إن ارتفعنا بإزاء القرآن وقارنا بأهل القرآن يبدو لنا المسلمون الذين عانوا من بعدهم ما عانوا واجمين تحت ظلة أظلمها ذهاب الشورى، وكدرها انعدام العدل، وسودها استتار أهل الإحسان وهروبهم من الميدان.

لكن مقلدة العصر الذين لا ترقى بهم الهمم إلى الاقتباس المباشر من كتاب الله وسنة رسوله، والذين يجعلون بينهم وبين منبع الهدى ومبعث النور رجالا كان لهم في زمانهم غناء رغم البلاء، تختلط عليهم المجالات، وتتفرع بهم السبل، فلا يكادون يهتدون سبيلا، تائهين بين مفاهيم العصر المادية، ملفقين منها ومن اجتهادات مضت. يلبسون أفكار الغرب سرابيل إسلامية ويجردون أقوال السلف من معناها وشموليتها، فهم من تحت التحت، أنى يصرفون !

عبر الإمام الشاطبي رحمه الله عن ذات صدر تلك الأجيال الصالحة بصلاح جمعها لهم الدنيا مع هم الآخرة حينما صاغ فهمه لمقاصد الشريعة مستعملا كلمة ” حفظ “. كان معهم رحمهم الله شيء يستحق في نظرهم أن يحفظ.

نحن في زماننا نقدر أن ما ضاع منا كثير وأن ما بقي آيل إلى ضياع إن لم ننهض للطلب، طلب الإسلام كله، طلب الإيمان بشعبه، طلب الخلافة على منهاج النبوة، طلب الشورى والعدل والإحسان.

لنترك مساءلتهم أحسن الله إلينا وإليهم عن عرى الإسلام التي لم يقوموا لإعادة بنائها بعدما نقضت، فإن في معلناتهم التي عبر عنها الشاطبي في مقدمة كتابه وخاتمته كلاما بليغا يفسر تحفظهم وسكوتهم عن أشياء وزفراتهم المكتومة تكاد تلفح من وراء القرطاس. ولنتتبع تقسيمهم لمقاصد الشريعة لنكتشف في كل موقع دعوا إلى حفظه مضيعة يجب علينا طلبها ولينفتح لنا باب الفهم لمطالب أخرى لم تخطر لهم على بال لأنها في نظرهم كانت حاصلة. منها توحيد الأمة مثلا.

فهم كانوا يعيشون وحدة شعوب جمعها الإسلام لا تكاد تشعر بالتفرقة التي فرقتها الإمارات السيفية، واللغة والسحنة والقطر. لم يكن يقدح في وحدتهم تلك وجود خلافات مذهبية يعيشون صراعاتها الكلامية أو العنيفة داخل إطار الوحدة لا خارجه . ما كانوا ليتصورا ما فعلته بنا الدولة القومية القطرية وتمزقات وتجزئات فرضها الاستعمار بعد ذهاب شوكة الإسلام العثمانية.

قال الشاطبي رحمه الله “والحفظ لها (يعني حفظ مقاصد الشريعة) يكون بأمرين، أحدهما مايقيم أركانها وتثبت قواعده ويحفظ وجوده بالمحافظة على أصول “العبادات” كالإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبه ذلك”. وعنده جانب ثان من مقاصد الشريعة سماه “العادات”، وترجع إلى “حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات وما أشبه ذلك.” وعنده جانب “المعاملات”، وهي “راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود، وإلى حفظ النفس والعقل أيضا، لكن بواسطة العادات”.

ألفنا في زمننا تقسيمات العصر إلى مجالات منها الديني والثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. وليس تقسيم علمائنا رحمهم الله أقل شمولية ولا أقل جدارة بالاعتبار، ومن الإنصاف المحض أن نحكم بأن تقسيماتهم كانت أوفى وأدق وأحكم لأنها تدخل في معادلاتها الإنسان فتجعله مركز الدائرة، إلى مصلحته في الدنيا والآخرة يرجع كل شيء من أشياء الحياة وأنظمتها وصناعتها. لا جرم يكون ذلك كذلك وفي مقدمة اهتمام الفقيه الأصولي “حفظ الدين”. ومن واجب حفظ الدين، وفي خدمة حفظ الدين، تتفرع واجبات حفظ النفس والعقل، وحفظ النسل والمال.

