رغم أن الأستاذ عبد السلام ياسين تحدث كثيرا عن مفهوم القومة الإسلامية، وخصص لذلك فصولا وفقرات في العديد من كتبه(1)، فإننا نلحظ من حين لآخر، عن قصد أو غير قصد، تحريفا لهذا المفهوم عن المقصود به. فهناك من يجعل لفظ “القومة” مرادفا للفظ “الثورة”. ومن الناس من يختزل القومة في نزول إلى الشارع، وعصيان مدني ممكن ومتاح في ظل كل الظروف ودون أي شروط. ومنهم من يهيج الأعداء والخصوم بـ”فزاعة” القومة الإسلامية. وهناك من يعتبر القومة نقلة سحرية وتغيير للأوضاع بالتواكل والانتظار. وآخرون يسخرون من كل ذلك ويستهزئون بالقومة والقائمين…

فما هي القومة الإسلامية؟ وما هي خصائصها وأساليبها وأشكالها؟ وهل لها من أصل في القرآن الكريم؟ وهل من نموذج عملي للقومة الإسلامية؟ وما الفرق بين القومة والثورة؟

أسئلة وغيرها أحاول الإجابة عنها في هذه السطور، التي تهدف إلى تسليط الضوء على مفهوم القومة الإسلامية في المشروع التجديدي للأستاذ عبد السلام ياسين، مشروع المنهاج النبوي، الذي لا ينحصر في كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، وإنما يشمل مختلف كتب الأستاذ المرشد.

القومة في القرآن الكريم

الأصالة من أهم الخصائص التي تميز المشروع التجديدي للأستاذ عبد السلام ياسين، حيث حرص كل الحرص على استعمال مفاهيم أصيلة من القرآن والسنة، إيمانا منه بأن المفهوم محكوم في سياقه وروحه بالبيئة التي نبت فيها، وبالمشروع الذي ينتمي إليه. وفي حالة اضطراره لاستعمال بعض المفاهيم من غير القرآن والسنة فإنه ينبه إلى ما يوافق المشروع الإسلامي في ذلك المفهوم وما يخالفه.

ولفظ القومة لفظ قرآني، لذلك تم استعماله من قبل الأستاذ عبد السلام ياسين.

يقول الله عز وجل “وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا” سورة الجن الآية 19، وجاء في تفسير بن كثير “أن الحسن قال: أنه لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد (أي تجتمع) عليه جميعا، وقال قتادة تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره …”.

ويقول عز من قائل: “كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” المائدة الآية 9.

جاء في تفسير القرطبي “أي لأجل ثواب الله فقوموا بحقه، واشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم، وحيف على أعدائكم “ولا يجرمنكم شنآن قوم” على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق”. وفي نفس المعنى وردت آيات أخرى منها: “كونوا قوامين بالقسط شهداء لله” (النساء، الآية 134)، “والذي هم بشهادتهم قائمون” (المعارج الآية 33)، “وأقيموا الوزن بالقسط” (الرحمن الآية7).

والقومة إلى الصلاة، وإقامة الصلاة تكررت كثيرا في كتاب الله، كقوله سبحانه وتعالى: “الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون” (البقرة الآية3). ورد في تفسير الطبري لهذه الآية “إقامتها: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فرضت عليه، كما يقال: أقام القوم سوقهم ، إذا لم يعطلوها عن البيع والشراء .. إقامة الصلاة: تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع”..

ومما ورد في القرآن الكريم قول الله تعالى: “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم” (الروم الآية 29).

جاء في تفسير السعدي لهذه الآية : “يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال، وإقامة دينه فقال: “فأقم وجهك” أي: انصبه ووجهه.”للدين” الذي هو الإسلام والإيمان، والإحسان، بأن تتوجه بقلبك، وقصدك، وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة، كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة. والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. وخص الله إقامة الوجه، لأن إقبال الوجه، تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين، سعي البدن …

“الدين القيم” أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم، في جميع شرائعه وطرقه”.

