عرف لبنان يوم الثلاثاء 8 مارس 2005 نزول اللبنانيين بكل طوائفهم ومن مختلف المناطق في مسيرة مليونية بساحة رياض الصلح وسط بيروت، مسيرة دعا إليها حسن نصر الله نيابة عن حزب الله وعن أكثر من ثلاثين هيئة سياسية. ومما لاشك فيه أن لاختيار حزب الله للدعوة لهذا الحشد الجماهيري دلالات وجب الوقوف عندها. لكن قبل ذلك نضع حدث الاغتيال في سياقه ونسلط الضوء على الخلفيات الكامنة وراءه، ثم نتناول كيفية تعامل بعض الأطراف معه.

1- سياق الحدث:

لم تكن المسيرة المليونية لتنظم لولا ما عرفه لبنان من أحداث في الأسابيع القليلة الماضية. فإن كان لبنان أرض التناقضات والاختلاف بامتياز، فمما يشهد له به قدرته على إدارة الخلاف بشكل ديمقراطي سيما بعد اتفاق الطائف، الأمر الذي يجعل منه أنموذجا يحتذى به ليس فقط على المستوى العربي ولكن كذلك على المستوى العالمي. إلا أن اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري كانت النقطة التي أفاضت الكأس، إذ إن الحريري كان بمثابة حلقة تتوسط عقد الديمقراطية اللبنانية ومفصلا مهما من مفاصلها المتعددة لما له من علاقات خارجية ونفوذ داخلي على المستويين الاقتصادي والسياسي. باغتياله رحمه الله قامت المعارضة بالنزول اليومي إلى الشارع بساحة الشهداء وتحميل الحكومة وسوريا المسؤولية ورفض حضور أي منهما في تشييع الجنازة. واكب كل ذلك ضغط دولي غير مسبوق لتطبيق القرار الأممي الفرنسي/الأمريكي 1559.

2- بعض خلفيات الاغتيال:

لا يجادل اثنان بأن هذه الجريمة أمر مدبر من قوى معادية تسعى إلى أهداف دنيئة كل الدناءة. لكن لا يمكن لنا في هذا المقام الجزم بتحديد هوية الفاعل. ما يمكننا القيام به هو الحديث على أرضية التخمينات التي تجد لها سندا من الواقع.

وهنا وجب التساؤل عن المستفيد؟ إن الناظر إلى الأحداث التي أعقبت الاغتيال يرى تضرر النظام السوري وتصدع وحدة الصف الوطني اللبناني. الأجدر توجيه أصبع الاتهام إلى الرابح المباشر أو الرابحين المباشرين. ولمعرفة ذلك يلزم الوقوف عند الأهداف المتوخاة من عملية الاغتيال الشنيعة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

” تأجيج أوار الفتنة الداخلية وبلقنة لبنان قصد إضعافه وإضعاف سوريا.

” عزل المسار اللبناني عن المسار السوري من أجل تسوية مجحفة في حق كل منهما، وهذا يدخل في باب سياسية فرق تسد.

” إنجاز ضربة استباقية تعطي للتدخل الأجنبي شرعية عبر القرار الفرنسي/الأمريكي 1559 وغيره من أشكال التدخل.

” إعادة سيناريو إزاحة صدام مع بعض التعديلات لخصوصيات النظام السوري وعلاقاته بالمنطقة، وهنا تندرج دعوة مجلس النواب الأمريكي سوريا إلى الكشف عن أسلحة الدمار التي بحوزتها.

” ترجيح كفة الموالين لغير النظام السوري بالنزول الحاشد على الشارع والاحتكام إليه على غرار ما وقع بجورجيا.

كانت تلكم بعض الأهداف من وراء عملية الاغتيال هذه؛ فكيف كانت إذن طريقة تعاطي الأطراف المعنية مع هذا الحدث؟

3- أشكال التعاطي مع الحدث:

لقد عرف المنتظم الدولي والإقليمي حركة غير اعتيادية لاستثمار الاغتيال والدفع بالأحداث كل في الاتجاه الذي يخدم مصالحه.

على المستوى السوري: فقد كانت الضربة الصاعقة، حيث تعرض هذا الأخير إلى وابل من الاتهامات من داخل لبنان وحزمة من الضغوطات الخارجية لم يسبق لها مثيل، مما أرهق كاهل النظام المذكور، وجعله يعيد النظر في بعض أوراقه. لم يكن استنكار سوريا للاغتيال ولا لتحركها عربيا كافيا لتخفيف الضغط عليها. فما كان منها إلا أن تنصاع لاتفاقية الطائف عوض الامتثال للقرار 1559 الأممي، مما يجعل من انسحابها إلى البقاع ثم جدولة انسحابها الكلي من الأراضي اللبنانية بمثابة نصف هزيمة حيث حاولت أن تضمن لنفسها وجودا غير عسكري في لبنان، عبر تفعيل اللجان المشتركة بين البلدين، كما ورد في اتفاق الطائف ونص عليه المجلس الأعلى السوري اللبناني.

