لا حدود لعلو اليهود ما دام يسندهم أهل الجحود من أدعياء النصرانية الذين يستبطنون الإلحاد والجور.

عن هذا الجبروت اليهودي يحدثنا القرآن الكريم في سورة الإسراء (الآية 4): “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُن علوا كبيرا”.

هذا الاستكبار متجذر في الشخصية اليهودية التي تُلقَّن منذ نعومة أظافرها مبادئ العنصرية، وتجعل من بني إسرائيل شعب الله المختار. وذلك ما تردده توراتهم: “ففي ذلك اليوم، فتح يوشع ماقدة Maqqeda وأباحها وملِكها للسيف. لم يدع فيها حيا. عامل ملكها بمثل ما عامل به ملك أريحا من قبل”(1).

وتستطرد توراتهم تحكي لنا قصة المدن التي أبيحت وأبيد ملوكها وأهلوها عن آخرهم: ليفرا Livra، لاقش Lakish، غزة Guezu، عجلون Eglon، حبرون Hebron (الخليل حاليا)…

نحن لا نمانع في تصديق التوراة حين تصف قسوة اليهود التي نعاينها يوميا، لكن كيف نُصدق هذه القصص الدموية التي تجعل من نبي طاهر  يوشع- جبارا متعطشا للدماء؟

ليست التوراة المتداولة سوى مجموعة من النقول والتقاليد الشفوية التي توارثتها الأجيال خلال عدة قرون بعد موسى عليه السلام قبل أن تُدَوَّن، أما القرآن فقد كُتِبَ والنبي محمد صلى الله عليه وسلم حي بين ظهراني أصحابه يملي عليهم ما أوحى ربه إليه. يستحيل أن يكون أنبياء الله، رسل الرحمة، جزارين بعثوا لتقتيل البشر. إنها خيالات نفوس مريضة تجسد في قصص ملحمية تمجد التعذيب والإبادة، تلك كانت أول وحدة تجمع بني إسرائيل بعد أن كانوا مجرد قبائل من البدو الرحل الهائمين في الصحراء، ليصبحوا شعبا واحدا يقوده يوشع إلى أرض كنعان. لكنهم لم يمتهنوا التدمير والتقتيل والإبادة إلا بعد يوشع حيث كانوا “يقتلون النبيئين بغير حق”  كما ورد في القرآن- أي أن الأنبياء كانوا ضحايا عنفهم بدل أن يكونوا أساتذتهم  كما يدعون- في هذا الباب.

وإذن ليست التوراة المحرَّفة عن كتاب الله الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام سوى تزوير للتاريخ تجسد في ملاحم شعرية تفضح نيات قوم ما زالوا يؤمنون بأن رقبة “الأممي” لم تخلق إلا للسيف، وما زالوا يسعون لتطبيق هذا المبدأ كلما سنحت فرصة للقيام “بتطهير عرقي”. في هذا الصدد نستنطق كتاب موريس بوكاي حين يصف العبقرية التخيلية التي ميزت مؤلفي التوراة، ويعرفنا على مصدر “الكتاب المقدس” لنكتشف “أنها (التوراة) قبل أن يصبح مصنفا يجمع عدة كتب، كانت عبارة عن تقاليد شعبية لا تسندها إلا الذاكرة البشرية. لذلك لم يتورع السرد الذي تحركه الوظيفة التخيلية عن التصرف بحرية في المواضيع والمراحل التاريخية الغامضة”(2).

وهكذا تتخبط قصص الإنجازات الدموية الملفوفة بالغموض في الفوضى، ولمفسري القرآن تأويلات للإفساد الأول لبني إسرائيل في الأرض، أما الإفساد الثاني المذكور في الآية فيبدو أنه يتجسد في العلو الذي تعرفه اليوم دولة إسرائيل.

يستعلن الاستكبار العنصري اليهودي وتسلط الأضواء على “التطهير العرقي” وهو يعرض بعض منجزاته على شاشات العالم كله. بل إن أحفاد مبيدي الشعوب أظهروا كفاءتهم قبل أن يُعولَم استعمال أجهزة التلفزة، فاجتاح مناحيم بيغن، الوزير الأول لإسرائيل، وعصابته الإرهابية قرية دير ياسين يوم 9 أبريل 1948 وذبح 254 من رجالها ونسائها وأطفالها. تلك كانت خطة منظمة أرغون لإرهاب السكان وإجبارهم على النزوح من أراضيهم.

