بين الفن والإبداع

لاشك أن هناك فرقا بين العالم الدفين للفنان و إلهاماته وما يدور في باطنه من تهويمات، وبين ما أظهره مرئيا في واقع الحياة، إذ أن هذا الصرح العاطفي وتعاظم الأحاسيس سبب حقيقي، ومنبع رئيسي لما سيظهره من عمل ظاهر موصول بذاته الباطنة &

لنخلُص بأن الإبداع هو الأصل والسر في أي عمل فني، بل هو التحقيق النهائي له، حيث يكون العمل ممهورا بتوقيعه ومنقوشا به، وأي عمل فني خلا من السمة الإبداعية الخفية له فهو شكل انصرم عن مضمونه، وجدث انسل من روحه.

وفي عملية الإبداع الداخلية يتبدى الفن كاملا، وتتجلى السعادة مطلقة في نفس الفنان ما لم يتطرق إليها فساد الاسترزاق أو نزعة الأهواء الهابطة &

وأي عمل فني إنما يتكلم حقيقة عن القوة الإبداعية التي عملته حتى غدا آخذا بالألباب وآسرا للقلوب الحية الرقيقة، إذ كان جزء من الإبداع الباطني موجودا حتما في ذلك العمل، لكن الإشكال الحقيقي عند الفنان هو أن هذا الإبداع ملك حقيقي له، بينما العمل الفني بمجرد ولادته سينفصل عنه &

فمثلا قد تكون أحاسيسنا عند زيارة بعض المتاحف الفنية محايدة، والسبب في ذلك خفوت الإبداع الأول ببقاء العمل الفني الذي نراه حاليا، وخفوت نار الإبداع لم تعد تتوهج هناك، فاللوحات في لحظة ما كانت، ولكنها لم تعد كذلك الآن، لأن نار الإبداع فيها توهجت مرة في الروح. ثم ما لبثت أن انطفأت أو أفل وهجها عند ظهورها في واقع الناس.

وهكذا فالإبداع هو الهدف الأصيل للفن، بينما العمل الفني هو رمزه غير المكتمل.

يقول رودان:” إنني لا أغير الطبيعة أبدا، إنني أسجلها كما أراها، وإذا كان يبدو للبعض أني غيرتها، فذلك يكون قد تم في لحظة لم أدرك فيها أنني أغيرها فعلا، وبعبارة أشد وضوحا أن العاطفة التي تؤثر على وجهة نظري هي التي تغير الطبيعة & “(1).

فالفنان لا يدرك الطبيعة كما تبدو لسائر الناس، لأن عاطفته تكشف له عن حقائق باطنية مغمورة ومنطمسة عند الآخرين بفعل استحكام عوائد، أو غلظة طبع، أو ميل كلي للمادة.

مؤججات الإبداع

 الحب وإرادة الفعل

إن الإبداع في فرع من فروع الأعمال الفنية لن يرقى إلى أعلى مراتبه، ولن يصل إلى أوجه إلا بعد أن يكون المبدع متعلقا بفنه الذي اختاره، ومحبا له، لأن عامل التعلق والحب في الفن أصل كبير من أصول تأجج الإبداع، وكم من مبدع لما فقد الهوى والمحبة تجاه إبداعه، انفصم رابط العطاء الفني عنده، وانقطع تيار التميز والتجديد الفني لديه.

وهكذا فالتعلق الوجداني، ودفع مد الطاقة النفسية سر حقيقي للإنتاج الإبداعي، إذ العشق لموضوع ما، بالاضافة إلى ذخيرةٍ وزاد من المعلومات وقدر كبير من الأخيلة، وطاقة ملائمة للتناول والمعالجة بشكل ملائم وفريد، هو صميم وجوهر الفعل الابداعي.

ولا ننتظر استمرار الخط الفني وتواصل العطاء الإبداعي بدون التوتر النفسي الذي هو عامل أساسي ومهم في الحالة النفسية المصاحبة لإنجاز العمل، لأن الشخص الذي ظل متوترا طيلة العمل الفني الذي بدأه، لن نتوقع منه سوى أنه سينهيه حتما بتلك القوة الدافعة المتجلية في الحب والميول المطلق للفعل الفني، وهذا الزخم النفسي كفيل حقا باقتحام جميع العقبات التي تحول دون استمرار العطاء.