ويقول الله سبحانه وتعالى: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه” (الشورى الآية 11). يقول القرطبي في تفسيره: “أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه” أي اجعلوه قائما؛ يريد دائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف ولا اضطراب”. وجاء في تفسير السعدي لقوله تعالى: “ولا تتفرقوا فيه” أي: “ليحصل منكم اتفاق على أصول الدين وفروعه. واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل، وتحزبكم أحزابا وشيعا يعادي بعضكم بعضا، مع اتفاقكم على أصل دينكم”.

معاني جليلة في هذه الآيات الكريمات، وإشارات في غاية الأهمية لمفسرينا رحمهم الله، سنعود لتأكيدها بعد حين في المشروع التجديدي للأستاذ ياسين.

القومة النبوية

يقول الله عز وجل: “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا” (المائدة 48). قال بن عباس رضي الله عنهما: “الشرعة ما ورد به القرآن والمنهاج ما وردت به السنة”. فبعد علم القرآن عن القومة ومعانيها، كان النموذج العملي، كانت القومة النبوية. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “السيرة النبوية العطرة هي نموذج القومة ووصفها ومدرستها. عليك في عصرك ومصرك وظروفك وحظك من الله وقوة من معك من حزب الله، قوة الإيمان قبل قوة العدد، أن تترجمها واقعا حيا تتعرض به لأمر الله”(2).

ويقول: “في الإسلام نقرأ نموذج القومة النبوية فنرى كيف تحول بالتدريج ولاء المهاجرين والأنصار من العصبية القومية والسيادة والحسب إلى الولاء لله ورسوله وشريعته…”(3).

وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما سبق أن رأينا، نزل قول الله تعالى: “وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا” أي اجتمعوا عليه وتزاحموا في أذاه صلى الله عليه وسلم، تلبد الصوف أو الشعر، تداخل ولزق بعضه في بعض، مما يفيد شدة الأذى الذي تعرض له الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.

جاءه ملك الجبال وقال له: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين (جبلان يحيطان بمكة) فقال صلى الله عليه وسلم رغم شدة الأذى: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا”(4).

صفحات مشرقة من سيرته صلى الله عليه وسلم، لا يتسع لها المقام في هذه السطور، تبين قومته وصبره، ويقينه في الله عز وجل، وتدرجه ورفقه.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في تعليقه على بعض فصول تلك السيرة العطرة: “القومة أيها الأحبة ثبات وصبر وثقة بالله وعمل دائب” (5).

القومة النبوية هي النموذج في الأسلوب والوجهة والروح مهما تبدل الزمن وتغيرت الأشكال.

ومن الشرعة والمنهاج، من القرآن والسنة، يتبين مفهوم القومة الإسلامية، الذي دعا إليه الأستاذ ياسين في مشروعه التجديدي، والذي من الضروري تسجيل بعض معانيه قبل مواصلة الحديث:

أولا: القومة قيام بالدعوة إلى الله تعالى.

ثانيا: القومة رحمة وصبر واحتمال للأذى.

ثالثا: القومة شهادة قوية بالحق والعدل.

رابعا: القومة إقامة الدين بما هو إسلام وإيمان وإحسان.

خامسا: القومة حرص على الاتفاق والاجتماع.

سادسا: القومة ثبات وصبر وثقة بالله وعمل دائب.

سابعا: القومة مراعاة لظروف المكان والزمان.

ثامنا: القومة قوة الإيمان قبل قوة العدد.

تاسعا: القومة تحول بالتدريج نحو الولاء لله ورسوله وشريعته..

القومة في تاريخ المسلمين:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “تبشر فتوة هذا الشباب الطاهر الصاعد والحمد لله بقومة تقيمنا من صرعتنا التاريخية” (6).

تاريخ المسلمين ينقسم إلى أربعة أطوار، بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن حذيفة وهي: النبوة، الخلافة الراشدة الأولى، الملك العاض، الملك الجبري. كما بين صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث، ووعد بالمستقبل الإسلامي، الذي هو الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

انتقضت عروة الحكم مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لينقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة”(7).