وبعد ثلاثين سنة، بعد أن استوت إسرائيل على سوقها، وتكفلت عدالتها بضمان أمن المواطنين، هاجم مجرم يهودي قرية بئر قاسم وأباد أهلها فألقي عليه القبض وحكم بتغريمه دينارا رمزيا ثم أطلق سراحه.

قبل سنتين، اقتحم الدكتور باروخ غولدشتاين، المستوطن ذو الأصل الأمريكي، بطل الإرهاب، مسجد الخليل، وأفرغ ذخيرة رشاشه في أجسام المسلمين الساجدين لله عز وجل، كانت الحصيلة سبعة وعشرين قتيلا وأكثر من خمسين جريحا.

واليوم أصبح قبر هذا “البطل” ضريحا يُزار ويُتبرك به…

فإذا ما سولت للمسلم نفسه الاقتصاص من يهودي واحد حين يُجرف بيته أو ينتزع حقله أو يحصد أطفاله، انطلقت الأبواق الإعلامية تشنقه وتعالت صيحات الإدانة الدولية: إسلامي؟ إرهابي؟ متطرف؟ متوحش؟ بينما لا يجرؤ أحد على نسب المذابح الرهيبة التي نفذها الصرب في البوسنة إلى الديانة الأورثودكسية، ولا قنابل أولستير إلى الديانة الكاثوليكية. مما يعني أن صنفا من أهل الحداثة يحاول أن يعرض صورة مشوهة عن الإسلام مخالفة لصورته الحقيقية، العادلة، الموضوعية.

تجهد أوربا اليوم لتتوحد، باحثة عن هوية جديدة مشتركة. فهل تجدها في الروح الحكيمة المنفتحة على الآخر  العربي المسلم ذي الهوية المتماسكة- المستعدة لاحترامه والتعاون معه؟ أم أنها ستصغي إلى صفارات الإنذار المدوية في الشاطئ الغربي للأطلسي، المنذرة “باصطدام الحضارات”، شعار الحروب الصليبية الجديدة؟

لا أريد أن أختم هذا الفصل بنغمة الخيبة والمرارة، لكنني أعلم أن الأفكار الحقيرة والأحاسيس الخسيسة، مثلها مثل الأكاذيب المضخمة، تجد لها رغم عقمها وضررها تربة خصبة في النفوس المريضة. لهذا يجب أن يلتف ذوو النيات الطيبة والقلوب المفعمة بمحبة الآخرين حول مشروع كبير موحد، مشروع يخلص البشرية ويسمو بالإنسان.

فأصحاب القلوب النبيلة يستجيبون بيسر لنداء الحكمة، أما النفوس الحاقدة فستقف متفرجة على مرور موكب إنسانية متصالحة سخرت وسائل الحداثة لبلوغ الأهداف التي حددها الإسلام: عدل في الأرض وإحسان في القلوب. محكوم على كل شيء بالفناء. ستنتهي الرحلة القصيرة التي يقوم بها الأفراد والحضارات حسب سنة تداول الأيام، كل حسب دورته وعمره المقدر في الأزل. ينتهي كل شيء، وسيبقى الإنسان الذي يموت ثم يبعث ليحاسب على ما كسبت يداه في دنياه. سيبقى الإنسان الخالد: ضيفا مكرما في الرفيق الأعلى أو حطبا تسعر به نار جهنم.

حاولنا في الصفحات السابقة فتح ملف النزاع بين الإسلام والحداثة. منهجية ضرورية لتجاوز الاعتراضات المتبادلة والإفلات من الجمود الذي يعترينا حين تلهينا معارضة الآخر عن غاية الوجود البشري فوق الأرض وتصبغ أفقنا بالسواد.

فالرؤية الواضحة للماضي والحاضر شرط لتصور المستقبل والتحرك نحوه دون تهيب من الانحراف. لذلك استحضرنا الولادة التاريخية والإيديولوجية للحداثة وللازمتها “القديسة لائيكية”، حسب تعبير أحد الأوربيين، حتى تتمكن من الاستنطاق الجيد للحداثة اللائيكية حول أسسها المعرفية وركائز تصورها للإنسان. سؤال عميق نحاول بعده أن نرسم الملامح العامة لمشروعنا الاقتصادي، والسياسي الاجتماعي.

أسرد من الذاكرة قول الفيلسوف اللاتيني سينيكا: “لا يمكن للمركب الذي يجهل وجهته أن يُحسِن استغلال الرياح المناسبة”. فوعد الله هو المنار الذي يوجه إلى شاطئ الأمان ويدل على أنسب الرياح للإبحار. ويبقى علينا أن نحسن استشراف الأفق، ونحذر فخاخ الجَزْر القاتلة.