أما على المستوى الدولي فنجد تهليل إسرائيل ومحاولتها الاصطياد في الماء العكر. ولعل تصريحات الدوائر الرسمية الصهيونية تدخل في هذا الإطار من قبيل وجود اتصالات مع بعض القوى بلبنان وإجماع الشعب اللبناني على عدم توجيه الاتهام لإسرائيل وإمكانية إقامة اتفاقية سلام مع دولة عربية إضافية..إلخ. أما أمريكا وفرنسا فكانت الأزمة اللبنانية أرضية التقاء ومناسبة لتصفية خلافات الأمس بخصوص العراق. فكان التدخل سافرا عبر السفارتين بتنظيم مجموعة من اللقاءات التنسيقية مع بعض القوى المعارضة كما كان العمل على تأجيج الإعلام لخلق موجة جماهيرية مؤيدة، وأخيرا وليس آخرا محاولة خلق رأي عام عالمي مناوئ لسوريا وتدخلها في لبنان.

أما على المستوى اللبناني فقد استغلت المعارضة حدث الاغتيال لقطع شعرة معاوية مع القوى الموالية لسوريا وذلك بتوجيه الاتهام بشكل مباشر للأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية على حد سواء، وتبعا لذلك محاولة إسقاط الحكومة وطلب إجلاء الجيش السوري وأجهزته الأمنية. ولتحقيق ما تقدم كان اختيار النزول إلى الشارع والحملة الإعلامية والاستقواء بالخارج. أمام هذا الضغط المتنامي ما كان من الحكومة بعد محاولة ضبط النفس والشارع إلا أن تستقيل وبصفة عامة أن تنحني للعاصفة إلى حين هدوئها تدريجيا، ثم محاولة تجميع قواها ورص صفوفها للرد المناسب وهو الأمر الذي بدأ بتنظيم مسيرة رياض الصلح.

4- وقفة مع الدلالات:

إن اختيار حزب الله للدعوة إلى المسيرة له أكثر من معنى. فهو اختيار لصوت المقاومة لكي يكون رمز وحدة أغلب اللبنانيين بكل طوائفهم وانتماءاتهم، وفي هذا إشارة لمن يهمه الأمر إلى أنه إذا كان إضعاف سوريا خطوة تسبق محاولة التخلص من المقاومة فهذا مرفوض إطلاقا على المستوى الداخلي وعلى صعيد الشارع اللبناني، ثم إنه إذا رفض الفاعل الأساسي وهو سوريا في لبنان من لدن بعض القوى الداخلية وجل القوى الخارجية، فإن دولة الأسد مستعدة للنكوص إلى القواعد الخلفية وإتاحة الفرصة لأن يكون الفاعل الأساس في الأرض اللبنانية المقاومة الإسلامية المخيفة والمرهبة وإعطائها السند اللازم للقيام مقامها نكاية في الكيان الصهيوني ونظام القطب الوحيد المستهتر بالشعوب.

أما بخصوص اختيار النزول إلى الشارع فهو محاولة رد الصاع صاعين في وجه الخصوم. إذا كانت المعارضة بنزولها إلى الشارع تحاول إعطاء الانطباع بأنها صاحبة الامتداد الشعبي وأن الوجود السوري هو مجرد احتلال مسلح للأراضي اللبنانية، فإن مسيرة رياض الصلح كانت بمثابة ضربة في مقتل للمعارضة ومن وراءها. حيث كان اختيار الشارع اللبناني واضحا لا لبس فيه لمن أراد أن يعتبر وكانت الجماهير اللبنانية بمثابة الصخرة التي تتكسر عليها المخططات المقيتة، وأنه كلما كانت محاولة لإشعال نيران الفتنة إلا وكان التلاحم الشعبي والسياسي درعا واقيا ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه﴾ (سورة المائدة، الآية 64). لقد كان خطاب حسن نصر الله كلمة مضيئة في ليل لبنان المظلم: شكر لسوريا واعتذار لها (أضيف رغم بعض أخطائها بالمنطقة لأن كل إناء ينضح بما فيه….)، الرجوع لاتفاق الطائف، إدانة الاغتيال الشنيع والدعوة لمعرفة الحقيقة، اقتراح مخرج للمأزق، الدعوة لحماية المقاومة ورفض التوطين وجعل الأمن اللبناني خطا أحمر، دعوة الشركاء في الوطن إلى الحوار والقوى الخارجية للاعتبار أمام فرادة لبنان…

وفي الأخير أتساءل ألا يمكن اعتبار إقامة تجمعات غير ثابتة -يوم الجمعة بطرابلس والأحد في النبطية والبقية تأتي- بمثابة العد العكسي للتدخل السافر لبعض القوى الداخلية والخارجية المناوئة للبنان؟