لم يعد يخفى على أحد، سواء كان مواطنا عاديا أم باحثا متخصصا، ما تعيشه التنظيمات السياسية بالمغرب من تصدعات وأزمات يمكن إرجاعها لأسباب مختلفة؛ منها ما يرتبط بالبنيات التنظيمية والاختيارات الإيديولوجية والمواقف السياسية والقاعدة البشرية وطرق تدبير الخلافات، وكلها عوامل ذاتية، ومنها ما يرتبط بعوامل موضوعية مثل ضعف المنظومة التشريعية المؤطرة لعمل هذه التنظيمات، كما لا يجب إغفال بعض العوامل التاريخية مثل الظروف التي نشأت فيها، وكذلك تحكم السلطة المخزنية في خريطتها بتفصيلها على مقاسها، وبما يخدم مصالحها، أو تمييع عملها، أو الحد من مبادرتها أو… كما لم يعد يخفى على أحد حجم التحولات التي يعرفها العالم، وهي تلقي بظلالها على المغرب وتلزمه بضرورة التأقلم معها، وتأهيل ذاته لمواكبتها، وتجميع طاقاته ولم شتاته لمواجهة تحدياتها. ولا يشك أحد أن السلطة وحدها عاجزة عن تحقيق هذا الهدف والوصول إلى ذلك المراد، كما لا يشك أحد أن دور هؤلاء الفرقاء السياسيين أساسي في ذلك كله، فهم الذين يتولون مهام التأطير والتوعية والتحفيز والتوجيه والتواصل مع المواطنين. ولذا وجب إيلاء عملهم أهمية قصوى، وفتح المجال لهم.. ولعل هذا ما أحست به السلطة في الآونة الأخيرة فانبرت إلى إصلاح الإطار القانوني لعمل الأحزاب بالمغرب لترقى إلى هذا الهدف.

وليست غايتنا في هذا الموضوع دراسة هذا المشروع، أو الوقوف على جوانب القوة والضعف فيه، فهذا مكانه في مواضيع أخرى في هذا الملف، ولكننا نريد أن نلامس وسط ذلك كله جزءا نقدر أن له من الأهمية ما يستوجب ذلك، إذ نراه محددا أساسيا لمستقبل العمل السياسي داخل هذا البلد، ومؤشرا أساسيا على طبيعة الإرادة السياسية التي تتحكم في حركة صانعي القرار السياسي بهذا البلد، كما أنه قد يشكل مدخلا رئيسيا لإصلاح العلاقة بين مكونات المشهد السياسي داخل هذا البلد.

غاية هذا الموضوع الوقوف عند ظاهرة فريدة تلفت انتباه العام والخاص، حيث أن التعددية الحزبية بالمغرب لم تستوعب بعد وجود الفاعل الإسلامي المتمثل في الحركات الإسلامية رغم وجودها في الواقع، وفعاليتها في الميدان، وكثرة أنصارها، هذا من جهة، ورغم أن فلسفة التشريع في المغرب ليبرالية تحظر الحزب الوحيد وتنادي بالتعددية. فما السر في ذلك؟.

قد يبدو للوهلة الأولى أن المشكل ذاتي يرتبط بهذه الحركات حيث ترفض العمل في ظل هذا القانون، أو تتبنى خيارات أخرى غير هذا الخيار، لكن سنوات من الممارسة، ومحاولات عديدة تثبت أن الحركات الإسلامية بالمغرب قامت بمحاولات عدة في هذا الباب باءت كلها بالفشل، ولا نحتاج أن نذكر بمبادرة جماعة العدل والإحسان في بداية الثمانينات لتأسيس جمعية الجماعة الخيرية، وكذا مبادرة حزب التجديد آنذاك ومبادرة حزب البديل الحضاري. حيث كان رد السلطة هو الرفض بدون تعليل ولا مبرر، وهذا ما يعقد الأمر، ويصعب مأمورية الباحث، ويجعل استنتاجاته مجرد اجتهادات، وأدلته مجرد افتراضات. فما سبب هذا الرفض؟ وكيف تعامل المشروع الجديد مع هذه الظاهرة؟

قبل الشروع في الموضوع نرى لزاما أن نوضح بأن ما يميز الإسلام عن غيره كونه رسالة غير مظروفة بزمان ولا تنحصر في مكان ولا تتوجه إلى فئة دون أخرى ولا تقتصر على مجال دون آخر. فالإسلام رسالة شاملة تشمل كل مجالات الحياة وتستوعبها سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم أخلاقية أو غير ذلك.