 الانبساط والطلاقة

إن الصحة النفسية متجلية في الثقة في الذات والجلد تجاه الصعاب وتوقع الإلهام واليقين في الدخول للعالم الجواني المرتبط بالفطرة وصفائها & أمور لازمة لتكون قدم المبدع راسخة في عمله الفني & فتجده منبسطا طلقا مرنا تنبئ صحته النفسية على قدرات عظيمة في تواصل عمله الفني، وامتداده بإخراج ذرر فنية ونفائس متميزة في تاريخ الفن.

وعلى العموم فالهناء النفسي والتلقائية شروط أساسية لإنبات القدرات الإبداعية وتأجيجها.

 الاختمار والإشراق

وأقصد بالإختمار ولوج عالم التفكر والتدبر بتؤدة واتزان وهدوء عميق بدون طيش سقيم أو خفة رعناء، وفي تلك اللحظات الهادئة التي ينقطع فيها الزمن ومثيرات الواقع وأثقال الهموم الأرضية تجد الفنان مركزا حاصرا جل طاقاته لفنه، وتلفي إبداعَه موجها توجيها ثابتا وقويا نحو الفعل الفني& إنه نوع من العروج لعالم الملكوت والحقائق، وركوب في مرقاة السمو الروحي استمطارا لهبات صافية و أعطيات روحية & ثم بعد ذلك تكون مرحلة الإشراق وظهور الصوى المنيرة واللمعات القوية لنضج الصورة الفنية، إذ الإبداع الداخلي هاهنا أعلن عن نفسه بجلاء وكشف عن ذاته بشكل باهر وبصورة سافرة.

 الصدق أساس الإبداع الفني

وذلك أن الفنان لايعد كذلك إلا بعد أن يكون صادقا في إظهار أحاسيسه، وواضحا في التعبيرعن مشاعره، وقبل هذا يجب أن يكون مخلصا لفنه، غير دَعي أو كاذب فيه أو متخذا الفن سبيلا لمصالح دنية، بل إن الفن متعال عن سفاسف الأمور، ومنزه عن الأغراض الساقطة& ومعنى هذا أن الفنان يلزم منه ألا يموه أو يزيف أو يساوم أو يتساهل &

لأن الصدق لب الفن وجوهره، وما ابتعد الفنان عن هذه السمة الباطنة إلا واعتراه الذبول والتهالك والانحطاط وكان زيفه “الفني” مؤذنا بخراب صرحه الفني.

يعرف تولستوي الفن بأنه “ذلك الضرب من النشاط البشري الذي يتمثل في قيام الإنسان بتوصيل عواطفه إلى الآخرين بطريقة شعورية إرادية، مستعملا في ذلك بعض العلامات الخارجية”(2)، ويشير هاهنا إلى أن الفن نشاط تلقائي ومضبوط، وتاريخه بهذا المعنى، تاريخ البراعة البشرية شرط الصدق والالتزام.

فمثلا عندما تجد الفنان الروائي متمسكا بالصدق والتثبت الأمين في وصفه لتلك النماذج البشرية، أو الأحداث الواقعية التي نلتقي بها في كل حارة أو قرية أوزقاق، مع إظفاء ذاته و خياله وأحاسيسه على الصور الواقعية، ومع ذهن تأملي وجداني صادق يتعقب النماذج ويلاحظها ويكشف حقيقة الحياة البشرية متجلية كما هي، يسري فنه قطعا في شعب الأعمال الخالدة. لأنه كلما كان الإبداع الباطني صادقا كتب للعطاء الفني البقاء الأبدي.

 المثابرة والتركيز لمواصلة الاتجاه

وذلك أن الفنان – في عمله – قد يصاب بنوع من الكلل والعجز الذي قد يكون سببا في بتر اتجاهه الإبداعي مما يستلزم مثابرة قوية وحركة دائبة لتحقيق الهدف& وهنا تظهر أهمية القوة النفسية والمحبة المشار إليها آنفا في مواصلة الإبداع، ومن تم العطاء الفني.