وبعد ثلاثين سنة من الخلافة تحول الحكم إلى ملك. روى الترمذي عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك” قال سعيد بن جهمان، ثم قال (أي سفينة) أمسك (أي احسب بأصابعك) خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي، فوجدناها ثلاثين سنة، قال سعيد: قلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم قال: كذبوا بنوا الزرقاء، بل هم ملوك شر الملوك”(8).

ومن يقرأ قول الله تعالى: “عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول” (سورة الجن الآيتان26-72) يعلم أن الله عز وجل أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على المسار التاريخي لأمته، وكشف له ما سيقع من انكسار تاريخي، لذلك نجد في دواوين الحديث المصنفة “كتاب الفتن” أو “كتاب الملاحم”، وهي إخبارات نبوية بما يقع للأمة بعده من فتن وثورات وقتال وفساد للحكم وسفك للدماء…

وكان يوصي صلى الله عليه وسلم صحابته بالصبر وعدم المشاركة، من ذلك قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: “ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به”(9).

وفسر الصحابة رضوان الله عليهم هذه التحذيرات بأنها أمر بالكف عن المشاركة في الأمر العام، ومع مرور الزمن، استكان الكثير من العلماء ومعهم عامة الأمة إلى الأمر الواقع، وليس الأمر الواقع إلى ملكا عاضا وجبريا يفسد العباد والبلاد.

في مقابل هذا الفهم السكوني لأحاديث الفتن، ظهر فهم اقتحامي، استشرافا للخلافة الثانية على منهاج النبوة، واستجابة للنداء القرآني والنبوي في الكينونة مع أهل الحق، والشهادة بالحق، والصبر على ما يكون من أذى في سبيل ذلك. يقول الله عز وجل في سورة العصر: “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر” ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيَ أمر الله وهم على ذلك”(10).

“أمة قائمة” من هذا المنطلق سيعرف تاريخ المسلمين قومات لآل البيت رضي الله عنهم جميعا، قومة الحسين بن علي، وزيد بن علي، ثم محمد النفس الزكية وإبراهيم ويحيى. كما سجل التاريخ محنة أئمة المذاهب الأربعة بسبب قيامهم ومشاركتهم للقائمين.

ويميز المؤرخون المسلمون بين “القومة” و”الثورة” . يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “كان المسلمون يكتبون في تاريخهم كلمة” ثورة” بإزاء كل خروج عن السلطان من طائفة باغية .ويستعملون كلمة”القائم” لوصف خروج أصحاب الحق الغاضبين بحق على السلطان الجائر”(11).

ويقول:” المسلمون في تواريخهم يستعملون كلمة “ثورة” للدلالة على خروجٍ عنيف بغير حق. وفي كلمة “ثورة”إيحاء بالعجلة والعنف والاضطراب. ويستعمل مؤَرِّخونا كلمة “قومة” للإخبار عن الخارجين على الظلمة بحق. وكلمة “قومة” موحية بالقوة والثبـات والثقـة”(12).

“القومة” و”الثورة” ما الفرق؟

تختلف “القومة عن “الثورة” في الحوافز والأساليب والأهداف. الثورة أسمى ما يحركها الغضب ضد الظلم، أما القومة فإن دافعها الأساس غضب لله، غضب على انتهاك حرمات الله وتضييع حقوق الله. يقول الأستاذ ياسين: “تكون الحركة ثورة طائشة تهدم لا قومة لله تبني إن غلب الغصب على الحكام الظلمة وأعوانهم الغصب الأخر السامي”(13).

غضب سامي لا ينفي الغضب الفطري الآخر، الذي هو الغضب ضد الظلم، بل يضبطه ويوجهه. ويتحدث الأستاذ المرشد بوضوح عن علاقة الغضب السامي بالغضب على الظلم، علاقة الطليعة بعموم الشعب، والتي لا مندوحة للقائمين من معرفتها وفهمها، إذ يقول:

“لا مناص من أن تضاف إلى حيثيات القومة اعتبارات تفصيلية للاستضعاف. ينبغي أن لا نكون من البلادة بحيث ننتظر قومة مجردة للحافز السامي وحده، ولا أن نكون من السطحية بحيث نترك الحوافز الدنيا تقود المعركة. المحسنون المتجردون لله قلة عددا، والعضل اللازم للقومة غذاؤه الغضب الطبعي. فليكن جهاد المحسنين، وطليعة المؤمنين، أن يحقنوا العضل الشعبي بجرعات إيمانية. وبلقاء الحافزين، وبقيادة الاعتبار الإحساني، وهيمنته، وجدارته وقدرته على ضرب المثال، نرتقي بالحركة عن مستوى الغضب الجماهيري إلى مستوى القومة لله”(14).

