بعد إقبار المسودة الأولى لمشروع قانون الأحزاب السياسية التي كانت قد أعدتها وزارة الداخلية شهورا قبيل الانتخابات التشريعية لـ27 شتنبر 2002، وبعد طول سكوت عن هذا الملف، وبعد إلحاح ملكي تجلى في أكثر من خطاب تم إعداد مسودة أخرى من قبل وزارة الداخلية في 25 أكتوبر 2004 وسلمت لأمناء الأحزاب السياسية قصد التشاور وإبداء الرأي حيث حدد لهذه الأحزاب أجل شهر لتقديم ملاحظاتها ومقترحاتها.

تم التأكيد في المذكرة التقديمية للمسودة على أن الهدف من المشروع هو “وضع إطار قانوني رهن إشارة الأحزاب السياسية يتسم بالتجديد وقادر على تحفيز المواطنين، وخاصة الشباب منهم للانخراط في العمل الحزبي، وبالتالي التشجيع على بروز نخب جديدة”.

يتكون المشروع من ستة أبواب و53 فصلا عوض 47 مادة في المسودة السابقة لسنة 2001.

خصص الباب الأول لأحكام عامة تضمنت 6 مواد، وخصص الباب الثاني لتأسيس الأحزاب السياسية واحتوى على 14 مادة، بينما خصص الباب الثالث للأنظمة الأساسية للأحزاب السياسية وتنظيمها وتسييرها وتضمن 8 مواد، والباب الرابع خصص لتمويل الأحزاب السياسية وتضمن 13 مادة، وخصص الباب الخامس للجزاءات وتضمن 10 مواد، والباب السادس والأخير خصص لأحكام انتقالية وتضمن مادتين.

من خلال إطلالة على مواد هذه المسودة يتضح كذلك أنها شملت الحياة الحزبية في كل مراحلها (التأسيس والنشاط والتوقيف والحل) وفي كل مجالاتها (التنظيم والعلاقات والتمويل) كما حاولت أن تؤطر علاقات الحزب بمحيطه (سلطة وقضاء وأعضاء ومواطنين وباقي الهيئات).

وقد عرفت المسودة الحزب بأنه “اتفاق يؤسس بمقتضاه أشخاص طبيعيون يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية ويتقاسمون نفس المبادئ، تنظيما دائما يتمتع بالشخصية المعنوية لغاية غير توزيع الأرباح بهدف المشاركة بطرق ديمقراطية في تدبير الشأن العام”. ومن خلال هذا التعريف يتضح الفارق الجوهري بينه وبين التعريف الوارد في المسودة الأولى التي أكدت على هدف تحقيق برامج سياسية بينما أكدت هذه المسودة على هدف المشاركة في تدبير الشأن العام، وإن كانت المسودتان معا لم تشيرا إلى تدبير الشأن العام، وبقي الاستفهام قائما حول المشاركة مع من؟ وحجم مسؤولية الأحزاب؟ وحجم مسؤولية الآخر؟.

كما أكدت المسودة وظيفة الحزب وحصرتها في المساهمة في “تنظيم المواطنين وتمثيلهم ونشر الثقافة السياسية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة وتكوين نخب قادرة على تحمل المسؤوليات العمومية وتنشيط الحقل السياسي”.

وأبقت المسودة على اعتبار الأحزاب القائمة على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي غير قانونية (م4) وحصرت لائحة المقدسات في الدين الإسلامي والنظام الملكي والوحدة الترابية.

أما فيما يخص التأسيس فرغم التأكيد دائما على مبدأ الحرية والعمل بنظام التصريح فإن القيود والتشديدات تفرغ المبدأين من مضمونهما وتحولهما إلى نظام مقيد وخاضع للترخيص، وهذا ما يتضح من خلال الشروط اللازم توفرها في المؤسسين حيث اشترطت المادة السابعة أن يكونوا مسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بما يفيد تصورا لدى واضعي المشروع الذين يحصرون الوجود الحزبي في الأداء الانتخابي ويؤكدون أن صدرهم لا يتسع لأحزاب تخالفهم النظرة من الأساس، كما تشددت المادة 8 في التصريح حيث اشترطت حصول 1000 توقيع للأعضاء المؤسسين (نفس الأمر في المسودة السابقة / المادة 9) ولكنها تخلت على أن يكون ربعهم قد مارس في السابق انتدابا انتخابيا أو يمارسه حاليا.

وأبقى المشروع على الإيداع لدى وزارة الداخلية وهو ما يخالف أبسط مبادئ حقوق الإنسان وفصل السلط باعتبار الداخلية طرفا، وباعتبار الاختصاص في هذا الباب للقضاء بصفته مؤسسة مستقلة، حيث نصت المادة 8 على “يودع الأعضاء المؤسسون لحزب سياسي ملفا لدى وزارة الداخلية …”.