أما التوضيح الثاني فيرتبط بكون الحركة الإسلامية فاعل مجتمعي يحمل تصورات ويتبنى مواقف قد تخالف تصورات ومواقف الأطراف الأخرى، ومن حقها كذلك أن تعمل على تحقيقها، ومن الواجب على الجميع أن يفسح لها المجال… ولذا فمن الطبيعي أن تلجأ للعمل السياسي، والطريق الأسلم لذلك هو تأسيس حزب سياسي يتماشى مع تصورها، ويجسد أهدافها. وإلا فالباب يفتح للعمل السري بمساوئه على أصحابه وعلى الجميع.

وتوضيح ثالث لابد من التذكير به، يتجلى في كون استناد حزب إلى مرجعية معينة لا يعني البتة احتكارها، أو ادعاء أحقية الانفراد بتبنيها وتأويل أفكارها و..

أما التوضيح الأخير فيتجلى في خاصية أساسية تطبع عمل الحركة الإسلامية المغربية وهي أنها تنبذ العنف وترفضه وسيلة للعمل ومنهجا للتغيير، ولعل هذا مما لا يجادل فيه مؤيد أو معارض إلا أن يكون حاقدا.

إن المتتبع لتصريحات العديد من الوزراء يلاحظ التناقض بينها، وخير مثال تصريحات وزير الأوقاف ووزير الداخلية، كما أن استقراء بسيطا لمضامينها يجعلنا نستنتج هشاشة الأسس التي تستند عليها السلطة في منع تأسيس أحزاب إسلامية بالمغرب! ولا نحتاج أن نذكر بنتائج هذا التعنت وانعكاساته على مستقبل البلاد والعباد، ولعل إطلالة سريعة على بعض التجارب تزكي ما نقول، وما التجربة الجزائرية والتونسية عنا ببعيد.

لعلها ظاهرة فريدة وغريبة، وملفتة للنظر، بل تستدعي دراسة مفصلة عن سبب الرفض ومدى معقوليته.. فما هي الأسباب؟ إن هذه الأسباب غير واضحة، ولكن يمكن استنتاجها من خلال تصريحات العديد من المسؤولين، ويمكن اختزالها في:

طبيعة السلطة السياسية في المغرب

رغم أن موضوع الترخيص لعمل حزبي إسلامي مثار جدل في دول إسلامية عديدة، لكنه يعرف في المغرب خصوصية بسبب طبيعة السلطة السياسية في المغرب، حيث أن هناك تنصيصا على الدور الديني للملك، وتقعيدا دستوريا لوظيفته في هذا المجال. فالملك بنص الدستور أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، وتأويل هذا النص كان سببا كبيرا في هذا الرفض، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن السلطة عمدت إلى إنشاء هيآت ومؤسسات دينية لتأطير العمل الدعوي وتأويل النص الديني…

لقد درج كل من تصدى لهذا الموضوع إلى استنتاج واحد مفاده أن هذه الخاصية تفيد احتكار السلطة للمجال الديني، ورفض أي فاعل منافس في هذا المجال، وأحقية منفردة للسلطة في تأويل نصوص الشرع، بل هناك من خلص إلى اعتبار كل مجادل في هذه المسلمات مارقا وخارجا عن الجماعة وناقضا للبيعة و… وهذا سبب كاف لمنع إقامة أي حزب إسلامي يستقي من نفس هذه المرجعية، والحركة الإسلامية كما نعلم تستند إلى الإسلام كمرجع في ممارستها، ومنه تستقي توجهها، وهو الحكم الذي تستخلص منه أحكامها، والمنبع الذي تستخرج منه برامجها.

إن هذا المبرر في نظرنا، لا يستند إلى أساس صحيح في الشرع، أو في الممارسة طيلة عقود خلت من حياة المسلمين، ويمكن أن نلمس هذا من خلال الوقوف على دلالات المصطلح في الشرع وفي العهد الأول من تاريخ المسلمين، فلفظ أمير المؤمنين استعمل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولذا يجب استقراء الممارسة السياسية في ذلك العهد، لنقف على أن إمارة المؤمنين لا تفيد البتة احتكار المجال تأويلا وممارسة، وقطع الطريق على كل ذي رأي أو مشورة أو.. ونورد لذلك نصوصا متعددة:

– لقد حاول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الاجتهاد في محاولة تحديد المهر فردت عليه امرأة من العامة مستدلة بآية “وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا” وقنطارا تدل على إباحة التوسع في المهور، فاكتشف عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطأه، وقال قولته الشهيرة “أصابت امرأة وأخطأ عمر” لاحظ -أخي القارئ- امرأة من العامة تعارض أمير المؤمنين أمام الملأ في تأويل نص شرعي !!.

