بادرت وزارة الداخلية سنة 2001 في عهد حكومة السيد عبد الرحمان اليوسفي إلى طرح مسودة لمشروع قانون الأحزاب السياسية بعد أن كانت هذه الأحزاب خاضعة لقانون الجمعيات الصادر في 15 نونبر 58 والمعدل في 10 أبريل 1973 ثم في 2002 وكانت تصنف ضمن الجمعيات ذات الصبغة السياسية. وقد تم طرح هذا المشروع شهورا فقط قبيل الانتخابات التشريعية لـ27/09/2002، لكنه ووجه برفض شديد من قبل جميع الأحزاب السياسية والهيئات الحقوقية ولذلك تم تجميده وفتح المجال لتناسل الأحزاب، فيما تم رفض تصريحات أحزاب أخرى.

وفيما يلي عرض لأهم محاور وبنود هذه المسودة.

تتكون مسودة مشروع قانون الأحزاب السياسية المعدة من قبل وزارة الداخلية من ستة (6) أبواب وسبعة وأربعين (47) مادة.

خصص المشروع الباب الأول لأحكام عامة وضمنها (8) مواد، والباب الثاني خصصه لأحكام تتعلق بالتأسيس وبالأنظمة الأساسية وضمنه 13 مادة، والباب الثالث خصصه للأحكام المتعلقة بالتنظيم والتسيير وضمنها 3 مواد، والباب الرابع خصصه لأحكام تتعلق بالتمويل وضمنها 12 مادة، والباب الخامس خصصه للأحكام المتعلقة بالتوقيف والحل وضمنها 9 مواد، والباب السادس والأخير خصصه لأحكام انتقالية وضمنها مادتين.

ومن خلال إطلالة على هذه المسودة يتضح أنها حاولت أن تشمل الحياة الحزبية طيلة كل مراحلها (التأسيس والنشاط والتوقيف والحل)، وأن تؤطر علاقاتها سواء مع السلطة أو القضاء أو مع أعضائها أو باقي الهيئات الوطنية أو الأجنبية.

وهكذا حاولت المسودة تعريف الحزب السياسي بأنه “مجموعة منظمة تحدث بكيفية دائمة طبقا لأحكام القانون وترتكز على مبادئ وأهداف مشتركة وتعمل بوسائل سياسية وديمقراطية وسلمية بهدف تحقيق برامج سياسية ولغاية غير توزيع الأرباح”، أما عن وظيفتها فقد حصرتها المسودة في المساهمة في “تعميق الثقافة السياسية وإنعاش المشاركة الفعالة للمواطنين في الحياة العامة، وتكوين نخب قادرة على تحمل المسؤوليات العمومية، والمساهمة في إجراء انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية، وربط اتصال دائم بين المواطنين والمؤسسات الدستورية وتنشيط الحقل السياسي”، ولم يفت المسودة أن تؤكد على الثوابت التي يجب على الحزب احترامها حيث توسعت في ذلك وتشددت وجعلتها هي احترام “الدين الإسلامي للدولة، والنظام الملكي والوحدة الترابية، والوحدة الوطنية واللغة الرسمية للدولة واحترام النظام العام ونبذ العنف والميز العنصري والإقصاء بجميع أشكاله” وزادت المسودة التشدد لتؤكد على منع تأسيس أي حزب على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، ولم تكتف المسودة بذلك بل جعلت الحزب عرضة للحل بحكم القانون إن لم يقدم مرشحين عنه خلال استشارتين انتخابيتين محليتين أو تشريعيتين (م43) مما يؤكد خلفية السلطة في جعل الأحزاب انتخابية بالدرجة الأولى.

وهكذا ورغم التنصيص على مبدأ حرية تأسيس الأحزاب السياسية وعلى اعتماد نظام التصريح فإن القيود والتشديدات أفرغت مبدأ الحرية ونظام التصريح من محتواهما الجوهري ليصبح الواقع العملي هو اعتماد نظام الترخيص والخضوع لمجموعة من الشروط الفضفاضة والقابلة للتأويل في كل الاتجاهات، والانضباط لمجموعة من القيود، فمثلا المادة التاسعة تشترط أن يتضمن التصريح توقيع 1000 عضو مؤسس على الأقل يكون ربعهم على الأقل قد مارس في السابق انتدابا انتخابيا أو يمارسه حاليا، وهذا يفيد شيئين اثنين، إما حصر حرية التأسيس في الأحزاب التي تتوفر على هذا العدد من المنتدبين وهي قليلة حيث هناك أحزاب موجودة اليوم وتمارس بشكل قانوني منذ سنين ولكنها لحد الآن لا تتوفر على هذا العدد من المنتدبين، وإما تشجيع ظاهرة شراء منتدبين من أحزاب أخرى وهي الآفة التي ظلت تعاني منها الحياة الحزبية ويشتكي من أضرارها كل الفاعلين السياسيين والتي من المفروض أن يقضي عليها ويعالجها هذا المشروع الجديد.

كما أن المادة 14 زادت الأمر تشديدا حيث اشترطت 3000 مؤتمرا يمثلون جهات المملكة لاعتبار اجتماع المؤتمر التأسيسي صحيحا.

وتبقى السمة الغالبة على المسودة توسيع صلاحيات وزارة الداخلية وتقليص دور القضاء وهو ما يتعارض مع أبسط معاني مبدأ فصل السلط إذ كيف يعقل أن تمنح وزارة الداخلية هذه الصلاحيات (تلقي التصريح  المتابعة  الحل  التوقيف …) وهي طرف في الموضوع، والمفروض أنها وزارة تنتمي إلى حكومة ذات طبيعة سياسية يتولى قيادتها أحزاب سياسية؟!.

كما تتميز المسودة بالإطناب وعدم كثافة الصياغة القانونية لموادها والتكرار وعدم التدقيق في كثير من العبارات والمفاهيم.

للمزيد طالع نص مسودة مشروع قانون الأحزاب السياسية المعدة من قبل وزارة الداخلية.