إن مما يزيد المؤمن إيماناً وطمأنينةً ويقيناً على أن هذا الدين حق، وأن ما أوحي به للمصطفى صلى الله عليه وسلم صواب وصدق، هو مشاهدة ووقوع بعض ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته منذ أمد بعيد، ولا غرابة في ذلك، فقد زكى الحق سبحانه وتعالى لسانه بقوله : “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى” (سورة النجم، الآيتان : 3-4).

وهكذا يتبين “أن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إبلاغ أمته بما سيكون هو جزء من معجزته المؤيدة لرسالته لمن سيأتي من بعده من المسلمين الذين سيشاهدون هذه الفتن، وبالتالي سيكونون على حذر منها ويتجنبون الوقوع في مزالقها، كما أنها الزاد الذي يمد المسلم بالقوة تجاه الكفر والإلحاد، فهذه هي مقومات للإيمان، فالمسلم حينما يرى ما أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام واقعاً بعينه يزداد إيمانه، فتكون معجزة له مثل المعجزات الحسية التي شاهدها الصحابة في حياته عليه الصلاة والسلام. إن المسلم الذي جاء بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى وشاهد ما أخبر عنه واقعاً بعد مئات السنين سوف تزداد ثقته بصدق هذا الرسول الكريم الذي بعثه الله ليكون رحمة للناس”(1).

إن هذا الأمر، أي التصديق بالغيب يحتاج إلى اليقين بالله تعالى وبموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأمة ستستعيد مجدها، وتسترد قوتها، استعداداً لبشارة الخلافة على منهاج النبوة. ف”مستقبل الأمة كما أخبرت عنه الأحاديث والآثار لينبئ بأن لهذا الدين عودة، وإن الخلافة الإسلامية سوف تعود، وإن المسلمين سوف يعود لهم دورهم القيادي مهما كان الظلام حالكاً ومسربلاً واقع الأمة بسواده. إن هذا التوقع لم يُبن على خيال إنما بني على أخبار الله لرسوله عليه الصلاة والسلام، حيث أخبر عليه الصلاة والسلام أمته بالمسار التاريخي لها حتى نهاية العالم وقيام الناس لرب العالمين”(2).

ولا شك أن اليقين الذي تحدثنا عنه آنفاً يحتاج إليه الدعاة أكثر من غيرهم، لأنهم أمناء هذه الدعوة، ويحتاجون إلى ما يثبتون به ركائز الإيمان في قلوبهم، وتحمل كل ما سيعترض طريقهم من إبتلاءات وامتحانات خلال فترة التحول في تغيير الواقع المعاصر إلى واقع أفضل وأحسن، وهذا يقتضي منا عدم استعجال قطف الثمرة خلال فترة الدعوة لإقامة الحكم الإسلامي، بل الواجب على كل مسلم ” العمل على المساهمة في البناء لتحقيق الغاية التي أشارت إليها الأحاديث من عودة الدين ليكون واقعاً في حياة الناس، وعليه أن يعمل في هذا السبيل فيكون جزءاً من قدر الله النافذ، وإلاَّ فإن قدر الله سوف يتحقق، لكن على كل مسلم أن يسعى ليحظى بأن يكون مع القافلة التي ستعيد مجد الأمة، فيكون له شرف المساهمة في تحقيق قدر الله في عودة الخلافة التي على منهاج النبوة”(3).

أولا: تشخيص الداء

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على تحذير أمته من الهلاك، وذلك ” أن حذرها مواطن السقوط وامتدت يده الطولى ب حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم” (سورة التوبة، الآية: 128) تغطي أمة الإسلام على طول زمانها وأمكنتها بالتمكين،والتفهيم، والتحذير، والإرشاد والتنبيه لمواطن البلاء، وأزمنتها، وما سيحدث ويحصل حتى قيام الساعة”(4).

وهكذا فالعاقل من الرجال لا يستطيع أن ينفي أن ما حذرنا منه صلى الله عليه وسلم منذ قرون قد حصل ووقع ولازالت الأمة تعيشه، كما يحق لنا أن نتساءل مع الشيخ محمد قطب حول ما وصلت إليه الأمة من ضعف وتضعضع” كيف هبطت ؟ لماذا هبطت؟ لماذا لم تحافظ على أفقها السامي، بل لم تحافظ على المستوى الأدنى الذي لا ينبغي لها أن تهبط دونه، والذي يحقق لها وجوداً راسخاً وممكناً لو حافظت عليه؟ !” (5).