– كان من جملة غنائم المسلمين أبراد يمنية (نوع من اللباس) فقام أمير المؤمنين عمر بتقسيم هذه الغنائم بالعدل وقد أصابه منه بُرْدٌ كما أصاب ابنه مثل ذلك كأي رجل من المسلمين، ولما كان بحاجة إلى ثوب طويل يناسب طول جسمه فقد تبرع له ابنه ببرده، ثم وقف يخطب في الناس وعليه ذلك الثوب فقال: “أيها الناس اسمعوا وأطيعوا” فوقف سلمان قائلا: “لا سمع لك علينا ولا طاعة” فقال عمر: وَلِمَ؟ قال سلمان: من أين لك هذا الثوب وقد نالك برد واحد وأنت رجل طَوَّال؟ فقال: لا تعجل ونادى على ابنه قائلا: ناشدتك الله، البرد الذي ائتزرت أهو بردك؟ فقال: نعم، قال سلمان: الآن “مر نسمع ونطيع”. لاحظ -أخي القارئ- كيف تتم معارضة أمير المؤمنين أمام الملأ، بل وتتم محاسبته، ويمتثل ويجيب أمام الملأ وهذا ما يزيد تأكيده النص التالي:

– خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الناس قائلا: من رأى منكم فِيَّ اعوجاجا فليقومه. فقام أعرابي قائلا: “والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا” فكان جواب عمر “الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمرا بسيفه”.

– وقال له آخر “اتق الله يا عمر فأجابه أحد الحاضرين “أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ لكن عمر نهره قائلا: “لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها”.

إن هذه النصوص قليلة، ولا يسع المجال لإيراد العشرات منها وكلها تفيد أن عدم فتح المجال لأكثر من رأي ليس له سند في الشرع.

أما السند التاريخي، فيمكن أن نستنتجه من تعدد المذاهب الفقهية. واختلاف الصحابة بينهم ولم يكن ذلك ليطعن إطلاقا في مشروعية السلطة ولا في أحقية المخالفين. بل إن أكثر ما يتهدد مستقبل أي نظام سياسي هو الاستبداد وطغيان الرأي الواحد.

إن إعادة النظر في هذا الركام من التصريحات والتأويلات حول تأويل هذا المصطلح ضروري لمستقبل أفضل بين مكونات المشهد السياسي لفسح المجال لكل الفاعلين قصد المساهمة في خدمة البلاد والعباد.

احتكار الدين

وهو السبب الرئيسي الثاني الذي تبرر به السلطة، وكذا بعض الأحزاب عدم التصريح لقيام حزب إسلامي، وهي حجة سطحية ومردودة، ومفادها أن الحزب يمثل مجموعة من الأمة تقابلها مجموعة أخرى لا تنتسب إليه، وبهذا ينقسم الناس إلى قسمين متضادين مما يعني إخراج غير المنتمين للحزب الإسلامي من الإسلام، وهذا يثير حساسيات قد تؤدي إلى فتن وحروب أهلية مع أن الدين لله ولا يحق لأحد أن يحتكره. ولا يخفى ما تحمله هذه الأسباب من مغالطات تتجلى في:

1. إن الانطلاق من مذهب معين واعتباره مرجعية لهذا الحزب أو ذاك، لا يفيد إطلاقا احتكار ذلك المذهب، ولو كان هذا صحيحا لما أمكن أن يوجد في المغرب إلا حزب واحد لكل مذهب، لكننا في الواقع أمام أحزاب وتنظيمات متعددة تستمد من مرجعية واحدة، ولا يدعي أحد احتكار تلك المرجعية من حيث التبني والتأويل، ولكن محاولاته اجتهادية، وحتى إن أسبغ عليها طابع الحسم، فإن الأمر لا يعدو أن يكون اقتناعا ويقينا برجاحة تحليلاته وصحة مواقفه، وقديما كان يقول العلماء “قولي صواب يحتمل الخطأ وقولك خطأ يحتمل الصواب” وما كان أحد يشكك في تواضعهم، وما كانوا هم أنفسهم يترفعون عن محاورة خصومهم و.. ولا يمكن إطلاقا نعت المتمسك برأيه بالتعصب، بل ينبغي محاورته ومناقشته والسعي إلى إقناعه.

