بمجرد توصل العديد من الأحزاب السياسية بمسودة وزارة الداخلية بادرت إلى إدخال التعديلات والإضافات على بنودها، مما جعل وزارة الداخلية تعدل مسودتها لتأخذ بعين الاعتبار هذه الملاحظات، وهكذا قدمت نسختها إلى المجلس الحكومي الذي انعقد يوم الخميس 17 مارس 2005 الذي صادق عليه. فما جديده؟

بين السيد نبيل بنعبد الله الناطق باسم الحكومة بعد المجلس الحكومي أن المشروع الجديد أخذ بعين الاعتبار عددا مهما من ملاحظات واقتراحات الأحزاب السياسية والهادفة إلى عقلنة وتأهيل المشهد السياسي والوطني، كما أكد أن الحكومة حرصت على ترجمة مقترحات الأحزاب ذات الصلة بتبسيط إجراءات التأسيس انسجاما مع مبدأ الحرية في تأسيس الأحزاب وممارسة العمل السياسي، وإقرار مقتضيات كفيلة بالحد من ظاهرة الترحال السياسي وتعزيز دور القضاء بتمكينه من التصدي لخرق مقتضيات القانون. فما حقيقة ذلك؟

تم تقسيم المشروع الجديد إلى سبعة أبواب عوض ستة في المشاريع السابقة، حيث أضيف باب جديد خصص لاتحادات الأحزاب تضمن تسعة مواد بعد أن خصصته المسودة السابقة بمادة واحدة (م20)، كما بلغت عدد مواده 61 مادة عوض 53 في المسودة السابقة.

وهكذا خصص الباب الأول لأحكام عامة وتضمن ستة مواد، وخصص الباب الثاني لتأسيس الأحزاب السياسية وتضمن 13 مادة، وخصص الباب الثالث للأنظمة الأساسية للأحزاب السياسية وتسييرها وتنظيمها وتضمن 8 مواد، وخصص الباب الرابع لتمويل الأحزاب السياسية وتضمن 13 مادة، والباب الخامس (وهو الجديد) خصص لاتحادات الأحزاب السياسية وتضمن 9 مواد، والباب السادس خصص للجزاءات وتضمن 10 مواد، والباب الأخير خصص لأحكام انتقالية وتضمن مادتين.

تم تعريف الحزب السياسي بأنه تنظيم دائم يتمتع بالشخصية المعنوية ويؤسس بمقتضى اتفاق بين أشخاص طبيعيين يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية يتقاسمون نفس المبادئ قصد المشاركة في تدبير الشؤون العمومية بطرق ديمقراطية ولغاية غير توزيع الأرباح” وهكذا يتضح إصرار واضعي الحزب على جعل الوظيفة الحزبية محصورة في المشاركة في تدبير الشأن العام، وعدم التدقيق في الشريك أو الشركاء الآخرين، وعدم التنصيص على غاية الوصول إلى السلطة وتطبيق البرنامج الذي على أساسه خاض الحزب حملته الانتخابية وصوت عليه الشعب.

كما أبقى الحزب على لائحة المقدسات التي حددتها في “المس بالدين الإسلامي أو بالنظام الملكي أو بالوحدة الترابية … أو تأسيس الحزب على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي أو يقوم بكيفية عامة على أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان”.

وأبقى المشروع على التشديد في التأسيس والإكثار من القيود وإن كان خفف من بعضها مقارنة بما سبق وخاصة فيما يرتبط بعدد المؤسسين حيث قلص عددهم إلى 300 عوض 1000، وكذلك عدد المؤتمرين إلى 500 عوض 1500 في المسودة الثانية و3000 في المسودة الأولى.

وبقي المشروع على إصراره في حصر الوجود والفعل على الأحزاب الانتخابية حيث أبقى على شرط أن يكون المؤسسون مسجلين في اللوائح الانتخابية العامة (م8)، وحصر مبلغ الدعم في الأحزاب المشاركة في الانتخابات باعتماده معيارين وضحتهما المادة 38 وهما: المقاعد التي يتوفر عليها كل حزب في البرلمان وعدد الأصوات التي نالها كل حزب سياسي في الانتخابات التشريعية. وكأن هذه الانتخابات تعكس حقيقة وجود كل حزب، وكأنها تمر نزيهة، وكأن المجال الوحيد لفعل الأحزاب هو البرلمان.

كما بقي المشروع الجديد مصرا على جعل الداخلية هي الوصية، حيث أبقى عملية إيداع التصريح لديها وهذا ما أكدته المادة 8 “يودع الأعضاء المؤسسون لحزب سياسي ملفا لدى وزارة الداخلية مقابل وصل..” ولكن المشروع لم يجبر الموظف المستلم للتصريح أن يقدم وصلا عن الإيداع ولم يرتب عليه جزاء، خاصة أن الجاري به العمل هو الرفض حيث يصعب على المودع أن يثبت إيداعه للتصريح لأنه لا يتوفر على أية وثيقة تفيد ذلك. وفي نفس الاتجاه دائما لم يشر المشروع أية إشارة إلى رجال السلطة الذين يتدخلون في حياة الأحزاب الداخلية، وهو أمر مستفحل وتتناقل صداه وسائل الإعلام يوميا بعشرات الوقائع والأحداث، وكان الأمر حريا بالتسجيل في هذا المشروع وتجريم من يتدخل في الشأن الداخلي للأحزاب.

واستجاب المشروع الجديد لمقترحات محاربة ظاهرة ترحال البرلمانيين من فريق لآخر حيث نص في المادة 5 “لا يمكن لشخص يتوفر على انتداب انتخابي ساري المفعول في إحدى غرفتي البرلمان تم انتخابه فيها بتزكية من حزب سياسي قائم أن ينخرط في حزب سياسي آخر إلا بعد انتهاء مدة انتدابه”.

كما فتح المشروع الجديد المجال أمام الأجانب والأشخاص المتجنسين بالجنسية المغربية للانتماء للأحزاب السياسية بدون قيد أو شرط عكس ما كانت تنص عليه الفقرة الأخيرة من المادة السادسة من المسودة السابقة.

وخلاصة الأمر أنه رغم التقدم الذي عرفته المسودة الجديدة على مستوى الصياغة القانونية والتعديلات التقنية والإجراءات التشاورية الشكلية فإن جوهر الإشكال السياسي ظل قائما حيث السلطة الواسعة للداخلية وضعف تدخل القضاء وإفراغ مبدأ الحرية ونظام التصريح من مضمونهما وسيطرة الهاجس التحكمي والأمني في الحياة الحزبية، وحصر الوظيفة الحزبية في الواجهة الانتخابية.

للمزيد طالع مسودة مشروع قانون الأحزاب السياسية كما صادق عليها المجلس الحكومي.