خارطتان تمثل إحداهما مخطط الجاهلية وبرنامجها، في خاناتها الثقافة والدين كما يفهم الدين الجاهليون، والسياسة والاقتصاد، والاجتماع. وتمثل الأخرى مقاصد الإسلام، ومطالبه في إقامة الدين، وتثبيت أٌقدام الإنسان في الأرض، آمنا على نفسه وماله ونسله، متزنا في عقله، مستعدا للرحيل بخطى مطمئنة من الدنيا وامتحانها إلى الآخرة ونعيمها. ضع الخارطة الأولى على وجه الثانية، فربما يغطي الاقتصاد و”علم النفس ” وعلم الطب وسياسة الإسكان وسياسة الحكم والضمان الاجتماعي في الخارطة الأولى بعضا أو كثيرا من أقسام ” العادات” و “المعاملات” في الخارطة الثانية. وتبقى مساحة شاسعة لا تمتد خارطة الجاهلية لتغطيتها هي مساحة معنى وجود الإنسان، مساحة الآخرة والمصير إليها وعلاقة هذا المصير بسلوك الإنسان واستقامته، ورفقه لا عنفه، وبذله لا أنانيته، وعطائه لا تبذيره، وأخلاقية الرحمة بالخلق وإطعام المساكين لا وحشية الاستهلاك الباذخ والمستضعفون في الأرض يموتون جوعا.

أين تقع الديموقراطية وهي عصارة التجربة الإنسانية من الشورى وهي تنزيل العزيز الحكيم لخلقه لولا أن الديموقراطية واقع يتمتع بإنسانيته غيرنا ويمثله مسرحا هزليا حكامنا، ولولا أن الشورى نظام غائب ومطلب عزيز دون تحقيقه أشواط من الجهاد؟

تقع ” الديموقراطية ـ الواقع ” من ” الشورى ـ المطلب ” في رياض القرطاس وفي تأملات الكاتب موقع التحدي الفكري. لكنها في حياة الأمة تحد حيوي، يضيع الدين وتضيع الأمة إن استمر الاستبداد العاض. ويطلق الناس الدين لاعتناق دين الديموقراطية لأن من معاني ” الحريات العامة ” ضمان كرامة الفرد وتحلله من كل قيد يكبح شهواته. تحد قاتل، فإما ديموقراطية إنسانية دوابية إباحية وإما شورى يكون بها أمرنا على جادة الدين.

كان علماؤنا حتى في القرن الثامن في أندلس الطوائف يتكلمون من موقع استعلاء حضاري. لم يكن أمامهم أي تحد معنوي يصول عليهم بتفوق نموذجه. لذلك كان حفظ ما عندهم غاية سؤلهم.

نتساءل نحن أين تقع ” الاشتراكية ـ الواقع ” وهي عصارة التجربة الإنسانية من العدل الذي أمر به الله جل شأنه عبادة وألح في الأمر ؟ أين تقع الاشتراكية الواقع، الاشتراكية النموذج المعروض الذي تغري الدولة العظمى السوفياتية التائبة من تجربتها الاشتراكية باقتنائه، الاشتراكية المفتاح السحري لمشاكل العالم المختلف، من العدل الإسلامي ـ المطلب؟

أمن الديموقراطية نبدأ، وإذن لا نصل إلى الاشتراكية. أم نفرضها اشتراكية، وإذن فهو استبداد حزب باسم طبقة، فلا حرية. أو نجعلها اشتراكية ديموقراطية نقلد في تلفيقها مجتمعات ثرية مصنعة تعيش في بحبوحة ونحن همل فقراء، أيديهم وعقولهم صناع، ونحن عقولنا وأيدينا الخرق بعينه؟

بأي ثمن من ديننا وكياننا نشتري ديموقراطية جاهزة أو نُدخل خلسة اشتراكية مستوردة نفرضها بعد بالحديد والنار؟

أين تقع الإنسية الجاهلية و “حقوق الإنسان ” والأخلاق والفلسفة والفنون، وهي واقع هناك، من الإحسان وهو مطلب كامن في قلوب المومنين بالله وباليوم الآخر غائب عن واقع المسلمين؟

كيف الطلب لكل ذلك؟ من يطلب؟ وممن يطلب ومع من يطلب؟ وضد من يطلب؟

أسئلة ما طرحها، وأنى له، من يردد عبارات الأجداد الداعية إلى حفظ المقاصد الخمس الضرورية : حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال. يردد ويفرع، بعناد وتبلد، وكأن الدين حاكم سلطانه في بلاد المسلمين، و “العادات” مستقرة حيث تركها الأولون آمنة من عاديات الزمن، و”المعاملات” منتظمة على ما قرروه. تحفظ على ماذا إذن يا فقيه وتحافظ؟