يعرف مغرب الألفية الثالثة تجديدا في أساليب التعاطي مع جملة من القضايا، ولا غرابة في ذلك ما دام قد وسم نفسه بمغرب العهد الجديد. جدة إذاً في الاسم، فهل هي كذلك في المسمى؟ ذلك ما سنتناوله عبر ثلاث أمثلة هي: جلسات الاستماع، وفك الحصار عن الداعية عبد السلام ياسين، ومنتديات الإصلاح.

طالعتنا التلفزة المغربية مشكورة بجلسات الاستماع التي أفزعت المشاهد المغربي عوض أن تهدئ من روعه، وطمأنت أصحاب الأيادي المتسخة عوض أن ترعبهم. استمعنا ساعات طوالا لشكاوى ضحايا تم اختيارهم بعناية ثم خضعوا لجلسات تحضيرية لتهييئهم للحديث العظيم، ووجهت لهم نصائح وتوجيهات أبوية ليقولوا كذا ويتجنبوا قول كذا. فيكفي منح فرصة الكلام أمام المشاهد، اعتراف ضمني من الدولة بمجازرها في العهد البائد، لا داعي معه للتصريح والتجريح المخلين بنبل القضية وعلو المقصد. عملية إخراج متقنة، ودعاية موفقة، تلك التي قدمت به العروس. مساحيق أتقنت توظيفها لإزالة تهمة الرصاص عن نفسها. نضج ديمقراطي، ووعي حقوقي غير مسبوق ينبغي أن تسير على دربه الأنظمة الأخرى! إشادة دولية أشبه بالتكريم على حسن الصنيع هذا. تطبيل في الخارج أعقب التصفيق بالداخل. انشراح أسارير الحلفاء في وجه التلميذ النابغة. أما الحقوقيون فأصبحوا في حيص بيص من أمرهم، وأصاب التصدع صفوفهم. كان العطاء و”التنازل” بالشكل الذي يكسر البيت من الداخل، بل يستدمج أصواتا لها من الرمزية والشرعية التاريخية والنضالية ما يجعل النظام يقوي صفوفه، ويضيق الخناق على خصومه. لم يعد المدافع عن جمال العروس وجاذبيتها أهل بيتها، بل ماشطتها، بعد أن أغدقت عليها العطاء تعويضا عن السنوات الخوالي، بل استحقاقا لا غبار عليه! ثم تبعها الجيران والأصحاب حتى إذا انبرى أحد للطعن في زينة العروس، تصدى له الجميع واتهمه في نزاهته وقدرته على مواكبة المستجدات، والعالم من حوله.

يأتي في نفس سياق تجديد الأساليب حدث “فك الحصار” منذ خمس سنوات عن الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان. كانت الإقامة الإجبارية التي تعرض لها المرشد تتويجا لسلسلة من الخروقات فشلت في تدجينه وتركيعه: السجن في الأقبية، مستشفى الأمراض العقلية، فالسجن مرة ثانية، ثم المنع من الدعوة بالمسجد، ومن المحاضرة بالقاعات العمومية، ومن إصدار منابر إعلامية (مجلة الجماعة، جريدتي الصبح والخطاب…) إلى غير ذلك من التعسفات. بدأت هذه الإقامة في دجنبر 1989 واستمرت لأكثر من عشر سنوات في سياق التصفية النهائية مع جماعة العدل والإحسان. ما كانت سنوات السجن الانفرادي هاته لتفل من عضد الأخ المرشد، ولا لتحجم من امتداد الجماعة وانتشارها. فتقارير الاستخبارات تؤكد هذا التوسع، كما أن مظلوميتها أضحت كنار على علم، فهل تصم الدولة آذانها أم تعيد ترتيب مكونات لعبتها في رقعة الشطرنج؟ هل تقبل بالطعن في مصداقية إصلاحاتها وخطابها الحقوقي، أم تغير قواعد اللعبة؟ إن لتكريس سطوة المخزن وهيبته أساليب أكثر جدوى من تلك التي كانت في سنوات الرصاص. إن لمغرب اليوم حرصا شديدا على سمعته، سيما تلك التي تخدم شعارات المرحلة، ولا تناقض التوجهات العالمية كالحرب على الإرهاب مثلا. سلمية هي إذاً هذه الجماعة الإسلامية بما لا يدع مجالا للريب (والاستخبارات أول من يعلم ذلك لمتابعتها الدقيقة والمكثفة لتحركات ونشاطات كثير من أعضاء هذه الحركة الدعوية)، وعالمي هو صيتها، (ولا أدل على ذلك من العدد الكبير لزوار موقعها) فلم إذاً لا يُستعمل هذا الصيت لتلميع الصورة وتثبيت شعار المرحلة؟ المواطن المغربي عبد السلام ياسين أصبح حرا في مقامه وتنقلاته طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وترسيخا لمفهوم دولة الحق والقانون! هذا على مستوى التسويق الإعلامي. أما على مستوى الواقع فالأمر على خلاف ذلك، لم يزدد الخناق إلا تضييقا على جماعة العدل والإحسان عبر المتابعات القضائية والتعسفات الإدارية ضد كل ما يشتم منه رائحة التعاطف من أشخاص وجمعيات. تُرك للرمز حرية التنقل، لكن في حدود ضيقة، حيث يصطحبه في حركاته وسكناته جيش عرمرم من مختلف الأجهزة الأمنية (لحمايته يقولون)، ويمنع عنه المسجد والقاعات العمومية والخصوصية لإيصال دعوته، كما أن الأجهزة البوليسية غرست أوتاد خيمتها بمحاذاة بيته ليل نهار. خرج التعسف من الباب أمام أضواء الكاميرات، وكتب عن ذلك العالم، ثم رجع في ظلمة الليل متسلقا النافذة ليعود لنفس المكان الذي برحه. خطة ذكية أليس كذلك؟