نجد الجواب في الحديث النبوي الشريف الذي نحن بصدد دراسته، والذي أخبرنا فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وحذرنا مما سيصيب الأمة في المستقبل ؛ إنه داء خطير يجب على خير أمة أخرجت للناس، أن تقاومه وأن تستأصله، وذلك باعتمادها الدواء الذي عينه لها الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم.

وقبل الخوض في تفاصيل الموضوع لا بد لنا أولا أن ” نقف عند كلمات هن مفاتيح الفهم: كثرة عددية، وعدو نزع الله مهابتنا من صدورهم، وقلوبنا قذف الله فيها الوهن، وحب الدنيا وكراهية الموت.

أوصاف وأوضاع ناطقة عن حالنا، منطبقة على ما تراه العين وتنمُّ عنه الأفعال. باد للعيان الضعف الغثائي، الكثرة العددية. ولئن كابر مكابر في دخائل صدور أعدائنا ومضمرات قلوبنا بما قذف الله عز وجل فيها من وهن لمَّا عصيناه وعصينا رسوله، ولو لا نَزْعُهُ تعالى من صدور عدونا مهابتنا، لما تخاذلنا كل هذا التخاذل المتمثل في بسط خدودنا ذلَّة لأعدائنا”(6).

أ: الغثائية

إن من بين الأمراض التي أصيبت بها الأمة الإسلامية ونخرت كيانها، وزادت في تشتيت صفها مرض الغثائية. ” والغثاء غثاء السيل وغثاء القِدْر. وهو ما يطفَح ويتفرق من النبات اليابس وزبد القدر. ويضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به” هكذا قال علماء اللغة.

الغثائية إذن مرض الطفوح والتفرق وخفة الوزن. وهي صفات ما يضيعُ ويذهب غير معتد به : أي لا قيمة له ولا أثر”(7).

إنه وصف دقيق لحال الأمة، حيث استعمل صلى الله عليه وسلم صيغا بلاغية، وألفاظاً بيانية تستنهض الهمم الراقدة وتوقظ العقول النائمة.

ف”المسلمون غثاء كغثاء السيل”. مثل ضربه من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم، ليعتبر منا من يعتبر. مثال لا أبلغ منه في تصوير انحلالنا، وخفة وزننا، وهوان قيمتنا، وانسياحنا في مجاري التبعية الفكرية، ومطاوعة المنحدر الهاوي بنا إلى حيث تتراكم نفايات التاريخ.

سيل يجرف غثاءً. مثال مبكّتٌ مستنهض للهمم، كاشف عن مكامن الداء في نفوسنا التي أصبحت تبنا مجروفاً، والمطلوب إليها أن تثبت ولا تنصرف، وأن تعز ولا تذل، وأن تعمل صالحاً ولا يفعل بها”(8).

إن عدد المسلمين اليوم يفوق ويضاعف عدد الأمم الأخرى بكثير، ولكننا غثاء كغثاء السيل ونثار كنثار التبن الذي يجرفه السيل، يحتاج إلى من يجمعه وينظمه ويوحده، فالكثرة العددية بدون تنظيم وتوحيد تصبح آفة من الآفات، حيث يسهل على الأعداء السيطرة علينا وكذلك محاصرتنا والإستيلاء على خيراتنا.

ولا شك أن ما تعيشه الأمة الإسلامية في هذه الآونة الأخيرة من تشتت وتمزق هو بسبب هذا الغثاء، حيث أصبح المسلمون لقمة سائغة في فم العدو يفعل بهم ما شاء رغم كثرة أعدادهم، ولكنها كثرة كغثاء السيل. إنما شبهت بالغثاء، لأنه لا يجمع بينها تجانس ولا هدف ولا مجرى معلوم، إلا الخفة والاندفاع والسطحية التي هي صفة الغثاء”(9).

فالذلة مع الكثرة العددية “من الظواهر المشاهدة في هذا العصر الذي بلغ فيه العجز لدى المسلمين والضعف حداً لم يحدث على مدار التاريخ الإسلامي، وهي ظاهرة الكثرة العددية والعجز والتبعية والهوان حتى أصبح المسلمون يُذَبحون كما تُذَبَّح النعاج، ويهانون فلا تتحرك لهم طرفة عين، وتنتهب أموالهم وتنتهك أعراضهم وتشتم عقائدهم ومع ذلك لا يتحركون إلا عند خواء البطون، فإذا ملئت بحفنة من طعام مغموس بالذل والمهانة رجعوا إلى نومهم العميق. إن هذه الظاهرة لتدعو إلى العجب فالمسلمون ليسوا قلة ولكنهم كثرة ومع نزع الخوف من قلوب أعدائهم ارتكسوا في مستنقع المهانة والذل”(10).

