راجت في الآونة الأخيرة أخبار عن رغبة المغرب في تدشين قنوات تطبيع رسمية مع “إسرائيل”، من خلال فتح مكتب المغرب بتل أبيب وفتح مكتب إسرائيل بالرباط، كما راجت أخبار عن توجيه المغرب دعوة لاستقبال أحد مجرمي الحرب الإسرائيليين. وبغض النظر عن صحة هذه الأنباء التي ظلت عرضة النفي والإثبات من هذا الطرف أو ذاك، لا بد من التأكيد على أمرين اثنين:

أولهما أن تاريخ الحاكمين بالمغرب يثبت أنهم لم يتورعوا في يوم من الأيام عن وضع أيديهم في أيدي الصهاينة الملطخة بدماء الفلسطينيين العزل، في السر أو في العلن، وبالتالي لا غرابة مما ينشر اليوم من لقاءات ودعوات يموه عنها بعض المسؤولين حينما تفضح وتواجه بالاستنكار، بأنها لقاءات صدفة أو افتراءات. فلقاء وزير الخارجية المغربي بشالوم في جنيف اعتبر لقاء صدفة وباقي اللقاءات من هذا القبيل نسبت بدورها للصدفة، حتى أصبحنا نشك في هوية هذه الصدفة وفي عمالتها.

وثانيهما أن الشعب المغربي، انطلاقا من هويته وشهامته لا يمكن أن يقبل بالتطبيع مع كيان غاصب لأرض المسلمين ومدنس لمقدساتهم وسافك لدماء الأبرياء منهم بأرض فلسطين. وقد عبر الشعب المغربي عن ذلك من خلال المسيرات المليونية التي شهدها الشارع، والتي نددت بجرائم الكيان الصهيوني وأعلنت التضامن غير المشروط مع المقاومة الفلسطينية، ورفضت كل أشكال التطبيع مع المجرمين الصهاينة.

إن الذين يريدون أن يفرضوا إرادتهم ضد إرادة الشعب إنما يعزلون أنفسهم بأيديهم، فاعتبروا يا أولي الألباب.

إن المغرب في غنى عن طعنات أخرى في الظهر تزيد من جروحه، وتثخن جسمه الرخو، الذي انتشر فيه الوباء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كثيرة هي الطعنات التي ابتلي بها هذا الشعب من جراء قرارات انفرادية في قضايا مصيرية لا زال الشعب يؤدي ثمنها إلى اليوم.

والملفت للنظر أن تعلو أصوات نشاز تدعو دون حياء أن يضع المغاربة أيديهم في أيدي الإرهابيين الصهاينة الذين يقتلون الأطفال والنساء والعزل، و في نفس الوقت يقيمون حربا لا هوادة فيها بروح استئصالية ضد من يحملونهم مجرد المسؤولية المعنوية عن بعض الأعمال الدموية الشاذة والغامضة. أما القتلة الغاصبون الذين يزهقون الأرواح ويهدمون البيوت كل يوم فواجب التسامح والمصلحة الوطنية يقتضيان أن نحتضنهم بالأحضان في أوطاننا وأن نفتح لهم البلاد ليعتوا فيها فسادا.

إن دعاة التطبيع أصبحوا لا يألون جهدا في الدفاع عن خيارهم، مستمسكين بأية قشة لتقوية موقفهم.فمنهم من يتحدث عن المصلحة الوطنية وأن الطريق إلى الصحراء يتم عبر تل أبيب، وأن الرهان ينبغي أن ينصب على إرضاء إسرائيل لإرضاء أمريكا، لتدعم موقف المغرب في قضية الصحراء، ويغيب عن هؤلاء أن حل قضية الصحراء لا يتم بالتفريط في المبادئ بالتسابق لاستمالة هذا الطرف أو ذاك، وإنما يتم بحل جدري لأسباب القضية التي ظلت إدارتها حكرا على المخزن، شأنها شأن باقي القضايا الكبرى المصيرية التي لا دور للشعب فيها إلا المشاركة في البهرجة التي يحددها الأسياد. كما أن بعض دول المنطقة تعمل بنفس المنطق فتتسابق لإرضاء الطفل الإسرائيلي المدلل طمعا في دعم أمريكي.

