لنقرأ القرآن حتى ندرك أبعاد سنة “تداول الأيام”، ولنتوقف عند قصة العاقين من بني إسرائيل، متمردي العصور الحديثة على الله، الغارقين في لُجج الأوهام.

لنقرأ القرآن حتى نطَّلِعَ على شهادة الخالق على مخلوقاته اليهودية، لينكشف لنا طرف من الحجب التي تلف القدر الإلهي.

يسمي القرآن الكريم هؤلاء القوم تسع مرات “يهودا” وثلاثا وأربعين مرة “أبناء إسرائيل”، بينما لا يذكر النصارى إلا خمس عشرة مرة. وتستخدم الآيات (78-82) من سورة المائدة تعابير حادة حين تصفهم. هل مرد ذلك إلى الظرفية التاريخية التي عرفت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نزاعات بين المسلمين واليهود؟ أم إنه التاريخ الذي ساهم فيه اليهود بكل قوة؟

يسرد كتاب الله أسماء الأنبياء الذين بعثهم إلى اليهود كما يحكي خيانة الجاحدين من بني يعقوب الذين يناديهم المرة تلو المرة ببني إسرائيل (إسرائيل هو اسم يعقوب في التوراة والقرآن). فهم لم يترددوا في الافتراء على الله بقصص سخيفة أولاها أنه سبحانه وتعالى صارع يعقوب في البرية، وأنه عز وجل غُلب في هذه المبارزة: عبثوا بمعنى اللفظين العبريين القريبين من العربية “إسر” و”إيل”، وأوَّلُوهما ليصبح معناهما “المنتصر على الرب” بعد أن كان “خادم الرب”. لا عجب! فالمارقون لا يتورعون عن سب الله عز وجل.

لا عجب إذن أن تصفهم سورة المائدة بالأوصاف الحقيرة التالية: “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبيس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، لبيس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يومنون بالله والنبيء وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء، ولكن كثيرا منهم فاسقون. لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون” (سورة المائدة: الآيات: 78-82).

أما في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد تميزت العلاقات بين المسلمين واليهود بتوترها الشديد: تعددت مؤامرات الأقلية الثرية الماكرة، وتكررت الأحلاف التي عقدتها مع أعداء المسلمين، واطَّرَدَ نقض عهد التناصر الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم مع القبائل اليهودية فور قدومه إلى المدينة. وبعد سنوات من المكائد والمراوغات، خاصة بعد غدر اليهود بحلفائهم المسلمين في غزوة الخندق، طردوا نهائيا من المدينة. لكنهم لم يَنْسَوا أبداً هذا الفصل من تاريخ شعبهم، ولذا لا يقنع الصهاينة بالطمع في الأراضي التوراتية الممتدة من فلسطين إلى سوريا والعراق ومصر، بل يرنون ببصرهم إلى المدينة المنورة حيث موطن الأجداد من قينقاع وقريضة والنضير. فلا حدود لجشع الدويلة الإسرائيلية.

وسواء أعلنت إسرائيل نياتها التوسعية أو أسرّتها، فإنها تنفذ بجسارة وقحة: أراضي تُضم، ومنازل تُجرف أمام أنظار أصحابها العاجزين، بل أمام العالم الذي لم يعد يبالي. عالم عوَّدَه البث اليومي لهذه الصور على مشاهد الظلم.

حقا تأثر المتفرجون حينا من الزمن وهم يشاهدون أطفال الانتفاضة المسلمين والنصارى سلاحهم حجر يهاجمهم جنود مدججون بأحدث أسلحة القمع فيجرحونهم ويقتلونهم. لكن ما لبثت احتجاجات منظمات حقوق الإنسان أن خفتت. فما جدوى الاحتجاجات والنقض الأمريكي كَنَسَ أكثر من ثلاثين قرارا أمميا يدين الدولة العبرية ويبدي استعداده لنقض كل قرار مماثل؟ لقد أصبحت خدمات البيت الأبيض للدولة الصهيونية أكثر سخاء وأكثر تحررا من القيود الآن وقد تكاثر المستشارون اليهود في الإدارة الديمقراطية وتضاعف عددهم حتى تعذر إحصاؤهم؟

تحتم الآيات القرآنية التي سردناها بتخصيص “الذين قالوا إنا نصارى” بعاطفة تجعلهم أرق قلبا نحو الإسلام والمسلمين. لكن، في انتظار تقارب بين المسلمين وأهل الكتاب، نسمع رئيس الولايات المتحدة يعلن في خطابه الموجه إلى البرلمان الإسرائيلي أنه يشعر بقرابة أخوية تربطه بمضيفيه. غَزَلٌ انتخابي أم يقين صادق؟

نحن نعلم أن محترفي السياسة، مهما قالوا ومهما ادعوا، ليسوا في غالبيتهم رجال مبادئ. أما رجال الكنيسة المعلنين تمسكهم بنصرانيتهم، فيبحثون عن الحوار مع المسلمين، ويصرحون منذ مؤتمر الفاتيكان الثاني أن الأوان قد آن لطي الصفحة وافتتاح عهد يسوده التفاهم والتعاون مع الإسلام.

نحن نرحب بكل تعاون مع الذين “قالوا إنا نصارى” إذا ما استثنينا الجدل اللاهوتي العقيم. فلنعرض إذن عن نقطة الخلاف هاته ولنجلس معا لتدارس الوضع العالمي الحالي، ومناقشة السبل الكفيلة بتنقيته إذا ما تضافرت جهود ذوي النيات الحسنة. فرغم أن لون سماءينا ليس واحدا، إلا أن أرضنا واحدة، وفوقها نعالج مشاكل عاجلة: البؤس المادي والمعنوي، والإفساد الذي يمارس على البيئة ومصير الأطفال والأقليات ثم الحروب، والقائمة طويلة.

فلنجلس معا لمعالجة هذه المشاكل، علنا نمتع كل بلد في العالم، كل شعب بل كل إنسان بل كل كائن بالإحسان العالمي، بالسلام الكوني، بمحبة الآخر، بكل فضيلة يحض عليها شرعنا ويأمر بها كتابكم.

ألم يستقبل النبي الكريم محمد صلى الله عليه ولسم أتباع عيسى عليه السلام القادمين من نجران؟ ألم يؤوهم في مسجده الشريف، ثاني الحرمين، ويقعد معهم يحاورهم على تربته الطاهرة؟

في كتابنا آيات تتلى وستظل تتلى إلى قيام الساعة تحضنا على المعاملة الحسنة للذين قالوا إنا نصارى، لكن فيه آيات أخرى تحذرنا من كل جاحد كفور خاصة إذا كان يهوديا.