وهذا يدل على أن الأمة تحتاج إلى الكيف أكثر مما تحتاج إلى الكم، فالكثرة العددية لا تدل في غالبية الأحيان على قوة الجماعات، وذلك إن لم تكن هذه الكثرة منظمة وموحدة وبينها تماسك وتعاون.

فالحديث يعتبر مرة أخرى “ضرباً” من التنبؤ والاستحضار: استحضار حالة العالم الإسلامي، بعد أن تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية، أي عندما لا يعود مجتمعا، بل مجرد تجمعات لا هدف لها كغثاء السيل.ولا ريب أن جيلنا الحاضر يدرك الحديث أكثر مما يدركه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه يصف في مضمونه العالم المستعمر، والعالم القابل للاستعمار الأمر الذي تعرضنا فيه لتجربة شخصية”(11).

ولا شك أن سبب هذا كله هو “خراب الباطن من قوة الإيمان الذي يستصغر الدنيا لدى المؤمن، ويحبب إليه الموت في سبيل الله والذي سماه الحديث (الوهن) و فسره بأنه (حب الدنيا وكراهية الموت).

ولا عجب أن يهزم ألف مليون من غثاء السيل أمام ثلاثة ملايين من اليهود ! !” (12).

ب : ضعف المسلمين ونزع المهابة من قلوب عدوهم :

لقد أصبحت الأمة الإسلامية ضعيفة ذليلة، بعد أن كانت قوية عزيزة، وقائدة للعالم أجمع، حيث كان يخشاها ويخافها أقوى وأغنى الأعداء في ذلك الحين من الفرس والرّوم، ولكن بعد مرور فترات من الزمن خاصة بعد انتهاء الخلافة الراشدة وانقلاب الحكم من خلافة إلى ملك، تغيرت الأوضاع وبدأت الخلافات والفرقة تدب إلى صفوف المسلمين إلى أن بلغ بهم الأمر إلى ما هم عليه اليوم من تكالب الأعداء عليهم، وكذلك بسبب ضعفهم وتراجعهم وانتزاع الله الخوف من قلوب عدوهم.

” هكذا وقع الأمر كما تنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نشاهد بأعيننا مصداق هذه النبوة ونتفرج على هذه المأساة التي تعيشها الأمة الإسلامية من اجتراء الأمم عليها وتكالبهم وتواطؤهم ضدها وانتزاع مهابتها ومكانتها وأهميتها من قلوب غيرها حتى أصبحت الأمة الإسلامية لا كلمة لها ولا مكانة وأصبح الآخرون يحكمون ويشاركون أراضيها كيفما أرادوا ويديرون أمورها كيفما شاءوا”(13).

إن خوف وجبن المسلمين هما اللذان جعلا أهل الكفر يتجرؤون على اغتصاب حقوقهم، ونهب خيراتهم، واستباحة أراضيهم وممتلكاتهم، وهذا يتضح جليا في العلاقات الدولية بين الحكومات العربية والحكومات الغربية، حيث أصبح المسلمون يخشون “دول الاستعمار فيطيعونها حتى على آبائهم وأبنائهم وأعزّ الناس لديهم وأغلى الأمور عليهم وعلى دينهم ووطنهم وقوميتهم وثقافتهم، وإن سألتهم عن أسباب هذه الطاعة العمياء قالوا لك إننا إن لم نطعهم أهلكونا ونحن لا قبل لنا بمقاومتهم، ونسوا انهم عندما تقذف بهم دول الاستعمار في حروبها يلاقون فيها الموت الذي لم يكونوا ليلاقوا أعظم منه لو كانوا عصوها”(14).

وهكذا يبقى الجبن والهلع من أعظم العوامل في تقهقر المسلمين، وذلك بعد أن : “كانواْ أشهر الأمم في الشجاعة واحتقار الموت، يقوم واحدهم للعشرة وربما للمائة من غيرهم، فالآن أصبحوا إلا بعض قبائل منهم يهابون الموت الذي لا يجتمع خوفه مع الإسلام في قلب واحد.ومن الغريب أن الإفرنج المعتدين لا يهابون الموت في اعتدائهم، هيبة المسلمين إياه في دفاعهم، وأن المسلمين يرون الغايات البعيدة التي يبلغها الإفرنج في استحقار الحياة والتهافت على الهلكة في سبيل قوميتهم ووطنهم ولا تأخذهم في ذلك الغيرة ولا يقولون نحن أولى من هؤلاء باستحقار الحياة، وقد قال تعالى : ” ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تالمون فإنهم يالمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون (سورة النساء، الآية : 104)” (15).