وهناك من يدعو إلى التطبيع الرسمي مع الكيان الإسرائيلي بدعوى الشفافية والوضوح، فمادامت هناك علاقات وثيقة مع الكيان الإسرائيلي في السر فلماذا لا تصبح في العلن لنصبح منطقيين مع ذواتنا. وهذا كلام قد يبدو جميلا في ظاهره لكنه يستبطن سما دفينا. إن عمليات الاختراق الإسرائيلي التي يشهدها المغرب والتي طالت ميادين حساسة كالزراعة، والتي تتم على مرآى ومسمع من الحاكمين، تلقى صعوبات وعراقيل بفضل عزوف معظم المغاربة عن التعامل مع المجرمين الإسرائيليين، مما يضطر هذا الأخير إلى التمويه عن شركاته بالتعامل عبر شركات أخرى أجنبية، وكذلك إزالة اللغة العبرية ومكان الإنتاج من البضائع الإسرائيلية. هذه الوضعية تبرز أن هناك مقاومة شعبية عفوية في حاجة إلى أن تتقوى لتقف سدا منيعا في وجه التطبيع. إن هؤلاء المطبعين يهدفون، بترسيم قنوات التطبيع عبر فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي، إلى فتح الأبواب على مصراعيها للاختراق الصهيوني لمختلف المجالات السياسية والاقتصادية، والقضاء على كل مظاهر مقاومة التطبيع ببلدنا، حتى يتسنى للعدو الخروج من العزلة وتحقيق انتعاش سياسي واقتصادي . وبالمقابل الحصار والتقتيل للشعب الفلسطيني.

أما الصنف الآخر من المطبعين فهم أكثر غرابة في دفوعاتهم، حيث يرفضون أي ارتباط أو تضامن مع الشعب الفلسطيني باعتبار أن القضية الفلسطينية لا تعني المغاربة وأن مصلحة البلاد فوق أي اعتبار. وينسى هؤلاء الطارئون أو يتناسوا أن الشعب المغربي بكل مكوناته شعب مسلم وفي مقدمتهم الأمازيغ. وأن هناك عرى وثقى تجمع المسلمين المغاربة بالشعب الفلسطيني المسلم. فبأرض فلسطين توجد مقدساتهم، أولى القبلتين وثالث الحرمين، يدنسها الصهاينة المجرمون، لا يملك من لهم قبلة وحرم إلا أن تتعلق قلوبهم وأفئدتهم بتلك المقدسات، أما من لا قبلة له ولا حرم ولا مقدسا فالأمر بالطبع لا يعنيه. بفلسطين أرض تغتصب ومسلمون يقتلون ويشردون، والأخوة الإسلامية تقتضي التضامن والمؤازرة، أما من أعفى نفسه من هذه الرابطة فلا كلام معه! لكن لا ينصب نفسه متحدثا باسم من بذلوا دماءهم وأنفسهم دفاعا عن الإسلام والمسلمين، فآمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، واهتدوا بهديه حين قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى)) رواه الإمام مسلم في صحيحه. إن الحر الأبي لا يرضى بالظلم والجور ويهب مسرعا لنصرة المظلوم لا الهرولة لمعانقة الظالمين.

إن حقيقة الأنباء حول فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي واستقبال المجرمين الصهاينة الأيام كفيلة بكشفها، فهذه محطة أخرى لاختبار الإرادة السياسية بالمغرب، فهل سيصغي الحاكمون لصوت الشعب وواجب النصرة أم يستبدون بقرارهم ضد إرادة الشعب ومؤسساته الوهمية، وبالتالي يدقون مسمارا آخرا في نعوشهم؟. وهل المكونات السياسية ستقف وقفة رجل واحد لتمثيل إرادة الشعب أم تؤثر المواقف “المتزنة”؟.، وهل الهيآت المناصرة للشعب الفلسطيني والرافضة للتطبيع ستتغلب على خلافاتها وحساباتها السياسوية لتقف صفا واحدا يتسم بالمسؤولية والوضوح للنصرة ومقاومة التطبيع؟.