شهد المغرب خلال السنين الأولى لاستقلاله أول قانون للحريات العامة ضم قانونا ينظم عمل الجمعيات وثان ينظم التجمعات وثالث ينظم الصحافة. وقد كانت السمة المميزة لهذه القوانين ارتكازها على مبدإ الحرية في التأسيس واعتماد نظام التصريح عند الإيداع وهو تقدم وتطور ينسجم مع منطق الأشياء ومع مقتضيات حقوق الإنسان، لكن عدم التدقيق في الصياغة القانونية للفصول والطبيعة المخزنية التسلطية لرجال السلطة وأجهزتها أفرغا هذا المبدأ من محتواه وحولاه إلى نظام ترخيصي وقيدا مبدأ الحرية بحيث أصبح كل ذلك خاضعا لمزاج السلطة ولخصوصيات كل مرحلة وحسب موقف كل راغب في ممارسة الحرية من السلطة وموقف السلطة منه.

ولم يساهم القضاء في تفعيل تلك المقتضيات إذ بقي الاجتهاد القضائي في الباب محتشما وحتى بعض الأحكام القضائية الرائدة في الباب ظلت حبيسة أرشيف المحاكم أو في أحسن الأحوال تتداول بين الباحثين والأكاديميين يغدون بها أطروحاتهم وعروضهم ونقاشاتهم، أما الواقع فيسوده شكل آخر تتحكم فيه السلطة في مختلف المراحل، وفي كل المجالات.

ورغم كل هذا وذاك لم تقتنع السلطة بهامشها الواسع هذا وتحكمها في مسار الأمور فبادرت إلى إدخال تعديلات على تلك القوانين حيث زادت من حدة القيود ووسعت هامش المقدسات ورفعت من حجم العموميات والعبارات الفضفاضة القابلة للتأويل في كل لحظة ونازلة، وحسب كل شخص أو هيئة.

إيداع التصريح بين الداخلية والقضاء

وهكذا وضدا على مبدأ فصل السلط واعتبار القضاء هو الهيئة المكلفة بالبت في قضايا الحريات العامة وهو الجهاز المخول له تسلم إيداعات التصريح نص قانون الجمعيات في الفصل الخامس على أن الإيداع يكون عند وزارة الداخلية “يجب أن تقدم كل جمعية تصريحا إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية مباشرة أو بواسطة عون قضائي يسلم عنه وصل مؤقت ومختوم ومؤرخ في الحال ..” وهي التي تتولى بعد ذلك الأمر مع النيابة العامة في خرق سافر لفصل السلط ولاستقلالية القضاء وفي تجاهل تام لاعتبارها طرفا في الموضوع ولا يحق لها أن تكون في موقع الحكم “وتوجه السلطة المحلية المذكورة إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية المختصة نسخة من التصريح المذكور وكذا نسخا من الوثائق المرفقة به المشار إليها في الفقرة الثالثة بعده، وذلك قصد تمكينها من إبداء رأيها عند الاقتضاء” وهذا عكس ما سار عليه الأمر فيما يرتبط بقانون الصحافة الذي نص في الفصل الخامس على “يجب أن يقدم قبل نشر كل جريدة أو مطبوع دوري إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالمكان الذي يوجد فيه المقر الرئيسي للجريدة تصريح في ثلاثة نظائر يتضمن البيانات التالية..” وهو ما يبين التناقض من حيث المبدأ لدى المشرع الذي يكيل بمكيالين وتحكمه هواجس وخلفيات لا يعلمها إلا هو. وما يزيد الأمر استغرابا أن المشرع اعتمد الإيداع لدى وزارة الداخلية حتى فيما يخص النقابات المهنية حيث نص الفصل الثالث من قانون النقابات المهنية على “يجب على جميع الأشخاص الذين يريدون إحداث نقابة مهنية أن يقدموا لمكاتب السلطة المحلية المختصة أو أن يرسلوا إليها بواسطة كتاب مضمون مع الإعلان بوصول هذا الكتاب ما هو مبين أسفله…”.

