يعرف المجتمع مجموعة من الهيئات والتنظيمات تختلف من حيث الوظيفة والأهداف والوسائل، حيث هناك مؤسسات غايتها إسداء خدمات وأخرى غايتها تحقيق الربح، ومؤسسات غايتها التحسيس والتحفيز والتوعية، وأخرى غايتها الوصول للسلطة.

والأحزاب السياسية تتميز بمجموعة من المميزات عن باقي الهيئات المجتمعية الأخرى من حيث كونها لا تسعى إلى تحقيق أرباح مثل الشركات، وهذا هدف تلتقي فيه مع باقي مؤسسات المجتمع المدني ولكنها تتميز عنها بأن هدفها الوصول إلى السلطة عن طريق كسب ثقة الجماهير من خلال برنامجها، ويكون همها بعد الوصول للسلطة تطبيق البرنامج الذي شكل أساس حيازتها ثقة الجماهير. فكيف تتمثل أحزابنا هذه الوظيفة؟ وكيف تم التعبير عنها في مختلف تشريعاتنا؟.

اختار المغرب منذ بداية استقلاله مبدأ التعددية ونظمها في ظهير 15 نونبر 1958 الذي نص فيه على حرية تأسيس الجمعيات، ثم كرس دستور 10 مارس 1962 هذا المبدأ وأعطى للأحزاب دورا دستوريا وحصر وظيفتها في “الأحزاب السياسية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم” ورغم التعديلات الدستورية الكثيرة التي خضع لها النص الأصلي لسنة 1962 (تعديل 1970 و1972 و1992 و1996 بقيت الوظيفة الحزبية محصورة في نفس الدائرة تقريبا، فدستور 1996 نص في فصله الثالث على “الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم”.

إذن الوظيفة الحزبية حصرها الدستور في: المساهمة في تنظيم المواطنين وتمثيلهم.

والأكثر من هذا أنها وظيفة مشتركة مع هيئات أخرى: الجماعات المحلية والغرف المهنية والمنظمات النقابية.

كل هذا يدفعنا للتساؤل عن الفرق بين الحزب السياسي وباقي الهيئات؟ وعمن يحكم البلاد؟ ومن يخطط لها؟ ومن يدبر شؤونها؟ ومن يمارس السلطة؟.

والأمر يزداد تعقيدا حين ننتقل من الدستور إلى القانون المنظم لعمل الأحزاب  أي قانون 15 نونبر 1958 الخاص بتأسيس الجمعيات كما وقع تعديله- والذي نص الفصل 15 منه على “تخضع لمقتضيات ظهيرنا الشريف هذا الجمعيات التي تتألف منها أحزاب سياسية أو التي تتابع بأي وجه كان نشاطا سياسيا. ويعتبر نشاطا سياسيا بالمعنى المعمول به في منطوق ظهيرنا الشريف هذا كل نشاط من شأنه أن يرجع مباشرة أو غير مباشرة مبادئ الجمعية في تسيير وتدبير الشؤون العمومية، وأن يسعى ممثلوها في تطبيقها”.

لاحظ أن لا ذكر للسلطة وممارستها، ولا ذكر لبرنامج سياسي وتطبيقه…!!

كل هذا فتح الباب على مصراعيه لخلط في الساحة السياسية حيث صار من الصعب التمييز بين الحزب والجمعية، والحزب والنقابة، وأحيانا بين الحزب والمقاولة!!

قد يعترض أحدهم بدعوى أن هذه الوظيفة السياسية متضمنة داخل تلك الاختصاصات وخاصة في عبارة تمثيل المواطنين، ولكن سرعان ما يتبين خطأ هذا التحليل لأن نصوصا دستورية أخرى تؤكد خلاف ذلك. وهذا ما يتضح من خلال الآتي:

1- من يمثل الأمة: الفصل 19 من الدستور يؤكد على أن الملك هو الممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها، وهنا تبرز الإشكالية الكبرى: من يمثل الأمة؟ ومن الذي ينبغي أن يكون ممثلا للأمة؟ والأولوية لمن؟

الفصل 27 من الدستور يعطي للملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، والفصل 28 يؤكد على أن خطاب الملك أمام البرلمان لا يكون مضمونه موضوع نقاش، والفصل 60 يؤكد على أن الحكومة مسؤولة أمام الملك. وهذا ما يؤكد أن تمثيل الأحزاب للمواطنين مجرد وهم وليس له سند قانوني يدعمه، بل هو توريط لها بأنها تتحمل مسؤولية المحاسبة الشعبية في سياسات لا تصنعها ولا تنفذها بإرادتها.