والشخص المبدع حقيقة هوالذي يمتاز بالقدرة على التركيز، والإحتفاظ بالقوة النفسية زمنا طويلا جدا لحين بلوغ الكمال الفني & وهذا التركيز دافع قوي في إطلاق الطاقات واستثمارها، والحفاظ عليها من الإهدار والذوبان بالتشتت والالتفات.

وهذا لا يعني أن يقبع الفنان في لحظة بعينها إلى أن ينهي عمله الفني، بل القصد هنا هو أن يهيمن الشكل الفني على لب الفنان وخاطره طوال الأزمنة التي يفكر فيه ويسعى لإخراجه للوجود.

ولابد من القول بأن الإدراك الفني والإحساس النفسي ليس مجرد انطباع ظرفي عابر مؤقت بزمن بل هو تراكم وتدبر واستيعاب متأن لكيفية صياغته وولادته عملا.

 الوسط الاجتماعي موجه للفعل الإبداعي

والموقف الاجتماعي الذي نقصده هو الظروف الاجتماعية التي تتدخل بشكل مباشر في توجيه عملية الإبداع، سواء كان هذا التوجيه تحديدا لموضوع الإبداع أو تقويما لما يتم إبداعه، أو تحميسا أو تعويقا له، و سواء أتخذ هذا التحميس أو التعويق مسالك للتطبيق أو إهمالا للعطاء العائد من عملية الإبداع، وكم من فنان لما احتضنه المجتمع تشجيعا وتهييئا لسبل الارتياح والتفكر خُلدت لمساته الفنية وعطاؤه الإبداعي، وهذا يقتضي خلو ذهنه من الصعاب المادية والهموم الاجتماعية، أما إذا كان الفنان أسير الهموم المعاشية، ورهين المشاكل المادية، فإن الإبداع سينحسر وينطفئ لتثاقل الفنان عن العروج للعالم الوجداني ومكوثه في عالمه البراني.

وسائر علماء النفس يقرون بوجود العلاقة المؤثرة بين المبدع والمجتمع، حتى إن فرويد لم ينس هذه العلاقة ولم يهملها، فإن للأنا الأعلى القول الفصل في تحديد الصورة التي يمكن أن تظهر عملا فنيا.

 التجربة المتراكمة ممهرة للفعل الإبداعي

إن كثيرا مما نتعلمه في البدايات غالبا ما يكون مرده إلى تقليد التجارب الكاملة ومحاكاتها، وهذه المحاكاة لازمة لمن أراد أن يشق طريق الإبداع، لأن الفوران النفسي الداخلي لن ينبثق إلا بمعرفة القناة المتميزة التي ستظهره مقبولا مثيرا وجميلا، ومن تم فلا حرج عند الفنان من محاكاة النماذج المتميزة وصولا للمرآة الصافية التي تعكس بحق وجدانه ومشاعره وذاته، شرط الاحتفاظ الرصين بالفردانية والنقش الذاتي له.

ومسألة المحاكاة ليست متيسرة، لأن القدرة عليها تعني أن “صيغة إدراكية” معينة استطاعت أن تنفذ إلى السيطرة على نمط معين من فعل النموذج المتشبه به، وهنا تطرح مسألة التداخل المنطقي بين الفكر والوجدان في عالم الفن، إذ أن سير كليهما بتوازن وعقلانية ضرورة من ضرورات النجاح الفني، والاقتصار على بعضهما ثلمة في الصرح الإبداعي.

وهكذا فإن المحاكاة هي قناة التدريب الأولى،ولا تنتهي بانتهاء المواقف التي لا يكون ثمة موقف يراد محاكاته بفعل، لأن الفنان قد يلجأ إلى ذخيرته السابقة وتجاربه المتراكمة وصيغه الإدراكية القريبة من الفعل المراد إنجازه ليصل للإنجاز القويم للفعل الفني.

ولا ننس بأن أرباب الفن الذين يحدثوننا عن إلهاماتهم الخاطفة غالبا ما يغفلون ذكر أبحاثهم السابقة، ومحاولاتهم العديدة الأولى، وكل ما قاموا به من القراءات والمشاهدات والتأملات التي تدور حول المشكلة التي تشغل ذهنهم، وربما يتناسون الإشارة إلى هذه المحاولات الشاقة لكي يرفعوا من قدرهم، أوحرصا منهم على ألا يطلعوا العامة على الوسائل المتواضعة التي لجؤوا إليها من قبل في إخراج المعاني والأفكار في زيها النهائي.

