.

” … ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان “

فينبغي للمؤمن أن يدعو بدعاء الرابطة، والأفضل وقت السحر عندما ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا يدعونا هل من تائب وسائل ومستغفر، أو متى تيسر ذلك، فيفتح دعاءه بسورة الفاتحة ثم الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويستغفر الله لذنبه ويسأل الله لنفسه ولوالديه وأهله وولده وذوي رحمه خيري الدنيا والآخرة ثم يصلي ويسلم على أنبياء الله ورسله من سيدنا آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ذاكرا الأسماء التي ذكرها القرآن ومعمما لمن لم نعرف أسماءهم مستحضرا حديث سيد المرسلين عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم: ” إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين “. وذكر الثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف:” سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين “.

وروى ابن أبي حاثم عن الشعبي والبغوي عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل في آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ” سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين”. ويذكرنا هذا المكيال الأوفى في حمد الله والسلام على المرسلين بالمكيال الأوفى في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سبقت الإشارة إليه.

ثم يترضى ويسلم على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذريته وأزواجه ذاكرا الأسماء الكريمة. ثم يترضى على الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة ذاكرا أسماءهم وأسماء من يستحضر من الصحابة ويعمم على المهاجرين والأنصار والصحابة أجمعين. ويترحم على التابعين وصالحي الأمة وأئمتها ذاكرا كل مرة أسماء البعض منهم ثم يتلو معمما الدعاء القرآني(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). ثم يدعو للمؤمنين المجاهدين في عصرنا والعلماء الصالحين ويعرض على الله حوبتنا ويستفتح للمجاهدين. ثم يخصص بالدعاء من يربطه بهم رباط المحبة والجهاد ويذكر الأسماء. ثم يسأل الله لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة والمغفرة والنصر وخيري الدنيا والآخرة. ويتوجه في دعائه هذا لمستقبل الإسلام والخلافة والنصر على الأعداء ثم يختم الدعاء بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم.

الدعاء ذكر للآخرة

وأعظم به من انجماع للقلب على الله، في أوقات الدعاء والمناجاة تلك، وأعظم به من ذكر للآخرة بالذكر اليومي لتلك الأرواح الطاهرة والسلام عليها. وإن ذكر الآخرة في سياق المناجاة والدعاء ارتفاع عن السفساف إلى المعالي التي يحبها الله.

وإن مما يحبه الله بل أحب الأعمال إليه سبحانه ما أثبتته وداومت عليه، قال صلى الله عليه وسلم: ” أحب الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه “. رواه البخاري.

ويتوج دعاء الرابطة  بعد الانتهاء منه أو في وقت آخر- بهدايا قرآنية لعامة الأرواح الطاهرة، وهدية خاصة للوالدين. وفي وصول ثواب تلاوة القرآن رسالة قيمة للحافظ عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله تحت عنوان: توضيح البيان لوصول ثواب القرآن.

حضور وتضرع

ومن الحكم النبوية في أدعية اليوم والليلة والخاصة بالمناسبات أنها ليس فيها دعاء واحد في أمر معين، بل نجد أكثر من دعاء حتى لا يردد الدعاء دون تدبر وتمعن وبقلب لاه، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والحاكم: “واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاه” لهذا لا ينبغي للمؤمن أن يخصص صيغة معينة محفوظة لدعاء الرابطة بل يدعو بما ينشأ ويصدر عن قلب حاضر متضرع منكسر