فما السر في اعتماد التصريح لدى القضاء في حالة الصحف، واعتماد التصريح لدى وزارة الداخلية فيما يخص التنظيمات؟ لا شك أن السلطة وحدها تملك الجواب.

ونفس الأمر سار عليه واضعو القوانين فيما يخص مسودة مشروع قانون الأحزاب السياسية حيث تم التنصيص على أن الإيداع يجب أن يكون لدى وزارة الداخلية حيث نص في المادة الثامنة: “يودع الأعضاء المؤسسون لحزب سياسي ملفا لدى وزارة الداخلية مقابل وصل” وحتى بعد المؤتمر التأسيسي فإن الإيداع دائما لدى وزارة الداخلية وهذا ما نصت عليه المادة 14: “عند افتتاح المؤتمر التأسيسي يتولى وكيل ينتدبه المؤتمر لهذا الغرض إيداع ملف لدى وزارة الداخلية مقابل وصل..” ورغم الاحتجاجات والاستنكارات على هذا الأمر الذي تم التنصيص عليه منذ أول مسودة فإن جهود الفاعلين والمحتجين لم تثمر إلا عن تقدم بسيط غير مضمون النتائج ويتمثل في المادة التاسعة التي تلزم وزير الداخلية بإحالة الأمر على القضاء إذا كانت الشروط غير محترمة” إذا كانت شروط أو إجراءات تأسيس الحزب غير مطابقة لأحكام هذا القانون فإن وزير الداخلية يطلب من المحكمة الإدارية بالرباط رفض تصريح تأسيس الحزب داخل أجل تسعين يوما .. إن تقديم طلب رفض التأسيس إلى المحكمة الإدارية بالرباط يعد موقفا لمسطرة تأسيس الحزب”. لاحظ، أخي القارئ، أن مجرد عدم موافقة الداخلية يوقف عمل الحزب ويجعله رهينا بحكم قضائي قد يتأخر، وقد لا ينفذ، وقد تتدخل جهات كثيرة للتأثير في حيثياته.

ونفس الأمر فيما يخص اتحادات الأحزاب السياسية حيث نصت المادة 44 “كل تأسيس لاتحاد أحزاب سياسية يجب أن يكون موضوع تصريح يودع لدى وزارة الداخلية مقابل وصل” والمادة 45 تنص على أن “كل انضمام لاتحاد أحزاب سياسية أو انسحاب منه يجب أن يصرح به لدى وزارة الداخلية مقابل وصل” والمادة 46 تؤكد على الأمر دائما “كل تغيير يطرأ على تسمية الاتحاد أو شعاره أو فقرة أو لائحة مسيريه يجب أن يصرح به لدى وزارة الداخلية”.

إشكالية تسلم وصل مقابل الإيداع

إن المبدأ العام المعمول به لدى مكاتب الضبط داخل الإدارات هو تسليم وصل عن كل إيداع يتضمن تاريخ الإيداع ورقمه وختم الإدارة. هذا مبدأ كوني.

