انتهت منذ مدة القمة السابعة عشرة التي أثمرت إعلان الجزائر، وانتهى فصل من الاجتماعات والمشاورات التي شهدتها كواليس المؤتمر العربي على مدى أربعة أيام، وغاب كما العادة من غاب، وحضر من حضر.. إلا أن بين الغياب والحضور كان الاتفاق بالإجماع على إظهار نوايا التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني كبادرة أولى، إلى أن يفتح الزعماء الأذرع ونشهد لحظة العناق و”البوس” الحار، كما جرت العادة في كل المؤتمرات… لكن هذه المرة في الأحضان الإسرائيلية.

لقد تأكد للمواطن العربي وبالملموس، أن الأنظمة الفاسدة الجاثية على رقاب الشعوب العربية، والمتمسكة بأهداب السيد الأمريكي والإسرائيلي على حد السواء، لم يعد ينتظر منها أية انتفاضة..

بل وتأكد أن الحكم صار لديها موروثا أبديا يرثه الأبناء عن الآباء، وبأن التمسك بالأعتاب الأمريكية خير لها من إجراء أي تغيير داخلي يجعل الشعوب في أمن وأمان، وبأن الرضا الأمريكي خير من رضا الشعوب.. كيف لا وأمريكا حامية العروش !

أثبتت القمم العربية المتتالية إذن أن العرب في تراجع وعجز متواصلين، وأظهرت سياساتهم التي تدعو للشفقة، وانطلاقا من الإحصائيات الرسمية ( راجع تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 )، أن الوضع العام في مجمل الوطن العربي في تدهور مستمر.

نسبة البطالة فيه بلغت 25 بالمائة، والأمية تحاصر 70 مليون عربي، والناتج الداخلي الخام لما يزيد عن 20 بلدا عربيا يبلغ 700 مليار دولار، وبأن الناتج الداخلي الخام لكل مواطن عربي يقل عن 2000 دولار. بينما نجد في المقابل أن الوطن العربي يتوفر على 60 بالمائة من الاحتياطي العالمي للنفط، وثلث احتياطي الغاز !!

أما الحديث عن التعليم والبحث العلمي أو ما يصطلح عليه بـ”إنتاج المعرفة”، فقد أكدت الإحصائيات أن مجمل الدول العربية، مقارنة ببعض الدول الغربية، لا توفر حتى الحد الأدنى من المعرفة التي يجب أن تكون مواكبة للتطور الملحوظ والمطرد في هذا المجال. هذا إلى جانب ضآلة كل ما له ارتباط بالمجال العلمي بحثا ودراسة. وقد أكد التقرير على سبيل المثال أن مجموع عدد براءات الاختراع المسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة 1999-2000 من بلدان عربية وغير عربية، أن ( البحرين، مصر، الأردن، الكويت، عمان، السعودية، سوريا، الإمارات، اليمن) مجتمعة سجلت 370 شهادة براءة اختراع، بينما سجلت إسرائيل لوحدها 7652 شهادة. ألا يدعو الأمر للدهشة والاستغراب !!

بهذا الوضع المتردي، يبقى المواطن العربي مندهشا أمام تفاقم المواقف والسياسات السلبية التي تنهجها الأنظمة العربية المحترمة “رغم أنوفنا”، ويبقى هو وحده، المتفرج أمام تعامل الولايات المتحدة اتجاه من تصفهم بـ”الزعماء”.. تعامل بمنطق العصا أو الجزرة !

لقد ظل الشارع العربي ولأمد طويل، ينتظر من يحمل مشعل التغيير والانتفاضة، من يقول لا، من يرفض التشتت ويعلنها أمام الملأ: كفانا خذلانا، كفانا هوانا، كفانا ذلا… وطبعا، لا حياة لمن تنادي، ويبقى الطفل الفلسطيني الذي يحمل الحجارة في وجه الدبابة الإسرائيلية، المدافع الوحيد والمستميت عن الكرامة العربية.

لقد كانت السنون تلو السنون بمثابة انتظار تلو الانتظار، وتوالت الاجتماعات والقمم، وتكررت اللقاءات وكثرت المجاملات وتبودلت القبلات، حتى صار المواطن العربي يتمنى أن يكون له نصيب من تلك الحفاوة في الاستقبال والكرم الحاتمي في الضيافة ونصيب من الهدايا والإكراميات..

