ظلت الأحزاب السياسية بالمغرب وإلى الآن خاضعة من حيث التشريع إلى قانون الجمعيات الصادر في 15 نونبر 1958 وخاصة في بابه المتعلق بالجمعيات ذات الصبغة السياسية.

ورغم قصور هذا القانون وعموميته حيث يصعب من خلاله التمييز بين الجمعية والحزب، إذ هناك أحزاب هي أقرب إلى جمعيات المجتمع المدني، وهناك جمعيات لا فرق بينها وبين الحزب من حيث الوظيفة والأهداف والخطاب، طالما أن كل الأحزاب لم تصرح عمليا بأن هدفها الوصول إلى السلطة وتطبيق برنامجها.

كما عرفت الحياة الحزبية بالمغرب على مر التاريخ مجموعة تعثرات وإخفاقات وصراعات أنتجت انشقاقات ونزاعات، وتعرضت كذلك لتدخلات سافرة من قبل مختلف أجهزة الدولة بطرق مهينة وغير سليمة ولكنها لم تبادر إلى الدفع في اتجاه إحداث قانون يحميها ويطور أداءها. وقد استغلت السلطة هذا الفراغ التشريعي لتملأه بتعليمات أو مذكرات أو منشورات صيغت بكيفية انفرادية وخاصة فيما يرتبط بتمويل الأحزاب (الرسالة الملكية لسنة 1986) كما استغلته بتوجيهات وضغوطات شفوية.

والغريب في الأمر أن مجال العمل الحزبي لم يعرف ولو مقترحا قانونيا تقدم به أي فريق في البرلمان مما يعكس أن اهتمامات الأحزاب لم تنصب على إصدار نص قانوني ينظم عملها ويطور أداءها، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن بعضها يعتبر هذا القانون سيشكل تضييقا عليه وعدا لأنفاسه، وخاصة تلك الأحزاب التي تتمحور حول أشخاص ولا نصيب لعمل المؤسسات فيها، فالإعانات المالية تصرف باسم شخص، والممتلكات الحزبية تودع في حساب شخص، والجريدة في ملكية شخص وهكذا … وقد بينت العديد من التجارب أن هناك من يستفيد من هذا الوضع، وهناك من يتضرر منه.

لكن المفاجئ أن يكون الإلحاح على تنظيم العمل الحزبي من قبل السلطة، حيث كان المبادر لإصدار مسودة مشروع القانون هو وزارة الداخلية بحماس شديد وبسرعة مذهلة والعجيب أن يواجه هذا المشروع من قبل كل الأحزاب تقريبا، ثم جاءت المبادرة الثانية كذلك من الداخلية وبقيت العديد من الأحزاب متحفظة على بعض بنوده لأنها لم يعد باستطاعتها التحفظ عليه كلية وبشكل مبدئي في ظل الإلحاح الملكي على ضرورة التسريع بإخراج هذا القانون إلى حيز الوجود.

وقد اتضح هذا الإلحاح الملكي من خلال مجموعة من الخطابات الحاسمة التي كان يشدد فيها الملك دائما على ضرورة إعادة الاعتبار للعمل السياسي وتجديد الإطار القانوني المنظم للأحزاب السياسية بهدف تفعيل دور هذه الأحزاب قصد إعطاء دفعة قوية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والمثير للانتباه أن تكون مجموعة من هذه الخطابات بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية حيث يكون الخطاب الملكي حسب الفصل 28 من الدستور غير خاضع للنقاش “للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش” والأغرب أن هذه الخطابات الافتتاحية للدورة البرلمانية غالبا ما تتطرق للقضايا الحساسة، وغالبا ما تعكس الرؤية الملكية لما يجري وللمستقبل حسب سلم الأولويات، وهذا يبين أن إصدار قانون منظم لعمل الأحزاب صار من الأولويات التي لا جدال فيها. وهكذا فإن تخصيص الأحزاب بقانون مستقل ينظم عملها هو نتيجة إلحاح ملكي أكثر منه رغبة ذاتية للأحزاب. وهذا ما سيتأكد من خلال رصد مقتطفات من بعض الخطابات الملكية في هذا الشأن.