والقوانين الجاري بها العمل في المغرب فيما يخص الحريات العامة كلها صارت في صيغتها المعدلة الحالية، وخاصة بعد سنة 2000، تنص صراحة على هذا المبدأ” الإيداع مقابل وصل “لكن الملاحظ هو أن السلطات المحلية لا تلتزم بهذا المبدأ ولا تحترم هذه القاعدة حيث يتسلم الموظف الملف دون أن يسلم الوصل للمودع مما يجعل هذا المودع تحت رحمة الداخلية، وبما يفرغ التقييد الزمني الذي يأتي بعد ذلك في النص القانوني فيؤكد أن انصرام الأجل دون رد يفيد قانونية الهيئة لأن الإشكال الأساس هو كيف يثبت المودع أنه أودع ملفه في التاريخ الفلاني.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن باقي طرق الإيداع لا تسد الثغرة، فالإيداع بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل لا يجدي لأن الإدارة غالبا ما ترفض تسلم الإرسالية بدعوة “غير مطلوب” أو “غير مرغوب فيه”، وقد يصل الأمر إلى حد التصرف في محتوى الرسالة وإثبات أن الظرف صحيح ولكن المضمون شيء آخر غير ملف تأسيس جمعية أو حزب أو عقد جمع عام أو .. والطريقة الأخرى للإيداع عبر عون قضائي لا تجدي كذلك لأن هذا العون غالبا ما يخضع لضغوط رجال السلطة  إلا من رحم ربك- وحتى إن تسلمت ورفع الأمر إلى القضاء وصدر الحكم ضد الإدارة فإنه يبقى حبرا على ورق لا يفيد الجمعية أو الحزب في شيء لأنه يبقيها دائما في دائرة التضييق والحصار.

ورغم ما تتناقله وسائل الإعلام والهيئات الحقوقية من عشرات الشهادات في هذا الباب نجد المشرع المغربي لم يكترث لذلك ولم يخضع هذه القوانين عند تعديلها لإجراءات تحل المشكل من قبيل تجريم الموظف الإداري الذي يرفض تسلم تصريح الإيداع وتسليم وصل مقابل ذلك، أو إعفاء الإدارة التي كثرت الاحتجاجات ضدها وإحالة الأمر على القضاء مما يفرغ كل التعديلات، رغم أهميتها، من أي مضمون حقيقي وعملي.

بين مبدأ الحرية وواقع التقييد

لقد نص الدستور في الفصل التاسع على مبدأ الحرية حيث جاء فيه: “يضمن الدستور لجميع المواطنين حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة وحرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع وحرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم” ولكنه أعقب ذلك بتضييق قد يبدو في الظاهر منطقيا ولكنه في الواقع خلاف ذلك” ولا يمكن أن يوضع لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون”.

قد يبدو هذا الأمر سليما لو كان الذي يصوغ القانون برلمان يمثل الأمة ومنبثق من إرادتها الحرة وتعبيرها النزيه، ولكنه هيئة يفعل بها ولا تفعل مما يجعلها تحت رحمة السلطة تتصرف فيها كما تشاء.

وهكذا أدخلت القوانين مجموعة من التقييدات ووسعت من لائحة المقدسات والمحرمات التي تجعل ممارسة الحرية عرضة للبطلان.

فالفصل الثالث من قانون الجمعيات ينص على “كل جمعية تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو قد يهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو تدعو إلى كافة أشكال التمييز تكون باطلة”. وهو نفس الأمر الذي سارت عليه مسودة مشروع قانون الأحزاب السياسية حيث نصت في مادتها الرابعة” يعتبر باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على دافع أو غاية مخالفة لأحكام الدستور والقوانين ويهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بالنظام الملكي أو بالوحدة الترابية للمملكة. يعتبر أيضا باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي أو يقوم بكيفية عامة على كل أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان”. كما يزيد من لائحة القيود حيث يشترط في الأعضاء المؤسسين أن يكونوا مسجلين في اللوائح الانتخابية العامة (م7).

أما المثير للاستغراب فهو حين تتحجج الإدارة بألفاظ فضفاضة لا تحتوي على معايير موضوعية وقابلة للقياس من قبيل “الأمن العام” أو “النظام العام” أو “كل ما من شأنه” فآنذاك يصبح الكل بيد السلطة تأمر وتنهى كيف تشاء وتؤول وتحكم بما تشاء.

الخلاصة أن هذه التعديلات وتلك الخلفيات أفرغت مبدأ الحرية ونظام التصريح من مضمونهما وجعلت النظام التشريعي للحريات العامة بالمغرب مقيدا وخاضعا لإذن وترخيص السلطة.