الرؤيا الصالحة رؤيا يراها المؤمن أو ترى له، وهي الجزء الذي بقي من النبوة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق “إنه لم يبق من بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة” (رواه أبو داود).

والرؤيا تحتاج إلى تعبير. والتعبير علم وحكمة يوتيها الله من يشاء من عباده، لذلك تبقى الرؤى مبشرات تسر ولا تغر، ولا يترتب عليها عمل ولا تشريع.

وأريد أن أقف مع الزائر الكريم والزائرة الكريمة مع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن لنستخلص الدروس والعبر ونتعامل مع الرؤى والمبشرات بما لا يثبط هممنا، بل تشجع فينا خصال الإيمان، وتحفزنا للعمل والتشمير للجهاد.

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد الحرام وطاف بالبيت وعلم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الخبر، فرؤيا الأنبياء وحي فشدوا الرحال وساقوا الهدي وساروا في شهر ذي القعدة يحدوهم الشوق إلى حج بيت الله والحنين إلى ديارهم التي خرجوا منها طلبا لله ورسوله تاركين الأهل والأموال.

كان الصحابة حوالي ألف وأربعمائة حتى إذا كانوا بعسفان علموا أن قريشا خرجت لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعاهدون الله أن لا يدخل مكة عنوة أبدا، فسلك الصحابة طريق الحديبية حيث بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: حبسها حابس الفيل ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها.

لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتالا، فقد خرج حاجا وساق معه الهدي، فأرسل سيدنا عثمان بن عفان إلى قريش ليبلغهم أنه جاء زائرا للبيت معظما لحرمته، فحبسته. وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل، فأخذ البيعة من المسلمين تحت الشجرة، فسميت بيعة الرضوان لأن الله رضي عن جميع من حضرها وبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وكانوا حوالي ألف وأربعمائة منهم نساء كثيرات(1) فأرعبت قريش وهم يرون المسلمين يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على الموت فأرسلوا سهيل بن عمر ليصالح النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه: اكتب باسم الله الرحمن الرحيم فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم اكتب: باسمك اللهم ثم كتب هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة فأمسك سهيل بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله اكتب: محمد بن عبد الله وفي رواية البخاري لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك.

وقد ثبت أن سيدنا عمر رضي الله عنه أتى سيدنا أبا بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر أو ليس برسول الله؟ أو لسنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية قي ديننا؟؟؟

فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمر على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه رده عليه ومن أتى قريشا ممن مع رسول الله لم يردوه عليه. و مما جاء أيضا: أنه ترجع عن عامك هذا فلا تدخل علينا مكة… سبحان الله قد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه دخل حتى كادوا أن يهلكوا. ومما زاد في عمق جرحهم أن أتى ابن سهيل ابن عمر المسمى أبا جندل كان قد قيده أبوه في الحديث فلما رآه والده قام إليه وضرب وجهه وقال يا محمد قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال: صدقت فقام إليه فأخذ بتلابيبه قال وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ فزاد الناس شرا إلى ما بهم.

ثم يأتي الامتحان الآخر للمسلمين إذ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بالتحلل من الإحرام فما قام أحد من مكانه وردد ذلك ثلاثا فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فقال: يا أم سلمة ما شأن الناس. قالت يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت فلا تكلمن منهم إنسانا واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل الناس. فعمل نبي الله بما أشارت عليه سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها فقام الناس ينحرون ويحلقون. حتى إذا كان بين مكة والمدينة وسط الطريق نزلت سورة الفتح فقرأها على عمر.

نعم .. سمى الله صلح الحديبية فتحا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بها ثم خرج في صفر على خيبر ففتحها الله عليه وقسم غنائمها على أهل الحديبية دون غيرهم. فلما كان الحج خرج أهل الحديبية إلى مكة.

قال ابن كثير: وأتاهم فتح قريب وهو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العز والنصر والرقعة في الدنيا والآخرة(2).

روى ابن مسعود وغيره أنه قال إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح صلح الحديبية. وعن البراء رضي الله عنه قال تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.

وفي سورة الفتح هاته يحكي الله سبحانه ما وقع للمسلمين: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (سورة الفتح آية 27).

هكذا إذن يربينا الحق جل وعلا على النظر إلى المبشرات بعين مبصرة ويعلمنا أن دون الفتح والنصر عقبات لابد من اقتحامها باليقين والإيمان والصبر ومع كل ذلك العمل الجاد والدؤوب وصدق الله العظيم: “وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون”.

الهوامش:

(1) انظر النساء المبشرات بالجنة في باب مدرسة الصحابيات في نافذة منبر المومنات.

(2) تفسير ابن كثير ج4 ص 192.