في خطابه ليوم 8 أكتوبر 2004 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة قال الملك: “لذلك ارتأينا أن نركز خطابنا على تقوية دور الأحزاب بإيجاد إطار تشريعي جديد وفعال يستمد فيه الحزب شرعيته القانونية ومشروعيته الديمقراطية” كما بين أن الهدف هو “يأتي بإجابات جماعية متميزة عن قضايا مجتمعية عريضة وليس تلبية لمطامح شخصية أو فئوية ضيقة … إن من شأن هذا القانون (…) أن يساعد على تحفيز الأحزاب المتجانسة على الاتحاد في أقطاب قوية (…) وأن يساعد على عقلنة وتجديد وتحصين المشهد السياسي الوطني (…) كما أنه يعد تجسيدا لحرصنا على توطيد التحديث المؤسسي بما يكفل عدم إضرار التعددية الحزبية العشوائية بالقطبية السياسية الفعالة”. ولم يفت الملك أن يؤكد على ضرورة أن يخرج هذا القانون بعد تشاور و”توافق إيجابي يسمو به إلى أعلى الدرجات”.

لقد كان هذا الخطاب حاسما لأنه جاء بعد خطابات عديدة ذكر خلالها الملك بضرورة إصدار هذا القانون أو وجه فيها النقد للأحزاب السياسية التي لا تقوم بوظيفتها أو لا تساير متطلبات التنمية في البلاد أولا يخضع تسييرها للمبادئ الديمقراطية أو يحكم أداءها منطق سياسوي أو فئوي ضيق أو ما شابه هذا وذاك من الانتقادات.

فمنذ 13 أكتوبر 2000 أكد الملك بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة على العلاقة بين متطلبات التنمية والديمقراطية والتحديث من جهة، وضرورة تقوية الأحزاب السياسية من جهة أخرى حيث قال “وإن إنجاز التنمية والديمقراطية والتحديث يتطلب تحسين وتقوية هياكل الوساطة والتأطير المتمثلة في الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والجمعيات ووسائل الإعلام وتوسيع المشاركة على كل المستويات المحلية والجهوية والوطنية، وإن المنظمات والهيئات المبنية على الديمقراطية الداخلية واحترام حق الاختلاف والكفاءة والحداثة والعقلانية والفعالية والتي يتم تدبيرها كمقاولات سياسية قادرة على إنتاج نخب كفأة ومتشبعة بقيم الفعالية الاقتصادية والتآزر الاجتماعي وتخليق الحياة العامة وإشاعة التربية السياسية الصالحة وابتكار الحلول وطرح المشاريع المجتمعية من شأنها إعطاء انطلاقة جديدة للديمقراطية المغربية تحرر الطاقات وتزرع الأمل وتفتح الآفاق”.

ودائما بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية ليوم 12 أكتوبر 2001 عبر الملك عن رغبته في أن يكون مشروع القانون المتعلق بالأحزاب السياسية حافزا للنخب الوطنية على ممارسة العمل السياسي حيث قال “وإن الروح الوطنية تملي علينا العمل من أجل أن يكون هنالك فائز واحد وهو الديمقراطية المغربية التي تجد كل المشارب السياسية الوطنية موقعها الحقيقي فيها ضمن مشهد سياسي سليم. وتعزيزا لدور الأحزاب في هذا المجال، فإننا ندعوكم لإيلاء اهتمام خاص لمشروع القانون الجديد المنظم لها، آملين أن يمكن كل النخب الوطنية من ممارسة العمل السياسي بمعناه النبيل من خلال وسيلته المثلى المتجسدة في الأحزاب السياسية.

وفي خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2003 أكد الملك مرة أخرى على أن دور الأحزاب في ترسيخ الديمقراطية لن يكتمل إلا بوجود أحزاب سياسية قوية قادرة على تأطير المواطنين حيث قال: “إن ترسيخ الديمقراطية لن يكتمل إلا بوجود أحزاب سياسية قوية (…) إن انشغالنا الصادق بإعادة الاعتبار للعمل السياسي بمعناه النبيل يجعلنا نجدد التأكيد على وجوب التعجيل بإقرار قانون خاص بالأحزاب تجسيدا لحرصنا الأكيد على تمكينها من الوسائل الناجحة لتفعيل دورها على الوجه الأكمل”.

وفي خطاب العرش ليوم 30 يوليوز 2004 دعا الملك من جديد مجموع الأطراف المعنية للانكباب في إطار من التشاور على إعداد قانون للأحزاب السياسية حيث قال: “وإدراكا منا بأن أي إصلاح رهين بتأهيل الفاعلين والهيئات، فإنه ينبغي الانكباب في إطار من التشاور على إعداد قانون للأحزاب السياسية لتأهيلها للقيام بدورها الدستوري في تمثيل وتأطير المواطنين وتأهيل نخب للمشاركة الديمقراطية وخدمة الصالح العام …”.

هكذا يتضح مما سبق أن إصدار قانون للأحزاب هو إلحاح ملكي أكثر منه رغبة حزبية، بل يلاحظ تزامن إصدار أول مسودة مع أول خطاب ملكي في الباب.