مثال ثالث أسوقه عن التغيير في الأساليب، إنه ما اصطلح على تسميته بمنتديات الإصلاح. هل بلغت بالنظام الجرأة لكي يطرح لعموم الشعب أوراشا للتفكير والتقويم والاقتراح ليصلح من حاله السيئة؟ ليس بعد، إنما هي خطوة جزئية من داخل قطاع مهم هو قطاع التربية والتعليم، الذي يسير من خارج دواليب الوزارة. عرف هذا الأخير منذ فجر “الاحتقلال” أي ما يقرب من خسمة عقود خلت “إصلاحات” عدة باءت كلها بالفشل الذريع، آخرها في القائمة هو ما جاء به الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي جعل من العشرية حيزا لتكتيل الجهود وحشد الإمكانات لمعالجة أدواء هذا القطاع بل اعتبره أرضية تحتل مركز الصدارة بعد الوحدة الترابية. لكن رغم جهود كثيرة بذلت ولا زالت (ولا ننكر ذلك) تبقى الحصيلة دون المستوى منذرة بأوخم العواقب لا قدر الله. هنا تفتقت العبقرية المغربية. أعلن عن انطلاق منتديات الإصلاح السنة المنصرمة وطنيا فجهويا، فإقليميا فمحليا، ثم أخيرا على مستوى كل مؤسسة تعليمية، تقدم فيها الوزارة ورقة إطار ثم يتلو ذلك عمل الأوراش، ثم ترفع التقارير المتضمنة للاقتراحات إلى الوزارة المعنية. إنها عملية توريط جماهيرية لم يسبق لها مثيل. لماذا يتحمل النظام المسؤولية وحده في حالة الفشل؟ انصرمت قرابة نصف العشرية دون كبير جدوى وأخذ بريق الدعاية والوعود الزائفة يشحب منذرا بسقطة كارثية، فكانت عملية “الإشراك” هاته لعموم رجال ونساء التعليم لحصد مكاسب كثيرة أذكر منها:

” إلزام عموم رجال ونساء التعليم الإنصات للمنجزات المحققة عبر ورقة الإطار الوزارية المعدة بعناية فائقة حيث تكثر الأرقام الضخمة والنسب المئوية، ولا بأس من ذكر بعض الإخفاقات زيادة في الإيحاء بالمصداقية.

” إعطاء فسحة من الحرية في النقاش داخل الورشات، ضمانا لعملية تفريغ الشحن الغضبية، وهي بمثابة قرص مهدئ إلى حين.

” الوقوف على بعض الانتقادات والهفوات ومحاولة حل ما يمكن حله منها، ضمن رؤية تجزيئية للداء كسبا لتعاطف أكبر.

” الاستجابة لبعض المطالب الملحة للشغيلة التعليمية استدماجا لها وتوهيما بأنها شريك حقيقي وعنصر فاعل في عملية الإصلاح مما سوف يفحمها ويلجم لسانها عن انتقاد التجربة ككل عند انقضاء العشرية المذكورة. وكأن النظام يقول، لا كلام لكم معي، فقد عملنا معا ضمن أوراش الإصلاح هاته، فكل فشل هو فشلنا جميعا. عليكم أن تدافعوا عن التجربة وتطبلوا لها رغم النتائج المتوقعة أو ستنتقدون أنفسكم من حيث تدرون أو لا تدرون.

في الأخير أقول نعم للإصلاح، لكن ضمن رؤية شاملة وعلى أرضية الوضوح. فهل يمكن استصلاح غصن واستفراغ الوسع في ذلك، وننسى باقي أغصان الشجرة، ونغفل جذعها وجذورها وتربتها والماء الذي تُسقى به والأشجار التي من حولها، والطفيليات التي تحيط بها؟ ينبغي ترشيد جهودنا والسير بها في الاتجاه الصحيح. دون ذلك التخبط والعشوائية. إن البيت إذا فسد أساسه واهترأت أركانه، وجب النظر إلى سبب تصدعه عوض تزيينه وتنميقه وإكثار الطلاء على جدرانه. مرحبا بالمعطف الجديد لكن ليس على جسم مهترئ صدء تفوح رائحته العفنة في كل اتجاه.