في بداية عهد الملك الشاب بدا المغرب مثقلا بخطايا وأوزار سنوات الجمر والرصاص التي أرهقت كاهل المواطن بأعباء ماكرو اقتصادية، وقيدت النخبة السياسية ضمن مساحة هوامش اللعبة، وأدخلت المثقفين في سراديب التعبير الرمزي أو الأبكم عن معاناة مجتمع مسحوق.

كان حدث انتقال السلطة الملكية مناسبة عبرت فيها كثير من الأحزاب والجمعيات عن استبشار بتحقق انعطاف سياسي سيكون حافلا بتطور في مسار “الانتقال الديمقراطي” الذي باشرته المؤسسة الملكية في عهد الراحل الحسن الثاني مع الأحزاب الوطنية.

وقد كان تطلع فئات واسعة إلى إمكانية التحول مبررا. لكن قراءة أغلب المكونات السياسية المغربية لم يكن كذلك. إذ من الثابت أن تكون النخب أكثر حذرا من الجمهور الذي تحركه عادة العواطف بدل الرؤية العقلانية. كانت أحزابنا ومكونات إسلامية أخر أكثر عاطفية من الجمهور، حينما تداعت إلى جعل المؤسسة الملكية مبعث الآمال ومنفرج الكروب، ورأت في شخص الملك الجديد سرابا لامعا في صحراء الفقر والضياع والتيه. وانبرى كثير من المثقفين والعلماء لصناعة المشهد الجديد، بل نسقوا هجوما فعليا على الموقف السياسي لجماعة العدل والإحسان الذي بدا موقفا شاذا عن”الإجماع” !

وقد كان التقدير السياسي للجماعة صائبا حينما رأت في ذلك الاستبشار تسرعا وانخداعا بوعود ماكرة وآمال كاذبة. وأكدت على أن التحول لم يكن ذا طبيعة مؤسسية هيكلية بل كان تحولا على مستوى رمز المؤسسة الملكية. وفعلا، أثبت المسلك التجريبي الذي تنهجه أحزابنا السياسية حقيقة وصحة الموقف الذي عبرت عنه بشكل ملحوظ جماعة العدل والإحسان. واليوم، وفي سياق دعوى المصالحة الوطنية التي تطبع المشهد الإعلامي والحقوقي والسياسي، نحتاج إلى بسط قراءة هادئة لتوجهات المؤسسة الملكية منذ 1999 فيما يخص هذه الدعوى وعلاقتها ببناء مرحلة سياسية جديدة.

مرت السنوات الخمس لبداية الحكم الجديد والمغرب الرسمي يشهد تحولات لفظية كبيرة: العهد الجديد.. المفهوم الجديد للسلطة… بينما ظل المغرب الشعبي غارقا في مستنقع آسن. ظلت معدلات البطالة في ارتفاع متزايد. ظلت نسبة الفقر تزداد اشتعالا. وكان لابد للحكم الجديد من “مؤشرات قوية” تعطي الانطباع بحدوث تحول ما ! وضمن هذا السياق يمكن أن نفهم تحريك ملفات حقوقية تهم السرفاتي ومرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين وإقالة وزير الداخلية ادريس البصري.

ولكون الرؤية السياسية لجماعة العدل والإحسان تستند إلى قراءة تاريخية عميقة لجذور الفساد والانحراف، وإلى إدراك واع للقران الاستراتيجي العالمي ولائتلافات المصالح، فإنها حذرت من انزلاق مستأنف إلى اللعبة السياسية التي تم تجديد تكتيكاتها بينما ظلت قواعدها مستقرة ثابتة. ومن يستطيع أن يزعم كون إقالة ادريس البصري  التي عدتها الأحزاب التقليدية تحولا تاريخيا- لم تحذف الأدوار التقليدية للمخزن وأجهزته الأمنية والدعائية ؟ أو أن رفع الإقامة الإجبارية عن الأستاذ عبد السلام ياسين لم يؤد إلى تحرير قوة سياسية وازنة من قيود الحصار والتعسف ؟ ومن يستطيع أن يثبت صحة الطي النهائي لملف الاعتقال السياسي مع استمرار احتجاز معتقلي العدل والإحسان المحكومين بعشرين سنة نافذة، مضى نصفها في عهد الملك الراحل كما انصرم ربعها في عهد الملك الشاب ؟ من يستطيع أن ينكر استمرار المقاربة الأمنية لمطالب الحركة الطلابية ؟ من يجرؤ على تجاهل حقيقة احتكار المؤسسة الملكية لرسم الخطوط السياسية الكبرى في جميع المجالات، وفي مجملات القضايا وتفاصيلها ؟

تتناسل الأسئلة المحيرة مع ثبات الجواب الوحيد الأوحد وهو شرعنة احتكار السلطة. لكن طبيعة المقاربة البنائية التي نتبناها إزاء الشأن القطري تدفعنا إلى اقتراح ثلاثة مداخل سياسية يمكن للمؤسسة الملكية أن تنجز من خلالها عملية قيصرية منقذة للأزمة الخانقة القاتلة التي يتخبط فيها المغرب المعاصر. وهي مداخل متكاملة لا تقبل التجزيء ولا الانتقاء.