وإذا كان أسلوب الثورة العنف وسفك الدماء والاغتيال السياسي فإن أسلوب القومة الرفق من غير ضعف، والقوة من غير حيف (لنتذكر تفسير القرطبي من غير ميل إلى أقاربكم أو حيف على أعدائكم) يقول الأستاذ ياسين: “إن الثورات تبني قوتها على الغضب الجماهيري على الأوضاع القائمة المكروهة وعلى الوعود بالبديل الأفضل. ثم لا شيء بعد نجاح الثورة واستقرار الانقلاب، إلا العنف الثوريُّ وتصفية الناس. في القومة الإسلامية نسأل أسئلة عمرو بن عبسة من نحن؟ ومن ابتعثنا؟ وبماذا ابتعثنا؟ ونستحضر أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعلن منذ البداية أن دينه صِلَةُ الرحم وحقن الدماء، لكنَّ دينه أيضا كسر الأوثان وتقويض بناء الشرك وإقامة دولة التوحيد والعدل والإحسان. وفي عمله الشريف صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة أمثلة فائقة للتؤدة والرفق والعفو والصفح الجميل”(15).

يؤكد الأستاذ ياسين في أكثر من كتاب على أن القومة الإسلامية في المنهاج النبوي تعتمد أسلوب الرفق والتدرج. من ذلك قوله: “إن الرفق أصل عظيم من أصول العمل الإسلامي.وأعطيت للدعاة حرية اختيار أسلوب القومة في حدود مرسومة، حد مبدئي هو وجوب عصيان من لا يطيع الله من الحكام، وحد عملي تطبيقي يقول لك: إلى هنا يمكن أن تتصرف”(16). ويحدد الحد العملي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبته ويقاتل لعصبته فقتل فقتلة جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى لمومنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه.” رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة(17). وعن التدرج يقول: “التدرج في مراحل القومة “لأمر جامع” يجمع جهود حزب الله المتعدد في واجهة الدولة، الواجهة الأفاقية ريثما تتقارب الأنفس وتتبنى منهاجا واحدا للدعوة، ونظاما واحدا، وقيادة موحدة أمر ضروري. ولا عجلة فالتدرج صبر ومصابرة. أتى أمر الله فلا تستعجلوه”(18).

لكن هذا التدرج وعدم الاستعجال لا ينبغي أن يتحول إلى استرخاء وانتظارية. يقول الأستاذ ياسين: “استرخى أو يكاد ذلك الذي أرسل القومة الإسلامية إلى أجل غير مسمّىً ريثما تتربى أجيال على الإيمان وتتألف القاعدة الواسعة. وعرض نفسه للخيبة العاجلة من تعجل فحسِب أنه بديل للعُقاب آكلِ الجِيَف بينما هو لا يزال فرخاً لم يُزْغِبْ. ربما يكون فرخ نسر قناص غلاب، لكنه فرخ في العش لا يزال”(19).

بين الاسترخاء والاستعجال تأتي سنة التدرج بما هي استجابة لأمر الله الشرعي في العمل والإعداد، وتسليم لأمر الله القدري قبل كل عمل ومعه وبعده.

ثم إن القومة تختلف عن الثورة في الأهداف. فإذا كانت هذه الأخيرة تنتهي في أحسن الأحوال إلى القضاء على الظلم، وإقرار توزيع عادل للثروات، والقضاء على الفوارق الطبيعية، فإن القومة تشمل ذلك “لا يمكن ولا يجوز أن نسمي أنفسنا قائمين إن لم يكن عدل الحكم بالشورى والعدل الاجتماعي بالقسمة الرشيدة أبرز بندين في برنامجنا”(20) وتمتد إلى أبعد من ذلك، يقول الأستاذ ياسين: “التمييز الطبقي أساس فلسفي وعملي لثورة الجاهليين يمكنهم بواسطة “دكتاتورية البرولتاريا” من تصفية طبقة وإحلال طبقة أخرى محلها.

