كان المغرب سباقا إلى إقرار التعددية منذ البدايات الأولى للاستقلال، وذلك من خلال ظهير الحريات العامة الصادر في 15/11/1958، وأكد على هذا الأمر خلال أول دستور صادر في 1962 حيث نص على رفض الحزب الوحيد. وقد تم الحفاظ على هذا الخيار رغم التعديل الذي خضع له ظهير الحريات العامة في 10/4/2002 و1973، وكذا التعديلات التي خضع لها الدستور أكثر من مرة في 1970 و1972 و1992 و1996.

وعمليا عرف المغرب على مر السنين ميلاد أحزاب واختفاء أخرى، وتصدع أحزاب واندماج أخرى إلى أن وصلنا في الآونة الأخيرة إلى ظاهرة ملفتة للنظر تتمثل في تزايد عدد الأحزاب التي صار يتحملها المشهد السياسي بحيث أصبح عددها يتجاوز الثلاثين، وهي التي لم تكن تتجاوز أثناء انتخابات 1997 ستة عشر حزبا، أي أن العدد تضاعف عما كان عليه الأمر طيلة عقود، فما هي أسباب هذه الظاهرة؟ وهل هي صحية أم مرضية؟ وهل هذه الأحزاب تخدم مبدأ التعددية؟ وهل جاءت لملء فراغ أم أنها لا تعدو أن تكون زيادة رقمية؟ وهل هي استجابة لمطلب مجتمعي وتعبر عن حاجة شعبية أم هي نتيجة مطامح شخصية؟.

لا نريد أن نطيل الحديث في الإجابة عن هذه الأسئلة، ولكن قصدنا أن نرصد ظاهرة غريبة تتميز بها التعددية المغربية، وتتجلى في عجزها، رغم العدد الهائل، عن استيعاب العديد من الفاعلين في المجتمع مما يجعلها تعددية شكلية تقتصر على كثرة التنظيمات، ولو كانت الفروق بينها غير واضحة، عوض تعدد الأفكار والرؤى والتصورات.

وحتى لا يفهم الكلام على غير محمله الصحيح، والكلام حمال أوجه، لابد من التأكيد بداية على أن العدد في حد ذاته لا يثير مشاكل لأن التعددية لا حد لها ولا حصر، ولا يمكن تصور ديمقراطية حقيقية إلا في ظل تعددية مفتوحة تواكب حركية المجتمع، وتساير تنوع فئاته، ولابد من التأكيد كذلك على أن هناك عوامل موضوعية مقبولة وراْء تأسيس العديد من الأحزاب التقليدية (غياب التداول على المسؤوليات، عدم احترام القوانين الداخلية، غياب فضاء ات للتشاور،..) ويساعد على ذلك ضعف المنظومة القانونية المؤطرة لعمل الأحزاب في المغرب، كما لابد من التأكيد على أننا نعيش فترة انتقالية، وطبيعي أن تتعدد الأحزاب خلالها، فهذا استثناء في ظرف استثنائي، والأكيد أن الأوضاع ستعود إلى حالتها الطبيعية بعد حين؛ ومما يزيد هذا الأمر تأكيدا هو قرب الانتخابات، وميلاد أحزاب قبيل كل حملة انتخابية صار مما يميز المغرب، وكلنا يتذكر العدد الهائل للأحزاب التي تنشأ في هذه الفترة، وربما يرجع سبب ذلك إلى طريقة تمويل الحملات الانتخابية حيث أصبحت الحملات الانتخابية قناة للإثراء إضافة إلى عائدات بيع التزكيات، وربما يساهم في هذا نمط الاقتراع وإرادة الكينونة على رأس اللائحة، ويمكن أن يكون سبب ذلك طموحات شخصية وحرص على مصالح خاصة، سيما أن السياسة في بلدنا صارت الوسيلة المتاحة لذلك بحيث أصبحت وظيفة بمقابل عوض أن تكون خدمة عمومية محركها التطوع.

لكن هل هذه التعددية التي نعيشها هي التعددية السياسية المطلوبة؟

إن التعددية الحزبية، أو التنظيمية، ليست إلا مظهرا، أما جوهر التعددية السياسية فيكمن في تعدد الأفكار واختلاف التصورات، والسبيل إليها هو التعامل مع الجميع على قدم المساواة بفتح المجال لكل وجهات النظر، وعدم إقصاء أي طرف من المساهمة في صنع القرار من موقعه وخدمة البلاد حسب تصوره وهذا هو ما يضفي فعالية على المشهد السياسي لأن التنافس يكون نوعيا آنذاك، وهذا هو التأويل السليم للفصل الدستوري الذي ينص على رفض الحزب الوحيد. ولهذا لا يمكن للمظهر أن ينسينا غياب الجوهر.

إن المتفحص لواقعنا السياسي يلحظ إقصاء غير مبرر يطول مجموعة من الفاعلين، والسبب ليس قانونيا، إذ هناك مجموعة من الهيئات التي استوفت ملفاتها كل الوثائق القانونية المطلوبة ومع ذلك لا تتمتع بحقها المشروع في التنظيم والتعبير والعمل؛ وهناك هيئات مرفوضة مبدئيا ومحرومة من أبسط حقوقها في هذا المجال، بل هناك هيئات محظور ذكر اسمها فأحرى الانتماء إليها.

وهذه كلها عوامل تجعل التعددية التي نعيشها شكلية تفتقد حقيقتها، وسطحية يغيب عنها العمق المطلوب، كما أنها تؤكد أن شرط الدخول في “اللعبة السياسية” ليس قانونيا بالدرجة الأولى، ولكنه يخضع بالأساس لاعتبارات سياسية تتمثل في رضا السلطة والخضوع لإرادتها.

ولاشك أن الخاسر الأكبر في هذا كله هو البلد الذي يحرم من جزء من أبنائه ومن وجهات نظر وآراء قد تكون الأصلح والأصوب.