2. قد يقول قائل بأن المرجعيات التي تتبناها الأحزاب كالاشتراكية والليبرالية و.. ليست قناعات مجتمعية، أي لا يتبناها الشعب برمته، وهنا نطرح مثالا آخر ببعض القيم التي يفترض أن لا تكون حكرا على فئة دون أخرى، ومنها “الديمقراطية” و”الوطنية”، حيث نجد أحزابا تدعي أنها وطنية أو ديمقراطية أو تقدمية أو … ولم ينعتها أحد البتة باحتكار هذه القيم رغم نزوع بعضها في خطاباتها إلى خلع هذه الصفة عن الأحزاب الأخرى. والكل يعرف أن احتكار هذه القيم في الدولة الحديثة أشد خطرا من احتكار الدين خاصة للذين يقولون “الدين لله والوطن للجميع”.

3. ثم إن هذه الحركات الإسلامية تنص في أول بند من بنود تعريفها على عدم احتكار الدين من خلال التنصيص على أنها جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، فهل هذا لا يكفي؟.

من حيث المبدأ ينبغي الاكتفاء بما تنص عليه هذه الهيآت في قوانينها لأن القانون لا يحكم على النوايا، وإن وقع انحراف في الأداء فالرقابة القضائية على الجميع. أما إذا كان الاحتكام إلى الأفعال فإن الأمر لا ينبغي أن يقتصر على الحركات الإسلامية فقط، بل ينبغي أن يشمل كل التنظيمات السياسية، فكم من الأحزاب تدعي الديمقراطية وهي بعيدة كل البعد عن أبسط تطبيقاتها، ولا نحتاج أن نذكر بأزمة الديمقراطية وسط الأحزاب، أو حتى خارجها، ونحن نعلم أن العديد منها لا تصل إلى الحكومة إلا بتزوير الانتخابات أو بإرادة السلطة.

4. كما أن تعدد هذه الحركات، وهذا ما ينتج عنه تعدد في الأحزاب، خير دليل على عدم الاحتكار.

5. هناك دافع آخر نلمسه من خلال بعض التصريحات، ويتجلى في نعت الحركة الإسلامية لخصومها بالتكفير و.. وهذا تبرير مستورد لا ينطبق على الحالة المغربية، وهنا نذكر مرة أخرى بخاصية التعايش الصحي الذي يعيشه المغاربة منذ قرون، وقد ساهمت فيه عوامل متعددة والمهم أن الحركات الإسلامية لم تلجأ لحد الساعة إلى أسلوب التكفير، أما انتقاد الخصوم فهذا أمر طبيعي وخاضع للنقاش، كما هو الحال بالنسبة للأحزاب حيث تنعت هذه الحركات باللاديمقراطية والرجعية والماضوية… ولا يقول أحد بأنها تحتكر هذه القيم أو تدعو إلى حرب أهلية أو تمزيق المجتمع أو..

6. ولنا في التجارب الرائدة خير مثال، ففي العديد من الدول المتقدمة هناك أحزاب تقوم على أساس ديني كالأحزاب المسيحية في أوربا، ولم يثر ذلك أدنى مشكل، ولا زرع حروبا أهلية أو..

7. إن عدم فسح المجال لقيام أحزاب إسلامية يفيد بالضرورة إجماعا على فتح الاحتكار في هذا المجال للسلطة. وهذا ليس من الديمقراطية والحرية في شيء.

8. ولابد من الانتباه إلى أن الحركات الإسلامية تطالب بتأسيس أحزاب سياسية كباقي الأحزاب، ولا تطالب بتأسيس أحزاب دينية، وهذه مسألة أساسية يجب الوعي بها. ففرق بين الحزب الديني وبين حزب سياسي يعتمد مرجعية دينية.

دكتاتورية الإسلاميين ورفضهم للديمقراطية

وهذا هو السبب الآخر، حيث يتذرع الرافضون بهذا الدليل ليسدوا الطريق أمام “النازيين الجدد” مستدلين بأقوال وتصريحات أو تجارب وممارسات. وكلها حجج صارت مبتذلة لأسباب عدة:

1. أغلب هؤلاء يرتكزون على أدلة وهمية، ويستندون إلى تخمينات وتوقعات، ليس لها أساس من الصحة، ولا يمكن قانونيا منع أحد من حقه بسببها. وكان الأولى أن يفسحوا المجال للجميع ويقوموا بدورهم في تحصين المجتمع من مخاطر هؤلاء.