أما قومة الإسلام فلا يكفي فيها القضاء على الفارق الطبقي… إن كان العدل الإسلامي -عدل القضاء وعدل الأرزاق- هو أول المهمات وأظهرها لعين المراقب، فإن التغيير الجذري للأمة هو هدف القومة”.

ويقول: “القيام بين يدي الله عز وجل هو لب القومة ومغزاها وروحها”.

ويضيف:” القومة نريدها جذرية تنقلنا من بناء الفتنة ونظامها، وأجواء الجاهلية ونطاقها، إلى مكان الأمن والقوة في ظل الإسلام، وإلى مكانة العزة بالله ورسوله، ولابد لهذا من هدم ما فسد هدما لا يظلم ولا يحيف، هدما بشريعة الله، لا عنفا أعمى على الإنسان كالعنف المعهود عندهم في ثوراتهم”(21).

القومة نهوض الأمة

يقول الأستاذ المرشد: “أستعمل كلمة “قومة” للدلالة على نهوض الأمة بقيادة طليعتها من جند الله لفَرْض العدل والإحسان على الواقع الكئيب المتميز بالتخلف والاستبداد في الحكم، والظلم في القسمة، والنفور العام عن دين الله، والجهل به، والإعراض عن الآخرة وعن الله عز وجل، والاستقالة من التشريف الإلهي والتكليف الذي عين هذه الأمة لحمل رسالة الحق للعالمين”(22). هذا النهوض يتطلب رفقا وصبرا وتدرجا، كما سبقت الإشارة، ويتطلب جهاد أجيال، يقول الأستاذ ياسين: “لا نظن أن القومة جهاد جيل وانتهى الرحيل، ماهي إبطال موجود بل هي إيجاد مفقود”(23)، ويقول أيضا: “القومة أيها الأحباب قيام من السقطة الكبيرة التي انحدرت فيه الأمة عدة قرون، فهي عملية طويلة المدى، معقدة، تريد الصبر والمصابرة. إنها قضية أجيال، وعلى الجيل البادئ في التحويل مسؤولية الدلالة على الخط القويم ومسؤولية توجيه الجهود وجهة البناء العميق لعقود من السنين قبل أن تقطف الثمار. الوعود البراقة الحماسية ضَرْبٌ من الهذيان يتفوه به الثوار إما نفاقا وإما جهلا بحقائق التغيير الاجتماعي. سرعان ما تنقشع الوعود الثورية عن واقع يستعصي على التغيير، وعندئذ يرتد الثوار جلادين سفاكين يقتلون طبقة اجتماعية ويضحون بأجيال”(24).

نهوض لابد له من صمود ومرونة “صمود ومرونة، خط ثابت وحركة حكيمة. لابد أن نعرف قواعد الحرب السياسية المحلية والعالمية. ولا بد أن يكون للتنظيم المجاهد أفق فكري، ومواضع أقدام على رقعة السياسة، واستعداد لمزاحمة الأعداء ومكايدتهم ما دامت الموجة العارمة لما تتألف”(25).

لذلك فإن القومة لا تتحدد في شكل من الأشكال، أو تنحصر في مسار من المسارات، بل تتعدد أشكالها ومساراتها، وتتداخل أحيانا وتتكامل، بما يصب في الأمر العام الذي هو نهوض الأمة.

يقول الأستاذ ياسين: “أثناء القومة ننزل مع الشعب إلى الشارع، نقوض الباطل إن لم تفتح لنا أبواب المنافسة السياسية لنصل إلى الحكم عن طريق ممارسة الشعب حقه في اختيار حكامه”(26)، لذلك فإن خيار التعددية متى فسح المجال وتوفرت الشروط، والميثاق الإسلامي، متى تأكدت للجميع ضرورته، والعصيان المدني متى توفرت شروطه الشرعية ومطالبه الذاتية والموضوعية، وغير ذلك من فرص تاريخية تستح بها الظروف الداخلية والدولية، كل ذلك أشكال وصور للقومة الإسلامية. و”يكون العمل المسلح والحرب الأهلية بين المسلمين أبعد هذه الصور عن المنهاج النبوي” (27).