2- غياب الحكومة السياسية: تشارك الأحزاب السياسية في الانتخابات وتحوز ثقة الشعب من خلال انتخابات نزيهة تعبر فيها الجماهير عن إرادتها الواعية حيث تختار حزبا عن آخر بناء على برنامجه ووعوده. والأصل في الأمر أن تشكل الحكومة على هذا الأساس، وأن تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى حتى تكون حائزة على ثقة البرلمان تلقائيا وحتى يحصل الانسجام.

لكن الفصل 24 من الدستور يصدم القارئ له حيث ينص على “يعين الملك الوزير الأول، ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، وله أن يعفيهم من مهامهم”.

هكذا يتضح أن الملك غير ملزم بنص الدستور أن يعين وزيرا أول من الأحزاب الفائزة، أو أن بعين حكومة من الأحزاب  أي حكومة سياسية-، والوقائع تثبت أن الأصل هو أن الوزير الأول يعين من خارج الأحزاب، وانتخابات 27 شتنبر 2002 خير مثال. (تعيين جطو وزيرا أول: حل غير مقبول لوضع غير مقبول).

كل هذا يجعل الوظيفة السياسية والتمثيلية للأحزاب مجرد وهم ويحصر وظيفتها في الجانب التقني فقط، وهي مهمة قد تنجز بشكل أفضل إن أسندت إلى تقنوقراط حتى لو غابت الأحزاب، ولكنها تغيب الأساس الذي يقوم عليه العمل السياسي وهو المسؤولية السياسية. فمن يتحملها؟.

الملك بنص الدستور غير مسؤول سياسيا، والمسؤولية عمليا تتحملها الأحزاب المشاركة في الحكومة رغم أنها لا تملك من الأمر شيئا.

3- وظيفة الحكومة بين صنع السياسة العامة وإقرارها: بعد انتهاء المسلسل الانتخابي، وبعد تشكيل الحكومة تقر هذه الأخيرة السياسة العامة  وعلى أساسها تنجز برنامجها- ولكن الدستور لا يسمح للحكومة بذلك لأنه يحصر وظيفتها في التنفيذ، وهذا ما ينص عليه الفصل 61 “تعمل الحكومة على تنفيذ القوانين ..” وحتى القضايا الأساسية يتداول فيها بالمجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، وهذا ما يؤكده الفصل 60 “تحال على المجلس الوزاري المسائل الآتية قبل البت فيها”: القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة … مشروع المخطط …”.

كل هذا يجعل الوظيفة الحزبية مقتصرة على أمر عام تشترك فيه مع مختلف هيئات المجتمع: تأطير المواطنين وتنظيمهم.

لذلك كان ينتظر أن يقدم مشروع قانون الأحزاب حلا عمليا لهذه المعضلة، ولكنه للأسف خيب الأمل الذي عقده عليه من ظن في يوم من الأيام أن هذا مدخلا للإصلاح والتغيير. فقد نصت المادة الثالثة من المشروع الذي صادقت عليه الحكومة على “تساهم الأحزاب السياسية في تنظيم المواطنين وتمثيلهم، وبهذه الصفة فهي تساهم في نشر الثقافة السياسية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة وتكوين نخب قادرة على تحمل المسؤوليات العمومية وتنشيط الحقل السياسي”. ويلاحظ تراجعها عما نص عليه الفصل 15 من قانون الجمعيات الذي ركز على النشاط السياسي وتدبير وتسيير الشؤون العمومية وأن يسعى ممثلوها  أي الأحزاب- في تطبيقها.

وقد يمكن الاحتجاج بأن المادة 1 من المشروع الذي صادقت عليه الحكومة قد نص في مادته الأولى على “المشاركة في تدبير الشؤون العمومية” ولكن من خلال ما سبق يبقى الاستفهام والتخوف مطروحا: مع من تشارك؟ ما هي حدود مسؤولية كل شريك؟ لمن تعطى الأولوية للأحزاب المنتخبة أم للشركاء الآخرين المعينين؟.

الخلاصة أن مشروع قانون الأحزاب السياسية كما صودق عليه لم يحسم في الوظيفة الحزبية كما ينبغي أن تكون، بل أسند إليها وظيفة تشترك فيها مع كل هيئات المجتمع، وورطها في تحمل مسؤولية سياسية حول تدبير شأن عام وفق سياسة لم تخترها ولم تختر كيف يتم تنفيذها.