لكن، وللأسف أن ما يصله مجرد “تضامن” و”تجديد تأكيد”، إلى أن صارت كل البيانات التي تصدر عن القمم العربية، “تضامن وتأكيد وتجديد تأكيد”.

واشتاق المواطن العربي لسماع “نشجب التصرفات الهمجية التي تقوم بها الولايات المتحدة في حق الشعوب العربية والمسلمة، نؤكد التزامنا على المقاطعة، تأكيدنا إحياء اتفاقية الدفاع المشترك، رفضنا تدخل أمريكا في شؤوننا، عزمنا هدم جدار الفصل العنصري، عزمنا تحرير المسجد الأقصى من الغاصبين، …” لكن هيهات ثم هيهات، جاءت قمة الجزائر ليتقدم فيها الأردن بمبادرة جديدة (أيدته فيها مصر والمغرب)، حث فيها القادة العرب على إعادة طرح وتبسيط مبادرة قمة بيروت 2002 لجعلها أكثر جاذبية لإسرائيل والرأي العام العالمي، وطرح نصا يتضمن تعهدا صريحا بإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل !. ولحفظ ماء الوجه العربي، أكد البيان الختامي للقمة بإن السلام “خيار استراتيجي” للعرب لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وبأن الدول العربية مستعدة لاعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيا وإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار السلام الشامل، وذلك بعد تحقيق الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري المحتل إلى حدود 1967، والانسحاب من الأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية. ما اعتبرته حركتا المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي “مكافأة مجانية للاحتلال الإسرائيلي” في ظل استمرار العدوان على الفلسطينيين والتهديد بهدم المسجد الأقصى.

ولهذا جرى في نهاية الأمر ما يمكن تسميته بعملية “ترويض” للمبادرة الأردنية، حتى يصبح بإمكانها مواكبة المبادرة العربية للسلام في صيغتها السعودية الأصلية التي نصت على التطبيع، ولكن بعد الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة. هذا مع العلم أنه سبق لمبادرة بيروت التأكيد على أن الدول العربية ستقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل حالما تلبي الشروط العربية.

ويبقى التساؤل المطروح: هل نحن في حاجة عملية لإعلان التطبيع طالما أن كل دولة تقوم باتصالات منفردة مع إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر؟؟ وهل من المجدي الاستمرار في الحديث عن مبادرات سلام عربية في ظل استهتار إسرائيل بها أولا، ورفض الولايات المتحدة لها ثانيا، وتمادي الكيان الصهيوني في العدوان ضد الشعب الفلسطيني، واستمرار أمريكا في توسعها واحتلالها للدول العربية والإسلامية؟؟

لقد قبلت العديد من الزعامات العربية بالفعل التطبيع، وراحت تلهث وراء عطايا الولايات المتحدة الأمريكية ووعودها لهم بتوريث الحكم وكراسي الملك.. وتم تجاهل صوت الشعوب العربية الرافضة لأي تطبيع، المؤكدة على حقها في العيش الكريم، المنادية بالديمقراطية الداخلية وبالحرية في التعبير وإبداء الرأي (…)

وتأكد بالملموس أن قمة الجزائر التي عقد عليها العديد من المراقبين الآمال الكثيرة، ووصفت بأنها قمة مصيرية بالنظر إلى الظروف السياسية والدولية التي تنعقد فيها، وبالنظر إلى حجم المعاناة التي يعانيها المواطن العربي والوضع السائد في المنطقة العربية، قمة نوايا التطبيع العلني مع إسرائيل، وقمة تضاف إلى تاريخ القمم ولن تضيف أي شيء جديد للقضية العربية سوى: إنشاء برلمان عربي انتقالي، وإنشاء هيئة لمتابعة القرارات، وأخيرا مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير وتحديث جامعة الدول العربية وتفعيل آلياتها..

فهنيئا إذن للشعوب العربية المقهورة ببرلمانها العربي الانتقالي الذي سيحررها من جبروت أنظمتها. !