ومن أسباب واقع حال المسلمين كما يصوره هذا الحديث: ” زوال المهابة من قلوب أعداء المسلمين حيث إن الأعداء أدركوا أنه لا ردّ فعل يمكن أن يصدر عن المسلمين مهما انتهكت الحرمات حتى ولو هدم المسجد الأقصى وأقيم على أنقاضه الهيكل اليهودي”(16).

وأسباب انتزاع المهابة من قلوب الأعداء كثيرة، نذكر من بينها :

1- الخلاف والصراع بين الدول والشعوب الإسلامية ” والعمل على الاستعانة والاتكال على الأعداء ونتج عن ذلك أن الأعداء تربى عندهم عدم الخوف نتيجة لتنازل المسلمين عن الكثير من حقوقهم. والمطلع على مسيرة التاريخ بعد أن ضعفت الدولة العثمانية وسقطت البلاد الإسلامية في يد الأعداء هو اعتماد الحكام على الأعداء في الحصول على حقوقهم. بل إن كل خلاف يحدث بين حكام المسلمين يلتجؤون إلى أعدائهم لينالوا النصر والمساعدة والأحداث المعاصرة أكبر شاهد على ذلك.

2- تعطيل فريضة من أهم فرائض الإسلام وهي فريضة الجهاد بزرع حب الدنيا وكراهية الموت وعشق الحياة بحيث حب الدنيا مقدم على الآخرة والحصول على لقمة العيش مغموسة بالذل أطيب وأعذب للنفوس من مجابهة الأعداء والموت في سبيل ذلك، فربيت الأمة على حب الدعة والاستكانة والعيش في ظل سيطرة العدو وحمايته.

3- تسلط الحكام والاستبداد الذي أصبح سمة الحكومات الإسلامية، فأصبحت الجيوش تعد لمحاربة الأمة إذا أرادت أن تنهض من وطأة الذل، وعمد أصحاب السلطة إلى إذلال الأمة من خلال تجويعها، أو غمسها في الترف مع توفير أسباب الإرتخاء من إشاعة التفسخ الأخلاقي وإبعاد القيم الأخلاقية من أن تحكم واقع الحياة واستبدال ذلك بالمجون& “(17).

ج : الوهن (حب الدنيا وكراهية الموت)

لقد ختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الشريف بأخطر الأمراض التي لا زالت تنحر كيان الأمة، ألا وهو الوهن : ” هذا المرض الذي يصيب الأمم والشعوب فيقضي على كيانها، ويهدم وجودها، ويسقط هيبتها، ويمحو أثرها، ويزلزل أركانها، ويحطم دعائمها، فتهون على عليائها وكرامتها واستعلائها إلى أن تركع أمام الأمم الأخرى، وتستخذل أمام الشعوب المجاورة، وتصبح لقمة سائغة للطامعين فيها، بل يكثر الأكلة حولها، ويجتمعون على اقتسامها والقضاء عليها، كما يجتمع الجياع حول الطعام ليتناولوه، ويأخذوه ويقتسموه، فلا يرفعون أيديهم عنه، وفي القصعة أثر لوجوده”(18).

وقد شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم المرض، فبين أنه الوهن، ثم شرح أعراضه الظاهرة وأسبابه القريبة والبعيدة، وهي حب الدنيا، والتعلق بها، والافتتان بزينتها، والسعي وراءها، والطمع فيها، وقصور الآمال عليها، واعتبارها المبدأ أو المنتهى، والظن بالخلود فيها، وحب الاستزادة من البقاء فيها، وبالتالي كراهية الموت، لأنه يقطع هذه الآمال والأماني وكأن لسان حال القوم يردد سخافات الجاهلية من الدهريين وغيرهم حين يقولون : “إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين”( سورة المومنون، الآية : 37)” وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين”( سورة الأنعام، الآية : 29) “وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون”( سورة الجاثية، الآية : 24).

إن المرض واحد، ولكن له وجهان متقابلان، وصفتان متلازمتان، وعرضان متحدان، وهما حب الدنيا وكراهية الموت، وهذان العرضان نشيطان ومؤثران، ويتركان الآثار العظيمة، والنتائج الخطيرة، ويدفعان إلى أعمال جمة.