ولم تشترط المسودة على الموظف المتسلم للتصريح تسليم وصل بالإيداع لواضعي ملف تأسيس الحزب، كما لم ترتب عليه أي جزاء في حالة الرفض، وهذا يتكرر في مختلف القوانين بما يفيد ترك الباب واسعا للتأويل وفق مزاج السلطة، إذ رغم الإشارة إلى إحالة الأمر على القضاء الإداري في حالة أي شطط في استعمال السلطة فإن الأمر يتأخر ونتائجه ليست دائما في مأمن من التدخلات، وهذا ما يجعل الداخلية متحكمة في الأمر.

كما اشترطت المسودة حضور 1500 مؤتمر (في المشروع السابق 3000 مؤتمر) لصحة انعقاد المؤتمر.

أما فيما يرتبط بطريقة تسيير الأحزاب وتنظيمها فقد اشترطت أن تكون على قواعد ومبادئ ديمقراطية تسمح لجميع الأعضاء بالمشاركة الفعلية في إدارة مختلف الأجهزة، وأن تسمح هذه المبادئ باختيار هذه الأجهزة عن طريق الانتخاب وأن تضم نسبة معينة من النساء والشباب، وضرورة أن يتوفر على هياكل تنظيمية وطنية وعلى فروع على المستوى الجهوي وعلى صعيد العمالة أو الإقليم وعلى الصعيد المحلي، وضرورة أن ترتكز طريقة اختيار مرشحي الحزب للاستشارات الانتخابية على أسس ديمقراطية واشترط كذلك على الحزب ضرورة توفره على برنامج ونظام أساسي مكتوب (المواد 21 و22 و23 و24 و25) ومنع على كل شخص الانتماء إلى أكثر من حزب (م27).

أما فيما يخص التمويل فقد منع على الحزب تلقي أي دعم من دولة أجنبية أو شخص معنوي خاضع لقانون أجنبي أو من شخص لا يحمل الجنسية المغربية (م31)، وأما الإعانة السنوية التي تخصصها الدولة للأحزاب لتغطية مصاريف تسييرها فبينت المادة أن المعيار المعتمد هو عدد النواب والمستشارين ومؤكدة على أن كل حزب لا يعقد مؤتمره خلال أربع سنوات يفقد حقه في الاستفادة من الإعانة السنوية (م 41) والملاحظ في هذا الباب أن الإعانة تقتصر على الأحزاب الانتخابية فقط؟!!

وفي الباب الخامس المرتبط بالجزاءات أبقت المسودة على العبارات الفضفاضة التي تحتمل أكثر من تأويل، ويمكن تفسيرها من النقيض إلى النقيض، والتي غالبا ما تستغلها السلطة لتفصلها على مقاسها من قبيل النظام العام حيث نصت (م42) على حق وزير الداخلية في أن يأمر بقرار بتوقيف وإغلاق مقار الحزب إذا أخل بالنظام العام. لكن ما هو النظام العام؟! فلا تعريف. وزادت المادة 43 لتبين أن مدة التوقيف تتراوح بين شهر وأربعة أشهر وهي مدة طويلة قد تتزامن مع فترة إعداد للانتخابات مما يحرم حزبا معينا من حقه في العمل آنذاك، وخاصة أن هذه المدة قد تطول لأن من حق وزير الداخلية أن يمدد المدة لشهرين، وهكذا يصبح الحزب موقوفا عن العمل لمدة نصف سنة، بدون حكم قضائي، ومن قبل جهاز طرف في الصراع السياسي. ودائما في العبارات الفضفاضة بينت المادة 14 أنه “يتولى وكيل ينتدبه المؤتمر لهذا الغرض إيداع ملف لدى وزارة الداخلية يتضمن محضر المؤتمر، مرفقا بلائحة المسيرين المنتخبين من طرف مؤتمر الحزب وكذا بلائحة تتضمن أسماء جميع المؤتمرين وتوقيعاتهم وأرقام بطائق تعريفهم…” ولكن المسودة لم تشر إلى حالة رفض بعض المؤتمرين التصديق على التوصيات وهو الأمر الجاري به العمل في كل المؤتمرات إذ يصعب أن يحصل إجماع على توصياته، وقد يقع شنآن بين المؤتمرين أو ما شابه ذلك.

الطابع المميز لهذه المسودة كذلك هو إطلاق يد وزارة الداخلية على العمل الحزبي طيلة كل مراحله، وإفراغ العمل الحزبي من حقيقة وجوده المتمثلة في الوصول إلى السلطة لغاية تطبيق برنامجه الذي شكل أساس حملته الانتخابية والذي على أساسه اختارت الجماهير هذا الحزب، كما أنه أشار بشكل واضح إلى وجود هيئات أخرى تشارك في تدبير الشأن العام دون أن تختارها الجماهير ودون أن تكون واضحة بالاسم ودون أن تكون خاضعة للمساءلة.

كما أن تسليم المسودة لأمناء الأحزاب قصد عرضها للتأمل والتشاور خضع لمنطق إقصائي حيث توصلت بها بعض الأحزاب، ولم تتوصل بها أخرى دون أدنى تبرير.

للمزيد طالع مسودة مشروع قانون الأحزاب السياسية.