 كسر طوق الاعتياد أساس الإبداع

كثيرا ما نجد المبدع خارقا لعوائد الناس وما ألفوه من أعراف، لأن الإبداع كما أشرت سابقا غير منضبط مع العادة الظاهرية المألوفة في الواقع، بل إنه غير متوافق كليا مع العالم البراني وزخم الكميات& لاسيما وأنه نابع من أجواء الصدق الحقيقي للإنسان ووجدانه الدفين، ومن تم فإن المبدع الذي ولج عالم الفن الصافي هو من تخلص بقدر الإمكان من قيود العادة وأصفاد الإلف.

وهذا التعالي عن عالم الأشياء وجدانيا زاد كبير للإنسانية في تطور وارتقاء معارفها وأحوالها، فالذي اعتقد جازما أن نظرية من النظريات العلمية بمكوناتها المضبوطة منطقيا هي أرقى ما وصل إليه الإنسان في العلم، وظن بأنه من المستحيل إزاحة هذه النظرية أو التشكيك فيها، غالبا ما سيلبس مَسوح الإستعباد والاسترقاق لها، بل إنه سيضفي عليها طلاء التقديس ويعارض انتقادها & مِثل هذا لن يساهم في تطور الإنسانية، وسيعيش حبيس جدران القديم، أما الفنان الذي يعيش طلاقة وحرية وتعاليا على المعروف آنا، فإن يد إبداعه ستسعى للتطوير، وستولد الجديد بتلك الحرية الموهوبة للإنسان باعتباره سيد الوجود المكرم عن باقي الكائنات، ومن تم فالأصل هو أن يملك الإنسان الأشياء لا أن تملكه ويستعبدها ولا تستعبده & والمتأمل في سير العظماء الذين أحدثوا تغييرا جوهريا في الحياة، وجدهم غير عابئين بالركود والجمود، وما ألفه الناس من عوائد وأعراف وبذلك كانوا أمل الانطلاق رموز التغيير وحُداة البناء.

 الاستغراق والتفرد والاختفاء مؤججات أساسية للفعل الإبداعي

من المعلوم جليا أن الإبداع متعلق بذات المبدع لوحده، لأنه باطنه الفردي وذاته الشخصية ومن تم فأداء أي عمل فني يستلزم منه استغراقا وتفردا، لاسيما وأن طريقته في الأداء الفني لن يشاركه فيها غيره.

وقد قدمت فيما قبل أن الإبداع غير مشترك ولا يخضع للتعاضد بل هو لمسة فرد واحد بإحساسه الواحد، ومن تم كان التفرد مفضيا للاستغراق الكلي في إبراز العمل الفني للوجود، ذلك الاستغراق الذي هو نتاج حب عميق هيمن على نفسية الفنان فدفعه دفعا لطغيان الفكرة الإبداعية عليه دائما.

وولادة العمل الفني وإيجاده لن يكون مع مرئى الناس كلهم ومشاهدتهم له، لأن الفنان سواء كان شاعرا أو رساما أو روائيا لا يحاول أن يتم أعماله إلا بعيدا عن العيون، وفي الوقت الذي سيولد العمل ويصبح معروضا أمام الكل فإن نار الإبداع انطفأت وفقدت كثيرا من قدسيتها، وهكذا فإن الاستخفاء يشكل جزءا لا بأس به من الأسلوب الفني لدى الفنان.

وجديرا بالذكر أن ما تكلمنا عليه من قبل في مؤججات الإبداع شيء ضئيل مقارنة مع حقائق الأمور الغير المنضبطة، إذ التعقد والثراء المرتبطين بعملية الإبداع يجعلنا نميل إلى الحذر في تعاملنا مع المقاييس الإبداعية دون استبصار بباقي جوانب شخصية المبدع وحياته ونفسيته وميولاته وتفكيره، على نحو ما تسير حقيقة حياته العامة بأبعادها المتعددة المعقدة.

الهوامش:

(1) الأسس النفسية للإبداع الفني في الرواية للدكتور مصري عبد الحميد حنورة ص 45.

(2) الأسس النفسية للإبداع الفني في الرواية للدكتور مصري عبد الحميد حنورة.