لا نهوض للأمة إلا بمشاركتها يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “مقاومةُ الظلم حتى الموت ولو نشراً بالمناشير واجب الطليعة المجاهدة. لكن إقامة دولة القرآن ونجاحَها في بناء الأمة وحملِ الرسالة رهنٌ بسَرَيان روحِ المقاومة في عامة الأمة حتى يصبح المعروف سيدا، والمنكر مرذولا مطرودا على كل المستويات، وفي كل الميادين”(28)؛ مشاركتها تربية وتنظيما. ومشاركتها في البيت والمؤسسات والشارع. “من البيت الإسلامي تنطلق القومة، إن كان البيت يسكنه مؤمنون، وكانت قلوب المؤمنين يسكنها حب الله، والخوف من الله والرجاء”(29).

ومشاركة الأمة تعني، مما تعني، مشاركة العلماء وأهل التربية ومختلف فصائل الحركة الإسلامية، والقوى السياسية والمدنية، وغيرها من ذوي المروءات.

لا نهوض للأمة إلا بمشاركة عامة. ولا مشاركة، ولا تعبئة، ولا تغيير إلا بطليعة مؤمنة تتطلع قبل القومة وأثناءها وبعدها إلى ما عند الله من فضل ورحمة. طليعة مجاهدة تتطلع إلى الإحسان. القومة قبل أن تكون قومة جهادية هي قومة قلبية. يقول شيخ الإسلام الهروي: “القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة”.

تعمل هذه الطليعة على بث نور الإيمان في القلوب، ونور العلم في الأذهان، وقوة الإرادة في العزائم، حتى تتفتح البصائر إلى ما عند الله، ويشارك الشعب المستضعف في البناء مشاركة صادقة مخلصة فعالة مهتمة.

القومة قومات، قلبية وجهادية، سياسية واقتصادية (أقام القوم سوقهم إذا لم يعطلوها عن البيع والشراء) واجتماعية وعلمية، لا سبيل لإنجازها، بعد التوكل على الله إلا بالتربية، وتنظيم الجهود، والعمل الدائب، والإعداد المتواصل، والمشاركة العامة، في صبر ورفق وتدرج وقوة أيضا.

الهوامش:

(1) من ذلك مثلا: “القومة الإسلامية” و”الثورة والقومة” في كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”. و”قومة لا ثورة” في كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”. و”القومة” في كتاب الإحسان الجزء الثاني. و”القومة والثورة” في كتاب رجال القومة والإصلاح.

(2) كتاب “سنة الله”، ص 300.

(3) كتاب “الإحسان”، ج: 2، ص 509.

(4) حديث طويل رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها وعنهما.

(5) كتاب “سنة الله”، ص 300.

(6) كتاب “المنهاج النبوي” ص 268.

(7) رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي.

(8) رواه الإمام الترمذي.

(9) رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعنهما.

(10) رواه الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان.

(11) كتاب “سنة الله”، ص 290.

(12) كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”، ص 246.

(13) كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، ص 372.

(14) نفس المرجع، ص 263.

(15) كتاب “الإحسان”، ج: 2، ص 315.

(16) كتاب “سنة الله”، ص 296.

(17) نفس المرجع، نفس الصحفة.

(18) نفس المرجع، ص 300.

(19) كتاب “تنوير المومنات”، ج: 1، ص 99.

(20) كتاب “الإحسان”، ج: 2، ص 502.

(21) كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، الصفحات 263، 16، 9 على التوالي.

(22) كتاب “الإحسان”، ج: 2، ص 500.

(23) كتاب “تنوير المومنات”، ج: 1، ص 263.

(24) كتاب “سنة الله”، ص 292.

(25) كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” ص 11.

(26) نفس المرجع، ص 309.

(27) كتاب “سنة الله”، ص 292.

(28) كتاب “رجال القومة والإصلاح”، ص 35.

(29) كتاب “تنوير المومنات”، ج: 2، ص 217.