2. في هذا السبب نوع من الوصاية على المجتمع، حيث ينصب هؤلاء أنفسهم حكاما وملائكة، والواقع يثبت أنهم عكس ذلك تماما لأن أبسط صفات التحكيم لا تتوفر فيهم، وهي القدوة، ولا نحتاج أن نذكر بالممارسات المخزنية التعسفية ولا بالمشاكل الحزبية في هذا المجال.

3. مما تقدم يتضح أن السلطة تحتكر الدين، والأحزاب تريد احتكار الديمقراطية، وهما معا يحاربون عمل الحركة الإسلامية في المساجد. فماذا بقي للإسلاميين؟ وما موقعهم في الخريطة السياسية؟

4. إن الإسلاميين قد لا يوافقون على العديد من الجوانب في الديمقراطية، لكن آراءهم -في المغرب على الخصوص- مجمعة على الاستعداد للاحتكام إلى التعددية والمنافسة والتداول والقبول بما تفرزه الإرادة الشعبية ورفض العنف والانقلابية و.. هذا مكسب ينبغي استثماره وتفعيله لما يخدم المستقبل.

إثارة الفتنة الطائفية

يرد هذا المبرر في تصريحات وزير الداخلية الأسبق (الميداوي) وبعض القيادات الحزبية، وهو مبرر مستورد من بعض البلدان العربية (خاصة مصر) حيث تدعي السلطة أن قيام حزب على أساس ديني أو لغوي أو جهوي يثير فتنة طائفية، وقد يفضي بالبلاد إلى حروب أهلية سيما في البلدان التي توجد فيها أكثر من ديانة أو لغة أو تفاوت جهوي كبير. وهذا ادعاء مردود لأسباب منها:

1. الزعم بأن تكوين حزب يعتنق مبادئ الإسلام ويطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية سيكون مدخلا لتكوين حزب نصراني أو.. وبالتالي حدوث فتنة طائفية وهم غير صحيح لأن التعددية لا تفيد الطائفية طالما كانت الأسس التي تقوم عليها هذه التعددية صلبة (احترام الرأي الآخر – مراعاة حقوق الأقليات – الاحتكام إلى الوسائل السلمية لحسم الخلافات…) وتاريخ المسلمين حافل بلحظات التعايش والتساكن، كما أن تجارب عديدة تثبت الاندماج التام لطوائف عديدة في بعض الأحزاب الإسلامية وخير مثال ما يقع في لبنان، فالأصل في تفادي الطائفية ليس قمع الحرية، ولكنه الإحساس بضرورة تجميع الجهود ولم الشتات لمواجهة الخصم المشترك.

2. النـزعة الطائفية غائبة في المغرب، وتصفح التاريخ خير شاهد على ذلك، بل يخشى أن تكون هذه التصريحات سببا في إثارتها.

3. إن السلطة بتأويلها هذا المتوجس من إثارة الفتنة الطائفية المشكوك في احتمال وقوعها تعمد إلى اتباع أسلوب في العمل محققة نتائجه السلبية، حيث تزرع بذرة التطرف، وتحرم البلاد من طاقات وتفوت عليها فرصا. ولا ينبغي عقلا ومنطقا العمل على تفادي خطر محتمل بوسيلة مؤكدة سلبياتها.

خلاصات لابد منها:

إن تتبع خيوط هذا الموضوع قد يفضي بنا إلى خلاصات عديدة نجملها في:

1. سيظل الترخيص لأحزاب إسلامية أكبر اختبار للتعددية في المغرب، ومدى قدرتها على الانتقال من تعددية شكلية تقتصر على تعدد التنظيمات إلى تعددية سياسية تستوعب كل التوجهات والآراء.

2. العديد من المسؤولين بهذه المبررات يسيؤون أكثر مما يصلحون لأنهم يجردون السلطة من موضوعيتها، ويكرسون سياسة الكيل بمكيالين تجاه الأطراف السياسية، يتشددون مع البعض ويتساهلون مع البعض الآخر. وهذا دليل آخر على إخفاق السلطة في تمثيل كل فئات الشعب. وعلى المسؤولين الانتباه إلى هذا المنـزلق لأنه أكبر مؤد إلى الفتنة.

3. ينبغي الاستفادة من تجارب عديدة قاد فيها التعصب والاستبداد إلى حمامات الدم ودوامة العنف، وسيبقى شبحها مهددا لاستقرارنا في كل لحظة وحين.