بعد خمس سنوات من الجدل، وبعد العديد من مسودات المشاريع، تمكنت الحكومة المغربية في اجتماعها ليوم 17 مارس 2005 من المصادقة على المسودة الخاصة بمشروع قانون الأحزاب والتي أعدتها وزارة الداخلية يوم 25 أكتوبر 2004 وسلمتها لأمناء الأحزاب السياسية التي قررت الوزارة أن تشملها المشاورات وأن تسمح لها بإبداء الرأي. فما جديد هذا المشروع؟.

لأنه قانون مهم ويغطي مجالا حساسا في العمل السياسي، ومطروح عليه أن يجيب عن مجموعة من التساؤلات ويحل العديد من المشاكل، فإن انتظارات العديد من الفاعلين السياسيين كانت كبيرة تجاهه، وحول الحلول التي سيقدمها لإصلاح المشهد الحزبي الذي يعاني من مجموعة من الاهتزازات تعوق أداءها لوظيفتها الحقيقية. فهل كانت الحلول في مستوى الطموح؟ وهل كانت الاقتراحات في مستوى الانتظارات.

للوقوف على جديد هذا المشروع ارتأينا تخصيص ملف حاولنا أن يتضمن مادة توثيقية وإخبارية وتأريخية وتحليلية، ويتطرق للقضايا الأساسية في هذا المشروع.

وهكذا حرصنا على أن يتضمن الملف كل المسودات التي هيئت وعرضت للتداول، مثل مسودة وزارة الداخلية لسنة 2001، وكذا مسودة وزارة الداخلية لسنة 2004، ثم المسودة الأخيرة التي صادق عليها المجلس الحكومي سنة 2005، هذا دون أن ننسى عرض الجزء الذي يعتبر بمثابة القانون المنظم لعمل الأحزاب حاليا، وهو الجزء الرابع من قانون الجمعيات، والخاص بالجمعيات ذات الصبغة السياسية.

وحتى نسهل على القارئ الكريم حاولنا عرض ملخص موجز لمضامين كل مشروع على حدة.

أما فيما يتعلق بالجانب التاريخي فقد حرصنا على رصد المحطات التاريخية التي مر منها المشروع إلى حين المصادقة عليه من قبل الحكومة، كما قمنا بعرض المسطرة القانونية التي يجب أن يتبعها حتى يمكن إقراره كقانون يصبح ساري المفعول.

وفيما يرتبط بالجانب التحليلي حاولنا رصد القضايا الحساسة في هذا القانون وسعينا إلى إبداء رأي وبسط رؤية لمضمونها وخلفياتها.

وهكذا تحدثنا عن حالة من حالات البطلان في المشروع الذي يمنع قيام الأحزاب على أساس ديني وقمنا باستقراء للمبررات المعروضة وحاولنا جهد الإمكان الإجابة عنها مستخلصين أنها مبررات واهية وأن الخلفية المتحكمة في واضعي المشروع هي الحد من المد الإسلامي وإقصائه وحصاره.

كما حاولنا التطرق للتعددية التي يدعو إليها هذا المشروع ووضحنا أنها تعددية شكلية تضيف رقما إلى أرقام وتنظيما جديدا إلى تنظيمات، وليست تعددية سياسية تعكس كل الأفكار والرؤى والتصورات الموجودة في المجتمع.

ولأن هذا المشروع لا يلبث يؤكد أنه مع حرية تأسيس الأحزاب ويتباهى بكونه يعتمد نظام التصريح فقد خصصنا موضوعا لهذا الأمر وحاولنا أن نبين بأن مبدأ الحرية ونظام التصريح هما مجرد أملاح، والواقع يؤكد أن المعمول به هو مبدأ التقييد ونظام الترخيص.

ولأن القانون يعكس إرادة سياسية فقد حاولنا أن نبين من خلال موضوع مستقل حقيقة الإرادة التي دفعت في اتجاه التسريع بإصدار القانون.

وفي الأخير حاولنا الوقوف على وظيفة الأحزاب مبينين قصور هذا القانون الذي يحصر وظيفتها في التأطير والتمثيل، وهي الوظيفة التي تشترك فيها معها هيئات أخرى، عكس الوظيفة الحقيقية: الوصول للسلطة.

نتمنى أن يكون في الملف فائدة للقراء والباحثين، وأن يعكس رؤية موضوعية وحقيقية لقضية مجتمعية حساسة أخطأت السلطة مرة أخرى الطريق الصحيح لمعالجتها، حيث طغت عليها خلفيات تحكمية، وعقلية إقصائية، وهاجس أمني، مما يجعل من المشروع كله مجرد مسكن لن يطول مفعوله، وسيكتشف الناس من جديد أن دار لقمان ما زالت على حالها. وأن الإصلاح الحقيقي يلزمه إرادة حقيقية وحوار مجتمعي مفتوح في وجه كل القوى من غير خطوط حمراء، ويلزمه بالأساس مدخل حقيقي لا يشكل إصلاح القانون فيه إلا جزءا ضمن أجزاء أخرى أولها: أي مشروع مجتمعي؟ لأي مغرب؟ ولأي إنسان؟ ولأي مستقبل؟.