فمن آثار حب الدنيا أن تبدأ من الفرد لتصل إلى المجتمع، فتصبغه بها، وينتشر الحرص على جمع المال، والانكباب على كسبه بالطرق المشروعة وغير المشروعة، ويظهر التقائل والتخاصم والشح والبخل، والجشع والطمع، واللف والدواران في التعامل، والتحايل والتهرب، والسرقة والغصب، ثم يعقب ذلك التخاذل والجبن والخوف والاضطراب والقلق الشديد في المستقبل.

ومن آثار كراهية الموت أن يعب الإنسان من طيبات الحياة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وألا يعد للموت عدّته، ولا يقدم شيئا أمامه، ويسرف في الملذات، ويسعى لإشباع الشهوات، وينقاد وراء الغرائز ولو قتل نفسه بنفسه، ثم يهلك ذاته بيده.

ويشرح القرآن الكريم هذا المرض بشقيه، مبيناً أثره وخطره وعاقبته، فيقول تعالى : “ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم. ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم”(سورة التكاثر، الآية 1-8).

هكذا يتضح أن حب الدنيا وكراهية الموت (الوهن) هو أصل البلاء، فيجب على كل المسلمين أن يحذروا هذا المرض الخطير والوباء القاتل، وأن لا يركنوا إلى الدنيا، وينبهروا بزينتها وزخرفها” ” يكره الموت ويحب الحياة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر أصلاً ومن لم يتجذر في قلبه الإيمان حتى يتيقن بالآخرة فيعمل لها. ومن هم هائمون على وجه الأرض، سائحون طفيليون، لا ترتفع أبصارهم فوق زينة الحياة الدنيا، ولا تتعدى مطامحهم اللحاق بأبناء الدنيا، المتمتعين بالدنيا، القادرين على الدنيا، الباطشين فيها، المستكبرين.

قلوب لا يسكنها الإيمان بالله وباليوم الآخر خراب يسرع إلى التعشيش فيه الوهن”(19).

د : خلاصات

لقد أصبحت الأمة الإسلامية اليوم قصعة تُؤكل وذلك بحيل أكثر تطوراً من ذي قبل، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين ونرجع إلى القصعة وكيف يأكلها الأكلة في عصرنا، كانت الأمة في عصور مضت عرضة لداء الغثائية أطواراً. أكل المغول بغداد حين تبذخت، وأكل الصليبيون أطراف القصعة في الشرق حتى جمع الله شتات المسلمين وأبرأهم من غثائية ذلك الزمان على يد السلطانيين محمود بن زنكي وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله. وأكل نصارى أوربا قصعة الأندلس فذهب خبرها.

وتآكل المسلمون فيما بينهم منذ فجر تاريخ الإسلام في وقائع الجمل وصفين، أجج نار تلك الوقائع في جسم الأمة أوْشابُ من المتفرعنين القبليين،وتآكل المسلمون بعد ذلك ما بين شعوبيين ثائرين وعرب حاكمين، وما بين قبائل بمحمية مغيرة على حواضر ناعمة.

& لكن غثائية عصرنا ” وقصعية” المسلمين في عصرنا، واستهانة العدو بنا لم يسبق لها مثيل.

إن كان الأكلة من قبل طمعوا منا في أسلاب وغنائم وأراضي وممتلكات، فأكلة عصرنا يطمعون في اجتثاث شجرتنا من فوق الأرض. ولا يقاوم بعض أبناء المسلمين وبنات المسلمين الهجمة الشاملة على مبنانا ومعنانا، بل هم بعض أسلحة عدونا في الغزاة، هم بعض ملاعق الأكل، هم وكلاء إشهار يبشرون الخروف بأن المجد كل المجد في أن يموت لتحيى حضارة الذئب.

يأكلنا في هذا العصر عدونا بأساليب ووسائل أنكاها فينا بلا مؤاربة ولا ريب تدجين الاستعمار عقول أبنائنا وبناتنا واستحمارها حتى أصبحت تستلذ السم الزعاف، سقوه في قوارير الثقافة المتنورة الفيلسوفة التي من مبادئها حب الدنيا وكراهية الموت.

هؤلاء الذين يحبون الموت في سبيل الله، ويكرهون الذلة لغير الله، ويحاربون الاستكبار الفرعوني، هم متطرفون إرهابيون، هم متخلفون عن العصر، هم المنغصون الطفيليون في مأدبة يرضى بها الآكل والمأكول”(20).

