ذكر دليلنا الحكيم في مسالك الأصول الإمام الشاطبي -أعلى الله درجته- أن أركان مصالح الدنيا والدين تقوم، وأن قواعد المقاصد الشرعية تثبت، بمراعاتها “من جانب الوجود”، وذلك بالمحافظة على “العبادات ” مثل النطق بالشهادتين والصلاة وسائر الفرائض، وبالمحافظة على النفس والعقل بما يحقق لهما الضروريات من “عادات” مثل المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات، وبالمحافظة على النسل والمال من خلال المحافظة على “المعاملات” التي تلتقي في شروطها وأهدافها مع “العادات”.

الحفظ من “جانب الوجود” عبارة عن الأعمال الإيجابية المكلف بها العباد والمضطر إليها كل أفراد المجتمع في حياتهم اليومية والاقتصادية والتجارية والمالية والأسرية الاجتماعية. داخل كل ذلك تحت جناح “العبادات” التي بها يحفظ الدين.

الحفظ “من جانب الوجود” بالعادات والمعاملات عبارة عن اتخاذ كل الوسائل المشروعة المبلغة إلى الأهداف الدنيوية بما فيها الأمن من العوز والخوف، والعافية في النفس والعقل، والاطمئنان في المأوى والحياة الزوجية الاجتماعية. وسائل دنيوية يقننها الشرع تضمن الوصول إلى الأهداف الدنيوية، أهداف الأمن والاستقرار والسلامة من الهموم المادية. وتأتي “العبادات”، وهي أعمال لا دخل للعباد في وضعها ولا في مناقشتها، فتكسو السعي في الأرض وتدبير المعاش معنى وتعطيه روحا. تعطيه معنى بتوجيهه إلى الغاية الأخروية، وتعطيه روحا بإيقاظ قلب المؤمن إلى حقيقة ما خلق من أجله، ألا وهو العبودية لله تعالى وابتغاء فضله وجنته ورضاه ووجهه الكريم.

إن تصفيف المقاصد الشرعية تصفيفا أفقيا هكذا الواحد تلو الأخر، (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل الخ) يُغيّب عن الترتيب النوعي بين الوسائل والأهداف الدنيوية وبين الغاية الأخروية. وذلك تفويت مخل بكل مقاصد الشرع، ولئن كان المجتهدون في أزمنة سبقتنا يستغنون عن الإلحاح في هذا الباب بالإشارة لحضورهم وحضور مجتمعهم المتشبع بالدين مع الله عز وجل ومع الآخرة، فإن المجتهدين في أزمنتنا جديرون أن يصنفوا المقاصد بصفتها مطالب لها أولوياتها وبينها ارتباطات، يجب أن تتضافر كلها لتوفير الضرورات البدنية والنفسية والاجتماعية للعبد حتى يتفرغ العبد للجهاد إلى ربه في سبيل ربه.

ويذكر شيخنا الشاطبي رحمه الله أصلا رابعا من أصول المقاصد هو أصل “الجنايات”. إلى جانب “العبادات” و”العادات” و”المعاملات” التي تحفظ المقاصد “من جانب الوجود” تأتي “الجنايات” التي تحفظها “من جانب العدم”، قال بأن مراعاة المقاصد من جانب العدم يعني حفظها من “الاختلال الواقع أو المتوقع فيها”. ويجمع تحت اصطلاح “الجنايات” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نلمس في عبارة المؤلف رحمه الله المجملة المقتضية أن حصر “الجنايات” في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التفات عن تعيين مصدر الجناية الكبرى على مقاصد الشرع ألا وهو الحكم إذا كان الحكم فاسدا غير شوري ولا عادل ولا إحساني. جناية الأفراد على الدين ومقومات الدين يعالجها القضاء والحسبة واليقظة العامة. وهذه الثلاثة من مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن جناية الدولة على الدعوة ومروق النظام الحاكم من الدين أو من مقتضياته الأساسية كالشورى والعدل والإحسان إخلال فاحش يتعاظم أن يتعرض له القضاء أو تحاسبه الحسبة أو ينكره الآمرون بالمعروف إن لم يكن هؤلاء الآمرون قوة جماعية سياسية يرفضون الحكم العاض والجبري ويتظاهرون على إقامة دين الله بإقامة الخلافة على منهاج النبوة.

التفات من فقيه فردي نوازلي مُغمىً عليه؟ كلا فصاحبنا رضي الله عنه واسع الأفق عميق النظر. لكن ما الحيلة والواقع ثقيل والحفاظ على ماهو كائن ارتكاب لأخف الضررين؟

عند الأصوليين عبارة جارية هي “تحقيق المناط”. وتحقيق المناط هو: “أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي”. وفي تعريف الأصوليين عامة هو: “أن يقع الاتفاق على عِلّية وصف بنص أو بإجماع”، لانحب أن نزاحم أهل الاختصاص أيدهم الله في توجيه العبارات الفنية الدقيقة. فنقول بلغة عامة بسيطة بأن تحقيق المناط هو فهم الواقع لمعرفة مواقع الأمر والنهي الشرعيين وتنزيلهما فيه. هو تطبيق الشرع على الواقع، تغيير الواقع ليطابق الشرع، معالجة الواقع ليحكمه الشرع لا الهوى. بدون هذا الفهم وهذا التنزيل وهذا التطبيق تبقى الشريعة نظرية عائمة في الفضاء، “ولو فرض ارتفاع هذا الإجتهاد (الاجتهاد في تحقيق المناط) لم تتنزل الاحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن”.

كان الاجتهاد فيما مضى قضية فردية، كان إسلام المكلفين فرديا تحت مظلة شوكة الإسلام، فتطابق اجتهاد المفتي والقاضي مع اهتمام المسلمين كل في خويصة نفسه أو مشاكله في دوائر محصورة. كان المجتهد مدفوعا عن دائرة الأمر العام، دائرة الحكم، معزولا عن شؤون الدولة وجباية المال وتسيير الجيوش وتدبير السياسة. فإن أبدى المجتهد رأيه في ” السياسة الشرعية ” فإنما هو آمر بالمعروف ناه عن المنكر من خارج وفي حدود لا ينبغي أن يتعداها. وإن كان قاضيا عاما مثل أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أو أقضى القضاة مثل الماوردي اتسعت معرفته بالواقع بحكم مشاركته من أعلى دون أن تتسع سلطته بما يمكنه من تغيير هذا الواقع.

في دولة الخلافة على منهاج النبوة يجب أن يكون الاجتهاد قضية جماعية، شورية. استفحل الواقع، وتفاقمت مشاكله، وأمعن في الشرود عن الدين، وتجاوز كل ما ورثناه من فقه حتى أصبح مناط الأحكام فيه لا يكاد يبين. من أين نمسك الواقع لندخله في حوزة الشرع، كيف نراوده، كيف نرغمه، كيف نتدرج إلى تطويعه؟ لا يستطيع المجتهد الفرد أن ينهض لذلك وحده مهما كان تمكنه من علوم الشريعة. لابد من إشراك ذوي الاختصاصات المتنوعة، لابد من معاهد ترعاها الدولة الإسلامية يوم لا تكون الدولة جانية على الدين، يوم تكون دولة الشورى والعدل والإحسان.