أولها هو تجديد العلاقة مع النخب السياسية والمدنية وسائر الفئات المجتمعية، بما يمكن من تجاوز منطق الأبوية والرعاية إلى منطق سياسي آخر يقوم على نهج الإنجاز والمحاسبة والتعبير الحر الديمقراطي. وإن كانت القراءة التاريخية لوقائع المشهد الوطني منذ الاستقلال الصوري تدل على أن السلوك السياسي للنخبة المغربية وانخراطها المبكر في عمليات التنابز وتصفية الخصوم والابتعاد عن عناصر القوة والمنعة في الجسم المجتمعي- وهي الإيمان بالله عز وجل والاعتزاز بالإسلام وشريعته في العدل والرحمة والرفق ومزايلة سمت الجاهلية..- تدل على أنها جميعا أسهمت في تمكين المؤسسة الملكية من تحقيق هدف الاحتواء والخضوع لميزان القوى.

والذي لا ريب فيه أن تجديد العلاقة مع النخب جميعها، الإسلامية واليسارية والليبرالية، سيفتح الباب لاستثمار إمكاناتنا البشرية، وتعبئة القوة الشبيبية، وتحفيز الطاقات النسائية لمواجهة تحديات النهضة العمرانية وشبح العولمة المستكبرة في الأرض.

وثانيها هو إنجاز إصلاح دستوري ومؤسسي شامل يخرج المجتمع السياسي من احتكار السلطة واندماج السلط وتمركزها في يد الملك بمفرده. إصلاح شامل يتجاوز تاريخا طويلا من “الإصلاحات الدستورية” الشكلية التي كانت أقرب إلى مناورة النخب والمجتمع منها إلى التغيير الفعلي.

فالإصلاح الدستوري المطلوب لا يمكن أن يكون متجاوبا مع المرحلة الصعبة والطموحات الشعبية إلا إذا كان منضبطا لشرطين مهمين:

” الشرط الأول: أن يعبر الإصلاح المأمول عن إرادة سياسية جديدة مخالفة لما تم التعبير عنه في السنوات الخمسين الماضية. وهي الإرادة التي يعبر عنها مجتمع سياسي راشد متضامن يهفو إلى بناء مرحلة انتقالية تطرح فيها ملفات الفساد والتظالم وطرق المعالجة وأشكالها وقنواتها.

” الشرط الثاني: أن يكون الإصلاح الدستوري نابعا عن جمعية تأسيسية منتخبة لها من القدرة المعنوية والتفويض السياسي ما يؤهلها لإدراك المصلحة الوطنية والدفاع عنها وحمايتها، وتجاوز الدساتير الممنوحة التي تصاغ في غرف إسمنتية.

إن الإصلاح الدستوري والمؤسسي يمكن بلادنا من تجاوز الشلل الإداري والبيروقراطية ومواقع الفساد الاقتصادي والبطء في إنجاز ومتابعة تنفيذ المشاريع المستعجلة. كما يفتح الباب لاستثمار طاقاتنا الذاتية وتدبير الخلاف السياسي بشكل صحي وفعال.

أما ثالثها فهو تدبير جديد وعقلاني للشأن الاقتصادي يخرج بالمغرب، البلد الغني بثرواته البحرية والمعدنية والبشرية، من الذيلية في لائحة الدول النامية، والتبعية المقيتة لدوائر الاستكبار العالمي والهيمنة العولمية الظالمة.

لقد أفصحت أقلام الباحثين في الانتكاسة الاقتصادية المغربية عن أرقام مهولة للفقر والحرمان والبطالة والهجرة السرية.. وكانت مذكرة الأستاذ عبد السلام ياسين رسالة واضحة في بيان الحل الاستعجالي للأزمة الخانقة، ممثلا في إعادة النظر بشكل جدي في الثروة الملكية التي خلفها الملك الراحل:

” لصياغة معادلة الوضع المخزني، واستشراف المستقبل بجدية، لا بد من الاستناد إلى معطيين اثنين:

” أولهما أن الدين الخارجي الضخم يجثم على ميزانية البلد، ويشل كل محاولة تصحيحية جادة(…)

” وثانيهما أن الملك الشاب والأمراء والأميرات شركاء في تركة الرجل الهالك، لكل منهم نصيب من الثروة القارونية التي خلفها.

فلنقرن المعطيين حتى تتبدى لنا بدهية الحل الجذري لمشكل الفقر الذي يقض مضجع المغاربة: أن تخصص هذه الثروة الهائلة لتسديد هذا الدين الثقيل ومحو كابوسه الرهيب. بذلك يرتقي الملك الجديد إلى مقام الأبطال. حينئذ يكون له موعد مع المجد لن يًٌٌٌَُُُُخلفه!

اقتراح تبسيطي ساذج؟ أم هو الهوس والجنون؟ ” (مذكرة إلى من يهمه الأمر، ذ.عبد السلام ياسين).

هذه مداخل ثلاثة نراها ضرورية في تحقيق تحول مفصلي في الحياة الوطنية وتدشين مرحلة جديدة يكون فيها الرأي العام معيارا أساسيا في قبول وجهات النظر وترشيح القوى السياسية لتدبير الشأن العام ومحاسبتها على المشاريع والبرامج. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.