لقد أصيبت الأمة الإسلامية بهذا الداء الخبيث في جميع أطرافها، اقتصادية واجتماعية وثقافية، وسياسية، وأخلاقية& حتى أقعدها المرض إلى الأرض وأصبحت عاجزة عن أداء مهمتها، بل بلغ بها الأمر أن تُهجر وتنبذ ولا يسمع صوتها، ولا يؤخذ برأيها حتى بلغ بها الحال ما بلغ بتيم حيث قال الشاعر القديم واصفاً إياها:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يستأذنون وهم شهــــود

“ونرى ذلك في قضايانا التي تعرض في هيئة الأمم وفي مجلس الأمن وفي غيرهما كيف يقضى فيها كأننا غير موجودين، حتى وإن كنا بين ظهرانيهم يقضى علينا في كل قضية من هذه القضايا، لماذا ؟ لأن وجودنا في الأرض ضعيف ، لأن هذه الدول تتداعى علينا تأكل حقوقنا، تأكل خيراتنا، تأكل كرامتنا، وتريد أن تستعبدنا”(21).

وباسم الإرهاب تشنُّ حرب ضروس ضد المسلمين في دول عدّة، وتتكالب عليها قوى الشر من الصهاينة والأمريكان وحليفاتهما  من كل جانب، حيث ذاقت مجموعة من الدول مرارة الظلم والقتل والتشريد مثل الشيشان، والبوسنة والهرسك، وسرايقو وما تعيشه الأقليات المسلمة في بعض الدول من اضطهاد وقمع مثل بورما، والهند وغيرهما من الدول، كما أننا نسمع عن وحشية الصهاينة أحفاد القردة والخنازير وما يذيقون إخواننا في فلسطين من العذاب، ومن قتل، وتشريد، واغتصاب، وإبادة. إنه أمر يعلمه الصغير والكبير والرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم، بل إنك تجد الصبي يعرف تفاصيل ما وقع ويقع في فلسطين، وما أحداث جنين عنا ببعيدة، وكذلك قتل الطفل محمد الدرة في حضن أبيه والصبية إيمان حجو وقافلة الشهداء مازالت مستمرة.

ويحسن بنا أيضا أن نذكر في هذا الباب بما عاشته أفغانستان المسلمة من تكالب مقيت، ومن تدمير شامل، ومن تشريد لرجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها وذلك من طرف أمريكا ومن والاها من قريب أو بعيد. (يتبع)

الهوامش:

(1) مختارات من أحاديث الفتن، ص : 7.

(2) مختارات من أحاديث الفتن، ص : 54.

(3) المرجع السابق، ص : 55.

(4) السيروان، أحاديث سيد المرسلين عن حوادث القرن العشرين من المقدمة.

(5) محمد قطب، واقعنا المعاصر، الطبعة 1467هـ،1986م، مؤسسة المدينة، ص : 115.

(6) عبد السلام ياسين الشورى والديمقراطية، ص : 202.

(7) عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم، ص : 43.

(8) الشورى والديمقراطية، ص : 201-202.

(9) يوسف القرضاوي، المدخل لدراسة السنة النبوية، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية 1411هـ،1991، ص: 16.

(10) مختارات من أحاديث الفتن، ص : 103.

(11) المنهج النبوي والتغيير الحضاري، ص : 91.

(41) د. يوسف القرضاوي، أين الخلل؟، ط 5، 1990، الرسالة ، ص : 22.

(12) محمد ولي الله عبد الرحمن الندوي، نبوءات الرسول صلى الله عليه وسلم ما تحقق منها وما يتحقق، الطبعة الأولى، 1410هـ،1990، دار السلام ص : 236،237.

(13) الأمير شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم تقديم محمد رشيد رضا مراجعة خالد فاروق، دار البشير، ص : 85.

(14) لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، ص :77.

(15) مختارات من أحاديث الفتن، ص: 105.

(16) المرجع السابق.

(17) د. محمد الزحيلي، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 243، ربيع الأول 1405هـ دجنبر 1984م، ص: 45.

(18) الشورى والديمقراطية، ص : 204.

(19) الشورى والديمقراطية، ص : 206-207-208.

(20) محمد قطب، الإسلام كبديل عن الأفكار والعقائد المستوردة وأبحاث أخرى ، مكتبة السنة، ص : 130.

(21) الأمير شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم تقديم محمد رشيد رهنا، مراجعة خالد فاروق. ص : 41.